230 مليون عامل مهاجر يعيلون مليارا

المهاجرون متهمون بزيادة البطالة وسرقة وظائف لا يقبلها السكان المحليون.
الخميس 2022/06/23
منقذون أم عبء على الاقتصاد

النظرة السائدة بشأن الهجرة نظرة سلبية تعتبر المهاجرين سببا في انتشار الفوضى في البلدان المستقبلة وارتفاع معدلات البطالة، لكن هذه النظرة تغفل عن مزايا كبيرة يقدمها المهاجرون لتلك البلدان أو لبلدانهم الأصلية.

لندن - يعدّ 230 مليون عامل مهاجر الآن مصدرا رئيسيا لإنقاذ حياة ما يصل إلى مليار شخص يتضورون جوعا في أفقر مجتمعات العالم، فضلا عن شريان حياة حيوي لاقتصاد بلدانهم الأصلية. وتصل تحويلات العمال المهاجرين إلى أكثر من 600 مليار دولار سنويا، وهو ما يزيد ثلاث مرات عن إجمالي مساعدات التنمية الرسمية العالمية، والتي تبلغ الآن حوالي 180 مليار دولار.

ومن المتوقع أن تزداد تدفقات التحويلات المسجلة رسميا إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط بنسبة 4.2 في المئة هذا العام لتصل إلى 630 مليار دولار، وفقا لأحدث موجز عن الهجرة والتنمية صادر عن البنك الدولي في الحادي عشر من مايو.

وفي الآن نفسه، تجاوزت تحويلاتهم بالفعل ستة أضعاف “الأرباح” المقدرة بنحو 100 مليار دولار سنويا، التي حققتها العصابات الإجرامية والمتاجرون بالبشر والمهربون والمستغلون الجنسيون. كما زادت تدفقات تحويلات العمال المهاجرين خمسة أضعاف على مدى السنوات العشرين الماضية، حيث عملت في مواجهة التقلبات الدورية خلال فترات الانكماش الاقتصادي في البلدان المتلقية.

المهاجرون يتم استغلالهم بكثرة كورقة انتخابية وينظر إليهم الناخبون كتهديد لرفاهيتهم وعبء ينبغي التخلص منه

ومن الواضح أن هذه هي حالة المهاجرين “المتميزين” الذين تمكنوا من البقاء على قيد الحياة والعثور على عمل. ولم يحالف الحظ عشرات الآلاف من المهاجرين.

ويضطر المزيد من الملايين من البشر إلى الهجرة بسبب الصراعات المسلحة، والكوارث المناخية من صنع الإنسان، والجفاف الشديد، والفيضانات المدمرة، والمديونية العالية، والمجاعة، وتقلص المساعدات الإنسانية، والاضطهاد السياسي وخطر الموت.

ويتم الإبلاغ عن الآلاف من المهاجرين سنويا خلال رحلاتهم البرية والبحرية، لاسيما في البحر المتوسط، أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا التي يُنظر إليها على أنها أرض الميعاد للديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة.

وعبَر ما لا يقل عن 27800 شخص من القرن الأفريقي إلى اليمن الذي مزقته الحرب في الأشهر الخمسة الأولى من 2022، أكثر من إجمالي الذين خاضوا الرحلة طوال العام الماضي على امتداد أكثر طرق الهجرة البحرية ازدحاما في العالم قبل الوباء، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة. وتعدّ الزيادة في عدد الوافدين “مدعاة للقلق” في بلد يكابد الآن عامه الثامن من الصراع.

ويواجه المهاجرون عند وصولهم إلى اليمن رحلات محفوفة بالمخاطر إلى دول الخليج بحثا عن عمل، وفقا لتقرير المنظمة الدولية للهجرة.

وغالبا ما يسافرون عبر الخطوط الأمامية للنزاع ويواجهون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان مثل الاحتجاز في ظروف غير إنسانية والاستغلال والنقل القسري عبر خطوط السيطرة. وغالبا ما تبلغ النساء والفتيات عن تعرضهن للعنف القائم على النوع الاجتماعي أو سوء المعاملة أو الاستغلال، عادة على أيدي المتاجرين والمهربين.

ويعرّض المهاجرون الذين يخاطرون بحياتهم لعبور البحر المتوسط ​​إلى أوروبا على متن قوارب واهية يقودها مهرّبون أنفسهم لخطر الموت الآن، حسبما أفادت به مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العاشر من يونيو 2022.

وتُظهر أحدث الأرقام التقريبية من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن هناك 3231 قتيلا أو مفقودا في البحر العام الماضي، وهو ارتفاع حاد عن سنة 2020. وقالت المفوضية إن الوضع “مأساة واسعة الانتشار وطويلة الأمد ومغفول عنها إلى حد كبير”. وأشارت وكالة الأمم المتحدة إلى أنه “على الرغم من أن بعض أولئك الذين يعبرون البحر المتوسط ​​يريدون حياة ووظائف أفضل، فإن الكثيرين يفرون من الصراع أو العنف أو الاضطهاد”.

مهاجرين يعرضون أنفسهم لخطر الموت من أجل الهروب من الفقر
مهاجرين يعرضون أنفسهم لخطر الموت من أجل الهروب من الفقر

ويكون المهاجرون فريسة سهلة للعصابات الإجرامية والمتاجرين بالبشر والمهربين، ويقعون ضحايا الاستغلال القاسي والموجة المتزايدة من التمييز وكراهية الأجانب التي يُؤجّجها بشكل متزايد معظم السياسيين.

ويتم استغلال المهاجرين بكثرة كورقة انتخابية في معظم البلدان الصناعية، وينظر الناخبون إليهم على أنهم تهديد لرفاهيتهم وعبء ثقيل ينبغي التخلص منه، كما لو أن هذا من شأنه أن يخفف من تأثير الأوبئة التي لم يتسببوا فيها والحروب التي لم يشنوها، والكوارث المناخية التي لم يولدوها، والفشل في معالجة العقبات الاقتصادية المستمرة، والتضخم، والركود، وما إلى ذلك.

وغالبا ما تأتي التكلفة الاقتصادية التي يضطر كل من المهاجرين وأسرهم إلى دفعها مقابل رحلاتهم للبقاء على قيد الحياة على حساب المديونية المرتفعة.

ويطالب المهربون بالمزيد من الأموال، حيث تضاعفت أنشطة التهريب عبر البحر إلى إيطاليا تقريبا، في حين قفزت رسوم هذه الرحلة من 6 آلاف إلى 12 ألف يورو، وفقا لتقرير “دو سماثينغ” للمنصة غير الربحية حول الاتجار بالبشر.

ويكتسح المهاجرون واللاجئون وطالبو اللجوء العديد من الدول الأوروبية.

وفي ما يشبه إلى حد كبير “عملية كنس الغبار” التي تهدف إلى التخلص من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء عن طريق شحنهم بعيدا، فإن عملية “تخريج” الملايين من ضحايا الحروب والفقر وأزمة المناخ والاضطهاد السياسي تنمو بسرعة.

أحدث الأرقام التقريبية من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تُظهر أن هناك 3231 قتيلا أو مفقودا في البحر العام الماضي، وهو ارتفاع حاد عن سنة 2020

وبحسب الأمم المتحدة تمثل التحويلات ​​ما يصل إلى 60 في المئة من دخل الأسرة المتلقية في المتوسط، وهو ما يزيد عن ضعف الدخل المتاح لها عادة. وهو ما يساعدها في توفير احتياطي ومواجهة تقلبات الأوضاع.

وتظهر التحليلات في 71 دولة نامية أن للتحويلات آثارا كبيرة في الحد من الفقر، حيث تؤدي الزيادة بنسبة 10 في المئة في نصيب الفرد من التحويلات إلى انخفاض بـ3.5 في المئة في نسبة الفقراء من السكان.

وفي المجتمعات الريفية، يُصرف نصف التحويلات في النفقات المرتبطة بالزراعة.

وما يثير الاستغراب حاجة البلدان المستقبلة إلى اليد العاملة الرخيصة حيث يشهد الطلب على العمالة ارتفاعا في عدد من البلدان الأوروبية.

وكانت إسبانيا، على سبيل المثال، تشتكي من النقص المتزايد في الندل وعمال النظافة والأشغال المنزلية التي تشتد الحاجة إليها بالإضافة إلى قطاع البناء والفنادق والمقاهي والمطاعم وغيرها من القطاعات التي تعتمد على السياحة.

والتفسير المقدم هو أن المواطنين الإسبان لم يعودوا مستعدين لقبول الوظائف المحفوفة بالمخاطر، والأجور المنخفضة، والعقود الموسمية، وساعات العمل الشاقة.

ولا يحتاج الأمر إلى الكثير من التفكير والاستنتاج بأن الحل يكمن في السماح لمزيد من المهاجرين بأداء هذه المهمة. ولكن في معظم البلدان الصناعية والأغنى “تتهم” الأحزاب السياسية اليمينية واليمينية المتطرفة المهاجرين بـ”سرقة” الوظائف، وتلقّي المساعدة الإنسانية وبالتالي حرمان العاطلين عن العمل الوطنيين والشباب وكبار السن و”إهدار” أموال المواطنين.. ناهيك عن كونهم “سببا في ارتفاع الجرائم”.

6