هل مفهوم السعادة عند الأفراد وثيق الصلة بالزواج؟

خبراء يلفتون إلى أن الاختيار الصحيح في الزواج يحقق سعادة وارتياحا بشكل أكبر، موضحين أن العلاقة تكون أكثر رفاهية عندما تجمع بين الزوجين صداقة قوية.
الجمعة 2020/08/07
الرهان على الزواج لبلوغ السعادة ليس آمنا

شجعت الكثير من البحوث التي أجريت على مدار عقود على الزواج لبلوغ السعادة، مبينة أن المتزوجين أكثر سعادة من غير المتزوجين والمطلقين والأرامل، إلا أن دراسة حديثة كشفت أن لا علاقة بين الزواج والسعادة وهما أمران غير مرتبطين بالضرورة، كاشفة أن مستويات السعادة لدى العزاب، لا تقل كثيرا عن المتزوجين وعن الأشخاص الذي دخلوا في علاقة وخرجوا منها، سواء لمرة واحدة أو للعديد من المرات.

واشنطن – أثبتت دراسات عديدة أن للزواج فوائد عديدة من أبرزها زيادة هرمون السعادة والرضا، إلا أن دراسة أميركية حديثة دحضت ما ذهبت إليه الكثير من البحوث السابقة التي ربطت بين السعادة والزواج، حيث توصلت إلى أن السعادة الحقيقية تتعلق بعقلية الفرد أكثر من الزواج.

وأنجز باحثون في جامعة ولاية ميشيغان الأميركية دراسة لتحديد مدى سعادة المتزوجين والمنفصلين الذين مروا بتجربة الزواج والعزاب في نهاية حياتهم لمعرفة إلى أيّ مدى أثّر الحب والزواج على الرفاه العام للإنسان، وشملت الدراسة التي نُشرت في مجلة علم النفس الإيجابي أكثر من 7 آلاف و500 شخص فحصت تاريخ علاقاتهم، وتم تتبعهم بين 18 و60 عامًا لتحديد من الشخص الأكثر سعادة في نهاية حياته.

وقال ويليام تشوبيك، أستاذ مساعد في علم النفس بجامعة ولاية ميشيغان ومشارك في الدراسة “يعتقد الناس في كثير من الأحيان أنه يجب أن يتزوجوا ليكونوا سعداء، لذلك سألنا المشاركين في هذه الدراسة، هل يحتاج الناس إلى أن يكونوا في علاقة ليكونوا سعداء؟ وهل العيش أعزب طوال حياتك تنتج عنه التعاسة؟ ماذا لو كنت متزوجًا في وقت ما لكن زواجك لم ينجح؟ واتضح أن الرهان على الزواج لبلوغ السعادة ليس رهانا آمنا”.

وقسم تشوبيك وماريا بورول، طالبة ماجستير في علم النفس في جامعة ولاية ميشيغان، المشاركين في الدراسة إلى ثلاث مجموعات، 79 في المئة منهم كانوا متزوجين، وقضوا معظم حياتهم في زيجة واحدة، و8 في المئة ما زالوا عزابا أو أشخاصا قضوا معظم حياتهم دون زواج؛ و13 في المئة لديهم تاريخ مختلط بين الطلاق والزواج مرة أخرى أو أنهم من الأرامل. ثم طلب الباحثون من المشاركين تقييم السعادة الكلية عندما كانوا أكبر في السن ومقارنتها بالمجموعة التي ينتمون إليها.

وقالت بورول “لقد فوجئنا عندما وجدنا أن الاشخاص الذين لم يتزوجوا مدى الحياة وأولئك الذين لديهم تاريخ علاقات متنوع لا يختلفون في سعادتهم”، مضيفة أن “هذا يشير إلى أن الأشخاص الذين أحبوا وفقدوا هم سعداء في نهاية حياتهم مثل أولئك الذين لم يحبوا على الإطلاق”.

وبينما أظهر المتزوجون زيادة طفيفة في السعادة، قالت بورول إن الهامش ليس جوهريا ولا يمكن أن يتوقعه الكثيرون، موضحة أنه بينما مؤشر المجموعة المتزوجة عن مستوى رضاهم 4 من 5 نقاط، كانت نسبة رضا العزاب 3.82 و3.7 بالنسبة للأشخاص الذين لديهم علاقات متنوعة.

وقال تشوبيك “عندما يتعلق الأمر بالسعادة، سواء كان شخص ما في علاقة أم لا، فنادرا ما تكون القصة كاملة”، مشيرا إلى أنه “يمكن للناس بالتأكيد أن يكونوا في علاقات زوجية غير سعيدة، وفي مقابل ذلك يستمد العزاب المتعة من جوانب أخرى من حياتهم، مثل الصداقات والهوايات والوظائف. وإذا كان الهدف هو العثور على السعادة، يبدو من السخافة قليلاً أن يضع الناس مثل هذه الأهمية على الزواج”.

وأوضحت الدراسة أنه إذا كان شخص ما يتوق إلى شريك حياة منذ فترة طويلة لتأسيس عائلة وبناء حياة سعيدة معه، فإنه إذا لم يكن هذا الشخص سعيدا تماما في البداية، فمن المحتمل ألاّ يغير الزواج كل شيء بشكل جذري.

وقالت بورول “السعادة الحقيقية تتعلق بعقلية الفرد ذاته أكثر من فكرة الزواج”، موضحة “إذا تمكنت من العثور على السعادة والرفاهية كشخص منفرد، فمن المحتمل أن تحتفظ بهذه السعادة سواء كنت متزوجا أم لا.”

ويرى براين روبنسون، أستاذ في جامعة نورث كالورينا الأميركية ومعالج نفسي، أن ارتباط السعادة بالزواج عززتها أبحاث مختلفة على مدار سنوات، وتساءل ولكن هل يمكننا أن نشكك الآن في ذلك ونطرح تساؤلات جديدة حول مدى ارتباط الزواج بتعزيز السعادة لدى الفرد؟ وعلق على ذلك قائلا “إذا لم يكن الشخص سعيدا منذ البداية، فالزواج ليس دواءً سحريًا يخلق شخصًا سعيدًا تلقائيا”.

وتوصلت دراسة بريطانية سابقة إلى أن النساء العازبات أكثر سعادة من الرجال العازبين، لأن الدخول في علاقة مع طرف آخر يعني بالنسبة إلى النساء تحمّل العمل الشاق في العلاقة أكثر من الرجل، وأشارت الدراسة إلى أن 61 في المئة من النساء يشعرن بالسعادة لأنهن عازبات، مقابل 49 في المئة من الرجال العازبين، مضيفة أن 75 في المئة من النساء العازبات لم يبحثن بنشاط عن علاقة خلال العام الماضي، بالمقارنة مع 65 في المئة من الرجال غير المتزوجين.

السعادة الحقيقية تتعلق بعقلية الفرد أكثر من الزواج
السعادة الحقيقية تتعلق بعقلية الفرد أكثر من الزواج

وقالت الأستاذة إميلي جروندي من جامعة “إيسكس” البريطانية “النساء يقضين وقتاً أطول في المهام المنزلية من الرجال”، مشيرة إلى أن النساء يتحملن عبء المهام المنزلية مثل الطبخ أكثر من الرجل، بالإضافة إلى دعم العلاقة فيما يتعلق بالجانب العاطفي.

وأضافت جروندي أن النساء يقضين وقتاً أكثر في الاهتمام بمظهرهن، بالإضافة إلى بذل المزيد من الجهد بهدف حل المشكلات أو الجدل الذي يحدث بين الجانبين. وتابعت “النساء يملن إلى الشبكات الاجتماعية البديلة وأصدقاء مقربين، بينما يميل الرجال إلى الاعتماد بشكل كبير على زوجاتهم، وهو ما يجعل روابطهم الاجتماعية أقل”.

وأكدت أن هناك نتيجة مشتركة للعديد من الدراسات مفادها أن النساء اللواتي ليس لديهن شريك حياة يملن أكثر إلى القيام بأنشطة ذات طابع اجتماعي، وكذلك تكوين شبكة من الأصدقاء، بالمقارنة مع النساء المتزوجات.

وأوضح بول دولان خبير السعادة وأستاذ العلوم السلوكية في كلية لندن للاقتصاد أن النساء غير المتزوجات، هن أكثر سعادة وصحة؛ بينما الرجال يستفيدون من الزواج لأنهم يصبحون أكثر استقرارا وهدوءا، مشيرا إلى أن السبب الرئيسي وراء تعاسة النساء بعد الزواج يكمن في المسؤوليات المنوطة بعهدتهن والضغوط النفسية التي يتعرضن لها جراء هذه المسؤوليات والأعباء التي تثقل كاهلهن.

وأكد أن أحدث الأدلة العلمية تظهر أن مؤشرات النجاح لا ترتبط بالسعادة خاصة مع الزواج وإنجاب الأطفال، رغم أن الرجال المتزوجين يقولون إنهم أسعد شرائح المجتمع، لكن إجاباتهم بأنهم سعداء لم تؤخذ إلا وزوجاتهم بجانبهم، فلو لم تكن الزوجة موجودة عند طرح السؤال لأجابوا بأنهم تعساء مقهورون.

وأضاف أن المعطيات المتوفرة حول حال ذات الأشخاص على مدى أعوام عديدة تظهر أمورا كثيرة اختزلها بالقول للرجال عليكم أن تتزوجوا، أما للنساء فلا تضعن وقتكن بالزواج رغم أن الضغط الاجتماعي والمعايرة بعدم الزواج قد يسببان التعاسة لاحقا.

وكشف استبيان قارن بين مستويات المتعة والبؤس لدى الأفراد غير المتزوّجين والمتزوجين والمطلقين والمنفصلين والأرامل أن مستويات السعادة التي أبلغ عنها أولئك المتزوجون كانت أعلى من غير المتزوجين، ولكن فقط عندما كانت زوجاتهم معهم في الغرفة. وقالت دراسة ألمانية قام الباحثون خلالها بالتحقيق في أنماط زواج الأفراد فيما يتعلق بمستويات السعادة، إن الأفراد الأسعد هم في الواقع الأكثر عرضة للزواج، وإن فوائد الزواج أكثر وضوحا بين الأفراد الأكثر سعادة.

ولفت الخبراء إلى أن الاختيار الصحيح في الزواج يحقق سعادة وارتياحا بشكل أكبر، موضحين أن علاقة الزواج تكون أكثر سعادة ورفاهية عندما تجمع بين الزوجين علاقة صداقة قوية، خاصة عندما تكون في منتصف العمر، حيث يشعر الطرفان بالاستقرار والسعادة والاطمئنان إلى جانب شريك الحياة وهنا يصل الرضا والسعادة إلى أقصى درجاتهما.

21