"ههههه.. لايك"

كل شيء يصبح مثيرا، مقبولا ومهضوما على الفيسبوك، أثناء ملازمة البيت، في هذا الطقس الكوروني، كأن تبدي دهشتك لأغنية من أغاني كلثوم أو قصيدة من قصائد المتنبي المعروفة وكأنك تكتشفها لأول مرة.
الثلاثاء 2020/05/19
كورونا جعلت فيسبوك راعيا حصريا للتيه والهذيان والثرثرة

هذا الحجر الصحي المقيت علّم بني آدم الخزعبلات كلّها، على مواقع التواصل الاجتماعي.. عفوا، هل قلت “تواصل اجتماعي”؟ أي تواصل هذا يا رجل.. “قال تواصل قال”؟

أكداس مكدسة من الأقوال والحكم البلهاء، قناطير مقنطرة من التعليقات والتهويمات الحمقاء.. إلى أي هاوية تمضي بنا أيها الفايروس الذي يصيب عقول الأصحاء والمحترسين قبل صدور المرضى والمصابين؟ عند أي منحدر سوف يكون المستقر يا كورونا الجبار، وقد جعلت من فضاء مارك زوكربيرغ، راعيا حصريا لهذه الحفلة الجماعية التنكرية من التيه والهذيان والثرثرة.

نحن -يا جماعة الخيرـ نمارس جنوننا في الحديقة الخلفية لبيمارستان كبير ومسيّج بأسوار منيعة.. تراقبنا وترثي إلى حالنا الطيور من فوق، وتنظر إلينا من خلف قضباننا، قطط ضالة، كلاب مشردة، وحتى قطعان الأيائل والوعول والدببة التي غادرت أحراشها.. جاءت تتفرج علينا في محنتنا ولم تعد تهابنا.. كيف يخشى الحر الطليق عبدا أسيرا لخوفه، ويهذي ويثرثر أمام شاشة زرقاء.

استسلمنا بالتفاعل ووضع علامات الإعجاب إزاء كل ما يخطه وينشره المذعورون من كورونا خلف جدران بيوتهم، وذلك مقابل أن يبادلنا هؤلاء، بدورهم، نفس عبارات الإعجاب إزاء خزعبلاتنا.. إنه عقد خفي مبرم بين من جعلهم الملل ثرثارين ومتحذلقين.

صرنا “نأخذ العلم من رؤوس الفكارين (أي السلاحف)” كما يقول المثل التونسي، وأصبح الواحد منا يضع علامة “لايك” أمام حكمة تقول “الحياة هي الحياة” أو قولا مأثورا على شاكلة “الصبر مفتاح الفرج”.

ومن نكد الضجر على كائنات الحجر الصحي عبر الإنترنت، أن يتقاسم المرء وصفة طبخ تضاف فيها المايونيز إلى الملوخية المصرية أو القريدس إلى اللبلابي التونسي أو الفريز إلى الكبسة السعودية.

كل شيء يصبح مثيرا، مقبولا ومهضوما على الفيسبوك، أثناء ملازمة البيت، في هذا الطقس الكوروني، كأن تبدي دهشتك لأغنية من أغاني كلثوم أو قصيدة من قصائد المتنبي المعروفة وكأنك تكتشفها لأول مرة، أما الأدهى من ذلك هو أن تضحك لقفشة من قفشات عادل إمام التي شاهدتها مئات المرات في مواسم الأعياد أو تثني على خفة دم “صديق” كتب نكتة على شاكلة “واحد حب يقعد بالقهوة قام قعد بالشاي” فتجد نفسك، وغصبا عنك، قد وضعت له التعليق التالي “ههههههههه”، وكلما أكثرت من تكرار حرف “الهاء”، كان ذلك أفضل وأكثر ثوابا وقبولا.

طبعا، كل هذا من فنون تعذيب الذات، دون أن تنسى الرجل الذي يثني على لطف زوجته وهي إلى جانبه تبادله عبارات الصمت الممزوجة بالتذمر والاستياء أو الفتاة التي تدعو برضاء الوالدين وقد أرتهما العذاب ألوانا.

الفايروس جعل بعض الأحبة والمسنين وعاثري الحظ يرحلون، لكن الخوف منه قد أكثر من الحمقى والموتورين والثرثارين والمتشبهين بالحكماء والوعاظ والكتّاب والشعراء.

24