وفود الثقافة في سياحة مجانية

الوفود الثقافية التي تمثل الدول في التظاهرات الثقافية يقع اختيارها بمنطق شللي ولا تقدم وجها ثقافيا حقيقيا.
الجمعة 2019/09/27
وفود بوجه واحد (لوحة للفنانة زينة العاصي)

تشارك تونس هذه الأيام في معرض الأردن الدولي للكتاب، الذي تستمر فعالياته من 26 سبتمبر الجاري إلى 5 أكتوبر القادم، بصفتها ضيف شرف المعرض، حيث ستقدم أسبوعا للثقافة التونسية وعددا من الفعاليات الثقافية وتوقيعات الكتب والأنشطة من خلال وفد هام من المبدعين التونسيين.

هكذا هي عادةُ “ضيوف الشرف” في معارض الكتاب، كل دولة تقع استضافتها تأتي بوفد من مبدعيها من الكتاب والشعراء والنقاد والباحثين وغيرهم، لتقدم لمحة عن منتجها ووجهها الثقافيين.

لكن من يختار الوفود التي تمثل البلد تمثيلا ثقافيا؟ وما هي المعايير التي يتم من خلالها الاختيار؟

يبدو هذان السؤالان عاديين جدا، لا يعكسان جوهر فعل الاستضافة الثقافية وتقديم الوجه الثقافي للضيف لدى مستضيفه. لكن لو نعلم طريقة تشكيل الوفود والساهرين عليها سنفهم أنه ما من استضافة وما من وجه ثقافي، بل الأمر له بعد سياحي مجاني أكثر من كونه ثقافيا.

الذي يختار الوفود المشاركة هم في الغالب المؤسسة الرسمية سواء كانت اتحادات الكتاب أو وزارات الثقافة، فليكن، أمر عادي أن توكل أمور تنظيمية إلى مؤسسات رسمية. لكن ما يهدم كل شيء هو لو عرفنا أن هذه الجهات الرسمية سجينة البعد السياسي أولا، وثانيا وهذا الأخطر، تتحرك بمنطق شللي بحت. الذي يجعل من كثير من التظاهرات العلنية سرية، حيث ترسل إليها وفود في السر دون علم أو دراية من أحد.

إنها “الشللية” مرة أخرى، ظاهرة الظواهر التي تسطّر حتى ظلال الجدران في بلداننا. ظاهرة تشبه القبيلة، لكن أبناءها لا يجمعهم دم، بل مصلحة. الأكيد أن الوفد التونسي تشكلت عناصره في ظلام المكاتب وبالرسائل الخاصة بين هذا وذاك والنفاق الاجتماعي والمصالح المشتركة، وكأننا بصدد رحلة ترفيه مجانية أو هي ربما مقابل للولاء والانتماء والطاعة.

سنجد في الوفد التونسي بعض الإداريين وبعض عناصر من اتحاد الكتاب وربما بعض الكتاب من الوجوه الجامعية الكلاسيكية وربما بعض الأدباء أو الشعراء ممن نالوا جوائز ما، أغلبهم اختير بمنطق العلاقات الشخصية أو بمنطق المصلحة الذاتية لهذا وذاك. ليس بالضرورة أن يكون لك إنتاج أدبي أو أن تكون فاعلا ثقافيا، أو حتى متابعا، قد تكون توقفت عن الكتابة من نصف أو ربع قرن، ليس مهما، المهم أنك صوت من أصوات السرب الأكثر هيمنة لتكون وجها ثقافيا ينوب غيرك من الكتاب والمبدعين.

لن نجد مثلا أدباء أو شعراء شبابا في الوفد التونسي، وهي عادة كل الوفود الثقافية العربية تقريبا، لن نجد أيضا أدباء من خارج المركز، وفي الحالة التونسية المركز هو العاصمة، لن نجد من هم من أدباء تونس في المهجر، ولا ممن أصدروا كتبا جديدة وغيرها مما كان يمكن أن تكون معايير تقدم وجها فسيفسائيا للثقافة التونسية.

المفارقة الغريبة فعلا، أن تونس بعد الثورة عرفت مبدعين شبابا كثرا خاصة في مجالات المسرح والسينما والأدب، لكن لا يعترف بهؤلاء من قبل المؤسسات الرسمية كممثلين للثقافة التونسية، إلا في حال واحد، إذا لبس هذا الشاب المبدع لباس هذه المؤسسة الرسمية وانخرط في إكراهاتها وتصوراتها ولم يخالفها في شيء، حيث أثبتت السنوات الأخيرة أن كل الشباب المبدعين الذين من تم اقتناصهم من قبل المؤسسات الرسمية، انتهوا إبداعيا وأصيبوا بعدوى الركود نفسها، ركود متوارث من جيل إلى جيل، وكل من يخرج عنه يهمش ويعاقب.

لا يفهم الكثيرون أن الوجه الثقافي ليس قناعا مسقطا لا يتغير أو يتبدل، بل هو وجه بشري مخلوط بالمدن والأرياف وخبايا المجتمع، وجه متغير دائما، قد يهرم وينتهي ويولد منه وجه جديد، وجه تونس الثقافي سنة 2019 ليس وجهها سنة 2010 ولا هو وجهها سنة 1987 ولا هو وجهها سنة 1960، في كل لحظة هناك قصيدة جديدة، قصة أو كتاب، في كل لحظة هناك أغنية جديدة فكرة أو رقصة أو نص مسرحي، هناك في كل نفس حركة ريشة في بياض جديد، ولكن الأجهزة الرسمية التي لا تتحيّن، لا تعي هذا يقينا، فجهاز قديم لا يمكنه أن يواكب حركة بشرية متجددة.

إذن نعود إلى أمر الوفد التونسي الذي سيمثل الثقافة التونسية لدى الشعب الأردني الشقيق، ونرجو أن يتمتع أعضاء هذا الوفد الأعزاء برحلة هنيئة مدفوعة التكاليف من الدولة التونسية، وأن يستمتعوا بالمأكل والمشرب ولمَ لا ربط علاقات ذاتية مصلحية جديدة.

أما الثقافة التونسية فستبقى ولّادة تتجدد رغم التضييق، متحركة دائما وتحاول شأنها شأن كل ثقافات العالم التي لا رهان لها إلا على الإنسان، وهو رهان الثقافة الأول، الإنسان على تنوعه وتنوع أفكاره وانتماءاته وميولاته…

14