"وهم الهوية" كتاب يتوسل بالثقافة والمطالعة لتصحيح الهوية الجزائرية

مليكة شعلال تؤكد على ضرورة الحوار داخل البلد الواحد وبين البلدان والحضارات والديانات لتحقيق تكامل الهويات ونبذ الصراعات.
الأربعاء 2021/09/15
الهوية ليست معطى ثابتا (لوحة للفنان بوخاري زروقي)

الجزائر – قطعت بلدان شمال أفريقيا شوطا هاما وإن كان شكليا في الاعتراف بالحقوق الثقافية للأمازيغ، لكن الطريق مازال طويلا وشائكا للوصول إلى جو تطمئن فيه النفوس لتسمح بتواصل العقول وضمان وحدة المجتمع وترسيخ الأخوة بين مختلف مكوناته وتحقيق هوية متكاملة.

وتبقى قضية الهوية على رأس اهتمامات المثقفين والكتاب والمفكرين الذين يتصدون لهذه القضايا محاولين تكريس التنوع والتكامل نبذا للتفرقة والتقسيمات والرؤى المغلوطة خاصة للتاريخ المشترك بين العرب والأمازيغ، هذه الرؤى قادت الكاتبة الجزائرية مليكة شعلال إلى تبين قصور نظرتها إلى الصدام بين الثقافتين العربية والأمازيغية في الجزائر منذ وقت مبكر، لتقر بأن الهوية تكامل وتعيد تعديل نظرتها منطلقة من طفولتها في منطقة القبائل إلى ما تلاها من تنقلها إلى العاصمة المتنوعة الأعراق.

وتشاطر شعلال في أول محاولة أدبية لها بعنوان “وهم الهوية” قراءها تصورها الخاص بـ”الهوية” مثلما عاشتها وبإحساس بمثابة تراكم لعدة أمور كالتربية والمطالعة والتجارب الشخصية التي تبلور من خلالها تصورا ثقافيا للهوية.

كتاب يتناول نمط معيشة المؤلفة في طفولتها

ويتناول هذا الكتاب على امتداد 123 صفحة من إصدار دار النشر “Medias Index” نمط معيشة المؤلفة في طفولتها في منطقة القبائل مسقط رأسها، وذهابها للإقامة في العاصمة الجزائر التي تتميز “بمزيج من الإرث الثقافي ونمط معيشي وطريقة تفكير وارد من جميع أنحاء الوطن”.

وتروي الكاتبة تجربتها في المدرسة وتساؤلاتها حول استعمال وتعلم اللغة الأمازيغية وعلاقتها بـ”الآخر” الذي أضحى “منافسا” يغذي في فكر التلميذة مقدمة صورة قاتمة حول الثقافة واللغة والفكر العربي.

وقد أوضحت الكاتبة أن هذا الإحساس بالرفض تحول بسرعة إلى شعور بالانتماء عندما اكتشفت “الدعم الكبير الذي قدمته الحضارة الإسلامية للنهضة الأوروبية”. وانطلاقا من هذا الاكتشاف، تحدثت الكاتبة عن “مصالحة مع الثقافة العربية” وامتلاكها “ثقافة مزدوجة”.

وضمن بلورة “تصورها للهوية” تحدثت الكاتبة عن أحداث حاسمة مثل حرب لبنان والاطلاع على القضية الفلسطينية وتصاعد العنف في منطقة الشرق الأوسط. وعقب العشرية السوداء وانعكاساتها، تحدثت شعلال عن قدوم وسيلة الإعلام الآلي والإنترنت الذي دفعها إلى مراجعة بعض قناعاتها بمجرد زوال الحواجز الجغرافية والثقافية واللغوية مرة واحدة.

كما استرجعت الكاتبة الأحداث الكبرى التي هزت العالم العربي منذ 2011 على غرار سقوط عدة أنظمة واستفحال ظاهرة الإرهاب حيث أكدت على ضرورة الحوار داخل البلد الواحد وبين البلدان والحضارات والديانات.

وتبقى قضية الهوية الأمازيغية محورا شائكا في الجزائر إذ لم تدرس دراسة علمية ناضجة في ظل مناخ خال من التوترات والحسابات السياسيوية إلى يومنا هذا، وبسبب هذا فقد بقيت هذه القضية أشبه باللغم الذي يثير المخاوف، وينذر بالتصدعات، وبنشوب صدامات إثنية قد تؤدّي جميعا إلى انزلاقات خطيرة تخلخل استقرار البلاد الهشّ وتحوّل نزعة الانفصال إلى تقطيع للأوصال. وهو ما يحاول الأدباء والمثقفون والفنانون التصدي له من خلال فحص متأن يرسخ مسألة التنوع الهووي.

ويرى كتاب من أمثال أزراج عمر أنه من المفروض أن تشهد قضية الهوية الأمازيغية حوارا وطنيا علميا يقوده ويتصدّره المفكّرون والأنثروبولوجيون وعلماء اللسانيات وفقه اللغات ودارسو ونقّاد الثقافة والمؤرّخون وفلاسفة التاريخ، وذلك بهدف تحقيق غاية أساسية، وهي التمييز أولا بين المنظور التاريخي والثقافي والحضاري للهوية بما في ذلك عناصرها التي تنتمي إلى الأبعاد اللغوية والثقافية والسياسية، وبين المنظور العرقي الذي يحصر مكون الهوية في بعد واحد، وهو البعد السلالي الدموي، ومن ثم الشروع، ثانيا، في دراسة خصائص فرادة هذه الهوية دون طمس أو إهمال أو إنكار تناصها مع تنوّع الثقافات والحضارات التي كان لها لقاء بها في مختلف الدورات التاريخية.

قضية الهوية الأمازيغية بقيت أشبه باللغم الذي يثير المخاوف، وينذر بالتصدعات، وبنشوب صدامات

ويرى الجزائريون أن الاهتمام بالثقافة الأمازيغية من شأنه أن يجمع كل الجزائريين وينبذ كل أشكال التفرقة ويقوي اللحمة المجتمعية ويساهم في تعزيز الوحدة الوطنية ويحقق التنوع ويثمنه ما يساهم في نسيج اجتماعي متماسك تقوده ثقافة الاختلاف علاوة على ترسيخ الهوية كمعطى متعدد لا أحادي.

وعلى غرار الكثير من المثقفين الجزائريين، تقر الكاتبة بأن المقوم الرئيسي للهوية الجزائرية سيبقى دوما عنصرا مشتركا يعني كل الجزائريين بمختلف مشاربهم ولذلك يستوجب أن يأخذ حيزا من الاهتمام الإضافي على جميع المستويات والأصعدة، وإن كانت تركز على الدور المحوري للثقافة والتعليم في هذا المستوى.

ويذكر أن مليكة شعلال درست مادة العلوم الفيزيائية في الطور الثانوي قبل أن تزاول مهنة الكتابة والتأليف. وبعد تجربة عمرها سبع سنوات في مجال الإصدارات غير الأدبية ها هي اليوم تنشر كتابها “وهم الهوية”.

16