وهران شخصية مركبة من صوفية الجيلاني ونزوح الأندلسيين

مدينة جزائرية تحتضن ألعاب المتوسط بزخم تاريخي وحضاري فريد.
السبت 2022/06/25
مدينة تتغنى بإرثها الثقافي والحضاري

تكفي زائر مدينة وهران في الجزائر جولة خفيفة ليقف على ذلك الزخم والتراكمات التي شكلت على مر العصور شخصية المدينة، كما تنحت الريح والأمواج الصخور الصلبة. فمن شاطئ الأندلسيات وبلدة عين الترك، وقلعة “سانتا كروز” ومرورا بسيدي الكبير وضريح سيدي الهواري ووسط المدينة، يكاد الزائر يلامس مأساة التهجير المسيحي لمسلمي الأندلس نحو شواطئ الضفة الجنوبية، والغزوات الإسبانية للاستيلاء على المدينة، ومرور الأتراك، وقبل الجميع رموز العصر الذهبي للصوفية، ثمّ اللمسة الأوروبية على أحياء ومبان وصفتها بـ”باريس الصغرى”.

وهران هي المدينة الثانية في الجزائر، وإحدى أهم مدن شمال أفريقيا وحوض المتوسط، يعود تأسيسها إلى مطلع العام 900 ميلاديّا، وهي فسيفساء تاريخية وحضارية اجتمعت فيها الجذور البربرية، فتسميتها مشتقة من جمع لفظ الأسود بالأمازيغية، ومنذ ذلك التاريخ تداول على إدارتها أهلها المحليون من عرب وبربر ومحتلين وحلفاء، بحسب الروايات المتداولة في المراجع التاريخية.

وستكون المدينة، بكل تراكماتها التاريخية والحضارية وبإمكانيات الدولة الجزائرية المستقلة، بداية من اليوم إلى الخامس من يوليو عاصمة لألعاب البحر المتوسط، وكان بإمكان وهران وحدها أن تسوق لنفسها كقطب متوسطي تجتمع فيه كل المقومات والمعايير، فهي بمنأى عن الدعاية السياسية والإعلامية الجوفاء التي تستهدف توظيف الاستحقاق سياسيا لصالح السلطة المركزية، فتاريخيا هي شاهد على أطماع الاستعمار وروحيا هي عاصمة طريقة صوفية لها جذورها التاريخية الضاربة في القدم من بغداد العراقية إلى الجزائر، وفنيا هي عاصمة أغنية “الراي”، ومسقط رأس المسرحي عبدالقادر علولة، والمفكر بختي بن عودة، وأدبيا هي مكان رواية “الطاعون” لألبير كامو، وإنسانيا هي التي احتضنت النازحين من الأندلس.

عاصمة الجزائريين الاجتماعية

وهران ستكون بداية من اليوم إلى الخامس من يوليو، بإمكانيات الدولة الجزائرية، عاصمة لألعاب البحر المتوسط، مع أنه بوسع المدينة وحدها أن تسوّق نفسها كقطب متوسطي تجتمع فيه كل المعايير
وهران ستكون بداية من اليوم إلى الخامس من يوليو، بإمكانيات الدولة الجزائرية، عاصمة لألعاب البحر المتوسط، مع أنه بوسع المدينة وحدها أن تسوّق نفسها كقطب متوسطي تجتمع فيه كل المعايير

كل شيء في وهران يخفي في ثناياه حكاية، ولذلك فإن القادم إليها يشدّه الحنين إلى العودة من جديد، لأنه سرعان ما تتشكل لديه لغة صامتة لا يفهمها إلا هو وهي، والسر هو ذلك الخليط المشَكل من مختلف الألوان والأطياف، وتلك الطيبة والكرم اللذان يطبعان يوميات أهلها؛ ففي بساطة هؤلاء تستشف قيم الجود، لذلك استحقت أن تكون عاصمة اجتماعية بامتياز، فهي من المدن القليلة جدا في الجزائر التي تتسع لأهاليها ولكل الجزائريين من مختلف الربوع والمحافظات.

وإذ استحقت أن تكون عاصمة متوسطية على مدار أسبوع ونصف الأسبوع لاحتضان دورة الألعاب الإقليمية، فهي جديرة باحتضان الزخم المتوسطي وتقديم صورة حقيقية عن الجزائر، وكفيلة بتسويق رسائلها قبل أن تتدخل الآلة الدعائية البيروقراطية لتعكس المسار بإنتاج تسويق فج  لوهران، وبآليات جافة تنتزع تلك العفوية والتلقائية التي ألفها من يعرف المدينة التي ستستقبل وفود 26 دولة.

وتذكر مراجع تاريخية أنه في إحدى الغزوات الإسبانية التي استهدفت المدينة بعد سقوط الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر سأل ضابط إسباني دليلاً له عن النسوة اللائي كن منهمكات في زراعة النباتات والورود في أعلى الساحل، فرد عليه: هؤلاء الأندلسيات، في إشارة إلى النساء اللائي نزحن من الأندلس إلى السواحل الجنوبية للمتوسط وإلى الساحل الوهراني، ومذاك حمل هذا الساحل تسمية “الأندلسيات” اللائي نقلن إليه حرفة غرس النباتات والأزهار التزيينية.

وجبة الفقراء الصامدة

كنيسة "سانتا كروز" في وهران تضم تمثال مريم العذراء الذي يقال إنه نسخة طبق الأصل من تمثال كاتدرائية نوتردام دي لاغارد في مدينة مرسيليا الفرنسية

وفي قمة جبل المرجاجو شيّد الإسبان قلعة “سانتا كروز”، وهناك ابتكر طبق “الكرنتيكا” التاريخي الذي رغم ارتباطه بالحروب والأزمات ووصفه بوجبة الفقراء، إلا أنه مازال يقاوم في صمت الأطباق المحلية والغربية والعربية، ويعبر عن نوستالجيا خاصة لدى متذوقيه.

طبق “الكرنتيكا” بسيط في تركيبته وتحضيره، فهو عبارة عن مزيج من الماء وطحين الحمص والملح والزيت، وقد يضاف إليه البيض في وصفات محدثة، ويطهى في الفرن حتى يصبح ذا قوام متماسك، وتتكون فوقه طبقة محمرّة خفيفة، بعدها يتم سحبه مباشرة ويقدم ساخناً، إما على شكل قطع مربعة لمن يرغب في تناولها بطريقة خفيفة، أو يوضع داخل رغيف من الخبز، وهي الطريقة التقليدية لتقديمه، كما تضاف إليه بعض المنكهات كالكمون أو الهريسة أو الجبن أو الزيتون.

وتقول روايات تاريخية إن اكتشاف وجبة “الكرنتيكا” يعود إلى القرن  السادس عشر، وإلى الحصن الأثري في وهران الذي كان عبارة عن ثكنة للجيش الإسباني، وأثناء إحدى المعارك بين الإسبان وبين المسلمين العثمانيين، الذين كانوا يحاولون تخليص المدينة منهم، حوصر الجيش الإسباني مما أجبره على البقاء داخل الحصن حتى نفد الطعام من المخازن، ولم يبق منه سوى طحين الحمص الذي لم يكن عادة ذا أهمية تذكر، وأمام الجوع الشديد والحاجة إلى الغذاء ابتكر الجنود الإسبان هذه الوجبة وطبخوها بما بقي لديهم من ملح وماء، ليكتشفوا أنها ذات طعم طيّب، فانتشرت منذ ذلك الحين، وانتشرت في عموم المدينة، ومنها إلى جميع المدن الجزائرية الأخرى، لتكون جزءا من الذاكرة التاريخية.

 ولا يزال حصن “سانتا كروز” الذي أخذ اسمه من قائد إسباني كان يدعى سيلفادي سانتا كروز يقدم شهادته الحية على واحدة من المراحل التاريخية لوهران، وتذكر روايات تاريخية أن الحصن وضع تصميمه مهندس محلي قتله الإسبان بعد تشييده بين نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، وبجانبه بقايا مسرح روماني مازالت أحجاره تروي حكاية ركح لا أحد يدري ماذا كان يعرض وكيف كان جمهوره. وغير بعيد عنه تتواجد كنيسة صغيرة، تعرف باسم كنيسة “سانتا كروز” وفيها تمثال مريم العذراء الذي يقال إنه نسخة طبق الأصل من تمثال كاتدرائية نوتردام دي لاغارد في مدينة مرسيليا الفرنسية.

وحين عصف وباء الطاعون بسكان مدينة وهران في 1847، والتي كانت مصدر إلهام كامو، كانت الجالية الأوروبية في وهران تتبرك بالكنيسة لوقف تمدد الوباء وسقوط الأمطار، ولما تحقق لهم ذلك تم تشييد تمثال مريم العذراء الذي ظل مزارا لهؤلاء حتى خروج الأوروبيين من البلاد، حيث لم يبق فيها إلا الأسقف وبعض التابعين الأوروبيين وقلة من الجزائريين. وتحظى حاليا برعاية رسمية من طرف الحكومة الجزائرية، وقد شيد السكان المحليون مزارا دينيا صوفيا من أجل التعبير عن تمسكهم بسيادتهم السياسية والروحية وإعلاء راية الهلال على الصليب، خاصة وأن الأحداث تزامنت حينها مع سقوط الأندلس ونزوح المسلمين منها فرارا من بطش الحملات الصليبية.

الطريقة الصوفية ذات الجذور التاريخية الضاربة في القدم من بغداد العراقية إلى الجزائر، تتخذ من وهران حاضرة لها. أما فنيا فهي منبع أغنية "الراي"، وأدبيا هي مكان رواية "الطاعون" لألبير كامو

عبدالقادر ووهران

وما زالت بركة عبدالقادر الجيلاني البغدادي في المزارات والقباب وفي طقوس السكان، فهذا الرجل الورع الذي لم يزر الجزائر ولا المنطقة المغاربية تمثل طريقته الصوفية جزءا مهما من الهوية الروحية للجزائريين، خاصة لدى الأجيال المخضرمة التي تتنفس بـ”الشيخ عبدالقادر”.

وفيما يسير نفوذ الطريقة القادرية إلى التلاشي لدى الشباب تحت زحف التيارات الدينية الأخرى، فإن لعبدالقادر حكاية أخرى لدى أهل وهران ولدى مريديه؛ فأكبر أغنية عالمية تذكره وهي تؤدى في مختلف الصالات والمسارح العالمية وعلى لسان العشرات من الفنانين، بحناجر عدة فنانين من الغرب الجزائري ومن وهران تحديدا، وعلى رأسهم الشاب خالد الذي أخرج قصيدة “عبدالقادر يا بوعلام” من إطارها المحلي الضيّق إلى العالمية بعد إعادة تلحينها وتوزيع موسيقاها، بينما يبقى سيدي الهواري الحارس الروحي للمدينة بضريحه في الحي الذي حمل اسمه، فهو ذراع الطريقة القادرية في وهران.

وأغنية “عبدالقادر يا بوعلام” هي قصيدة شعرية شعبية تتغنى برمز الطريقة القادرية، وتحتفي ببركة وورع الرجل اللغز الذي استقطب الكثير من المريدين والأتباع في أرض بعيدة عن بغداد، وذلك واحد من الألغاز التي تحمل سرا رهيبا عن ترابط المشرق بالمغرب، وأما “بوعلام” فهو تحوير للفظ “أبوعلم” أي حامل الراية.

وقد أنجبت وهران العديد من الفنانين الجزائريين الكبار، على غرار بلاوي الهواري وحسني شقرون والشاب نصرو والشاب خالد وآخرين. وفيها اجتمعت الأغنية البدوية والمديح وأغنية “الراي”، وهي أغنية كسرت جميع التابوهات وأخرجت المكبوت لدى الشباب.

سرّ الدولة في مرسى الكبير

Thumbnail

عند انقلاب عقيد الجيش وقائد الأركان حينها في بدايات الاستقلال هواري بومدين على الرئيس الأول للبلاد أحمد بن بلة عام 1965، كان تفريط المفاوضين الجزائريين في بعض المصالح الاستراتجية خلال مفاوضات الاستقلال ذريعة المجموعة الانقلابية، ومن أبرز تلك المصالح الموافقة على استمرار الوصاية الفرنسية على قاعدة مرسى الكبير في مدينة وهران، وهي القاعدة التي كانت ضمن أولويات الرئيس الجديد للبلاد حينها إلى جانب قطاع المحروقات لاستعادة السيادة الوطنية عليهما.

وظلت قاعدة المرسى الكبير القابعة في خليج المدينة منذ الهجومات الإسبانية وبعدها الفرنسية مطمع أي قوة تريد السيطرة على المدينة، ولذلك حاولت فرنسا المحافظة عليها بعد استقلال الجزائر بموجب الاتفاق المبرم بين الطرفين، إلا أن الرئيس المنقلب انقلب على كل شيء واستعاد سيادة الدولة على مصالحها الاستراتيجية، ومنذ ذلك الحين تشكل قاعدة مرسى الكبير أهمية قصوى للدفاع الوطني، وتوصف بـ”سر الدولة”، قياسا بما تتضمنه من أسرار عسكرية ودفاعية؛ فما تحت الأرض والماء أكثر مما يتحرك على اليابسة، حسب روايات موثوقة.

ولهذه القاعدة ذكرى دامية عند الفرنسيين، فهناك فقدت زهاء 1300 بحار من قواتها وأسطولا بحريا بكامله أثناء الحرب العالمية الثانية، ولكن ليس من طرف النازية الألمانية بل من طرف الحليف البريطاني. واستذكر السفير الفرنسي بيرنارد اميي عام 2015 الذكرى بالقول في الاحتفالية التي انتظمت هناك “وددت اليوم أن نجتمع في المقبرة البحرية مرسى الكبير لإحياء ذكرى 1297 بحارا فرنسيا قتلوا أثناء المأساة التي حدثت بتاريخ 3 يوليو 1940 وبشكل عام إحياء ذكرى المقاتلين الذين دافعوا عن قيم فرنسا خلال الحربين العالميتين”.

الآلة الدعائية البيروقراطية تعكس المسار بإنتاج تسويق فج لوهران، وبآليات جافة تنتزع تلك العفوية والتلقائية التي ألفها من يعرف المدينة التي ستستقبل وفود 26 دولة

ضحية اللوبيات

وهران التي ستحتضن ألعاب البحر المتوسط، ستكون حافزا لزوارها من أجل اكتشافها والاطلاع على مكنوناتها، وستؤكد لهم أنه كان بالإمكان أن تكون أفضل بكثير، فهي بقدر خصالها المضيافة ضحية للوبيات والجماعات الضاغطة التي عاثت فيها فسادا، ولا يوجد في الغالب مسؤول كبير في الدولة لم يقم فيها، فقد كانت الوجهة المفضلة للرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، وهي كذلك للكثير من مسؤولي الدولة.

ويعد الاستحقاق المذكور هو الأضخم من نوعه في حياة المدينة؛ فقد احتضنت أحداثاً رسمية للدولة خلال السنوات الماضية، كقمة الدول المصدرة للغاز، وقمة منظمة أوبك، لكنها ظلت أحداثا منفصلة عن الشارع الوهراني، عكس الألعاب المتوسطية التي أسالت الكثير من الحبر وأثارت اهتمام الوهرانيين بسبب اللغط والضغط الذي فرضته على الرأي العام المحلي.

كل شيء في وهران يتنفس رياضة متوسطية، بينما تستمر يوميات المواطن الوهراني متشابهة تجرّ بعضها بعضا، خاصة في الضواحي الشعبية وأحزمة الصفيح، حيث ينتشر الفقر والمعاناة ومختلف المظاهر الاجتماعية السلبية. وبالنسبة إلى هؤلاء فإن الحدث لا يعني شيئا، لأن السعي وراء لقمة العيش لا يترك لهم مجالا للحديث عن استهلاك التظاهرة لنحو 900 مليون دولار، أو الحفل الافتتاحي الضخم الذي يشرف عليه الفنان والوزير السابق سليم دادا، كما لا يترك لهم مجالا للحديث عن الوفود الحاضرة والقرية الأولمبية وأحياء بلقايد أو العقيد أو القرية الأولمبية التي زينت صورة المدينة.

وفي المدينة تُلمس التناقضات الاجتماعية والاقتصادية بين طبقات المجتمع والاهتمامات المتضاربة بينها؛ ففيما يفكر الشباب في رحلات الحرقة إلى السواحل الإسبانية انطلاقا من بلدة عين الترك الشاهدة على مرور العثمانيين من هناك، ينشغل الأثرياء ورجال المال والأعمال بتوسيع أعمالهم وبفرص الاستثمار والتربح، ولذلك ظهرت بصمتهم بشكل لافت في الأحياء والضواحي الراقية. ومع ذلك تبقى وهران محتفظة بسحرها وسرها، فأينما حل الزائر سواء في سيدي الهواري أو سيدي البشير أو في ضاحيتي العقيد وبلقايد، يجد جاذبية مميزة لا مثيل لها، عكس الاكتئاب الذي يسيطر على كثيرين عند حلولهم بباريس مثلا.

12