وزير خارجية فيسبوك لا يدافع عن سكان الإمبراطورية

علاقتنا بفيسبوك تتعلق بالضرر الذي أصابنا كمستخدمين ومجتمع ونستمر في القبول به وكأنه لم يحدث لنا شيء، كما هو ضرر عملاق مواقع التواصل بسعيه وراء السلطة في عالم تكون فيه الشركات أقوى من البلدان.
السبت 2021/09/25
الموقع الأكثر إثارة للجدل

إنكم جميعا سكان الإمبراطورية الرقمية الأضخم عبر التاريخ تعرفون وزير خارجية فيسبوك نيك كليغ، لكن للأسف الغالبية من سكان هذه الدولة البالغ تعداد أفرادها ثلاثة مليارات مستخدم، لا يبالون كثيرا، بينما كليغ يستميت في الدفاع عن خيارات الشركة أكثر من دفاعه عن السكان!

في أوج أزمة فيسبوك عن التسريبات وانعدام الخصوصية، استعان المرشد الأعلى لفيسبوك مارك زوكربيرغ، بالسياسي البريطاني ونائب رئيس الحكومة الأسبق في زمن ديفيد كاميرون، ليكون في منصب أطلق عليه نائب رئيس فيسبوك للشؤون العالمية، هي في حقيقة الأمر وظيفة بمثابة وزير خارجية في الشركة العملاقة.

ولأن كليغ عرف لعبة “أفندية الوايتهول” في بريطانيا، فهو يمتلك درجة دبلوماسية مرموقة تؤهّله للدفاع عن الشركة الغارقة في الظلام والدخول على الجدل المستمر لأنها في النهاية لا تمثل أكثر ما كان يعتقد وما يعتقد، وما حدث وما يكون قد حدث بالفعل أو سيحدث، أو ما يتوق له الرأي العام.

ثمة معركة سياسية وتجارية كبرى بدأت الحكومات تنتبه لها بعد ارتفاع مطالب تهديم أعمدة المعبد على مشيّديه. فيسبوك لا تكتفي بربط العالم بوصفها أداة للتواصل، بل إن عملاق مواقع التواصل الاجتماعي لا يتردد في السعي إلى حكم العالم والتأثير على مزاج الديمقراطيات والقوانين والبنوك، وإثارة النزعات العنصرية والطائفية وترويج الأخبار الملفقة.

هذا الأسبوع عبر وزير خارجية فيسبوك عن استيائه مما كتبته صحيفة وول ستريت جورنال، متهما الصحيفة الأميركية بتعمّد كتابة التوصيفات الخاطئة عند الحديث عن فيسبوك.

ويعبر كليغ عن استغرابه الشديد من كون الصحف تكتب على شركة فيسبوك بأنها على دراية بالتأثيرات السلبية لبعض منتجاتها.

وقال نائب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق إن تقارير الصحيفة احتوت على “توصيفات خاطئة ومتعمّدة لما نحاول القيام به، والتحدث عن دوافع كاذبة بشكل فاضح عن قيادة وموظفي فيسبوك”.

كما ترون، وكما في الاستياء السياسي، يعبر نيك كليغ عن ازدراء الصحافة، وهي تكتب على الشركة التي باتت تكسر الحقائق في كل ما يحدث، ليصبح الانطباع السائد هو عالم ما بعد الحقيقة بقيادة فيسبوك، فإن لم يكن هناك ما هو صحيح، يمكن لكل شيء أن يكون كاذبا في عالم التواصل الاجتماعي!

لقد سبق وعلقت كارا سويشر المختصة بالترميز الرقمي والكاتبة في صحيفة نيويورك تايمز، على جملة الرئيس الأميركي جو بايدن “إنهم يقتلون الناس”، في إشارة إلى أخبار فيسبوك المضللة عن لقاح كورونا، كانت تقول إن الأمر يحتاج إلى نقطة نهاية السطر! وهي تعبر عن اعتقادها بأن حقيقة الأمر تكمن بأن فيسبوك يعمل بمثابة بوابة لكلّ المعلومات الزائفة والصحيحة، غير أن سيول الأكاذيب تؤكد لنا أن زمام قيادة الإعلام بأيدي فيسبوك، مثلما تعيدنا إلى الجملة الشهيرة المختلف على قائلها “يمكن للكذبة أن تجوب نصف العالم، بينما الحقيقة ما تزال ترتدي حذاءها”.

ببساطة، إن تقرير صحيفة وول ستريت جورنال قد أشار إلى أن حرص خوارزميات فيسبوك على الاعتدال يركز على الساسة والمشاهير أكثر من الجرائم التي تمارسها العصابات وتجار المخدرات لنسف المجتمعات، فهذا المحتوى متاح بسهولة مع أن ضرره يفوق الضرر الذي تهتم به الشركة عندما يتعلق بالساسة. لكنّ ردّ وزير خارجية فيسبوك وصف تلك القضايا بالخطيرة والمعقدة وأن إدارة الشركة تحاسب بشكل دائم على طريقة التعامل معها.

Thumbnail

لذلك عاد كليغ إلى خبرته الدبلوماسية في الرد بلغة الإيحاء التي تبدو منضبطة بالشكل فقط، وهو يدافع عن الشركة التي عينته براتب يفوق راتبه السابق في الحكومة البريطانية، بالقول “لنرفع المرآة أمام وجوهنا ونعيد طرح الأسئلة الصعبة حول كيفية تفاعل الناس على نطاق واسع مع وسائل التواصل الاجتماعي”. مشددا على أن فيسبوك “تتفهم المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق إدارتها مع تشغيل منصة عالمية. وتأخذ الأمر على محمل الجدّ، ولا تخجل من التدقيق والنقد المستمر”.

وكالعادة مثل مديره الأصغر منه مارك، عاد إلى فكرة الخيارات الصعبة في العالم الرقمي، الذي لا يتيح للشركات التكنولوجية مقايضات جاهزة تنهي قلق العالم، فهذا العالم ليس الذي نعيش فيه اليوم. حسب وصف نيك كليغ.

لكن بفضل من؟ تبدو الإجابة واضحة وشديدة، بفضل الشركات الغارقة في الظلام أصلا. فوزير خارجية أكبر امبراطورية رقمية مثل كل مستخدم، يدرك أن فيسبوك يمثل الحقيقة القبيحة في العالم الرقمي عندما تمارس الشركة العمى المتعمّد عن الكارثة التي تنتظر العالم، مهما دافع عن تفهم إدارته للقلق السياسي والمجتمعي.

يختصر لنا شيرا فرنكل وسيسيليا كانغ مؤلفا كتاب “حقيقة قبيحة: داخل معركة فيسبوك للسيطرة” موقف العمى المتعمّد، بالقول “كم مرة حلت الكارثة: التجسس، المتاجرة بحسابات المشتركين، التأثير على الديمقراطية…”، وكليغ يُحمّل ما سبق وأن حمّله زوكربيرغ مع كل كارثة تحل، الحياة الديمقراطية الحرة أسباب كل ما حدث، لوم الآخرين على أخطاء فيسبوك، الإعلام غير العادل، وأخيرا تقديم الشركة على أنها أفضل من يقوم بالأعمال الجيدة للعالم.

الحقيقة التي باتت تترسخ يوما بعد آخر، أن إدارة الشركة مستفيدة من كل الذي يحصل وإن كان يقلق العالم، وهو بالنسبة إليها معركة للسيطرة، ولا يتوقع أن تقوم بأي تراجع عن استمرار تأثير فيسبوك على المجتمعات والدول، حتى لو مرت الشركة بتحول جذري في السنوات القادمة. فتلك الخوارزمية التي تعمل بها تكنولوجيا فيسبوك بمثابة القلب النابض بالقوة والأرباح، الأمر الذي يستحيل التراجع عنه.

علاقتنا كمستخدمين بفيسبوك ومن ورائها بمارك زوكربيرغ، أكثر من مجرد التوصيف الرقمي الذي بات يربطنا معا، إنها تتعلق بالضرر الذي أصابنا كمستخدمين ومجتمع ونستمر في القبول به وكأنه لم يحدث لنا شيء، كما هو ضررعملاق مواقع التواصل بسعيه وراء السلطة في عالم تكون فيه الشركات أقوى من البلدان.

18