هل تدفع زلات لسان الدبيبة إلى تقديم خيار التقسيم على المصالحة؟

رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة كان عليه أن يعمل على قطع الطريق أمام محاولات التقسيم، وأن يصنع مبادرات الحل بدل أن يتورط في زلات لسان ومواقف تدفع نحو استمرار الأزمة.
الثلاثاء 2021/05/04
كلمات الدبيبة داخل المقهى كانت كافية لتثير حالة من الاحتقان ضده في المنطقة الشرقية

أوقع رئيس الحكومة الليبية المؤقتة المهندس عبدالحميد الدبيبة نفسه في العديد من المطبات خلال الفترة الماضية، وتورط بشكل اندفاعي في مواقف ما كان له أن يقع فيها، لاسيما وهو يدرك أن نقاط الخلاف الكبرى لا تزال قائمة خاصة بين شرق البلاد وغربها، وأن الجراح لم تندمل بعد وكل محاولة لصب الزيت عليها تعني قطع الطريق أمام الحل والعودة إلى المواجهة التي قد تؤدي هذه المرة إلى التقسيم الفعلي للبلاد. وهذا الأمر بات مطروحا بقوة لدى الكثيرين، وهناك من يعتقد أنه قادم لا محالة طالما أن العقل السياسي الليبي لم يستنبط بعد رؤية براغماتية لتجاوز آلام الماضي والاتجاه نحو المصالحة الشاملة.

كانت البداية عندما انتشر تسجيل فيديو للدبيبة وهو يتناول “ماكياطة” في مقهى شعبي بطرابلس، ويتحدث إلى بعض النازحين من بنغازي بأنهم سيرجعون إلى مدينتهم عندما تعود إلى أحضان الوطن، بما يعني أنها مدينة مختطفة من قبل الجيش الذي يتشكل من عسكريين ينتمون إلى كل مناطق ليبيا بما فيها طرابلس نفسها، بل إن بنغازي والمنطقة الشرقية عموما تحتضنان حاليا أعدادا كبيرا من أبناء غرب البلاد الذين هجرتهم الميليشيات سواء بسبب موالاتهم للنظام السابق أو بسبب دعمهم للجيش. وهناك مخيمات للنازحين من الغرب في كل مدن الشرق، وهم يطمحون إلى العودة إلى بيوتهم ومزارعهم في مناطقهم، بدءا من تاورغاء ووصولا إلى ترهونة، ولكن الجماعات المسلحة المحسوبة على مركز الحكم في طرابلس تمنعهم من ذلك.

السيد الدبيبة باعتباره رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية ووزيرا للدفاع، وكما اجتمع بأمراء الحرب في طرابلس ومصراتة، كان يمكن أن يتخلى عن مرجعيته الجهوية ومواقفه الشخصية وأن يذهب إلى بنغازي ويجتمع بقيادة الجيش

وعندما أعلن الدبيبة عن قراره بعقد الاجتماع الثالث لمجلس الوزراء في بنغازي، كان عليه أن يضع تحوله إلى المدينة في سياق الوضع السائد، وألا يوافق على خطة الاستقرار المتعمّد التي وضعها بعض مساعديه، بإرسال مسلحين من طرابلس لتأمين زيارته إلى بنغازي، وهم في أغلبهم من عناصر الميليشيات التي تحول قادتها إلى أصحاب قرار سياسي بقرار من فايز السراج للاستقواء بهم على منافسه آنذاك فتحي باشاغا، وأبقى عليهم الدبيبة للحفاظ على توازنات لا تخدم حسابات السلام.

لقد كانت كلمات الدبيبة داخل المقهى كافية لتثير حالة من الاحتقان ضده في المنطقة الشرقية، ولكن وصول المسلحين إلى مطار بنينا لتسلم صالة الاستقبال فيه والترتيب لتأمين موكب الوفد الحكومي، كشف عن وجود خلل في فهم طبيعة الواقع، ومن ذلك فإن بنغازي استقبلت خلال الأسابيع الماضية أغلب الوزراء لتسلم مسؤوليات وملفات حكومة الثني، وتم تأمين تحركاتهم دون أي إشكال يذكر، والدبيبة ذاته زار طبرق وتولت القوى الأمنية والعسكرية تأمين رحلته، والأمر ذاته بالنسبة إلى رئيس المجلس الرئاسي. ثم إن من يتهمون الجيش بالسيطرة على شرق البلاد وقائده المشير خليفة حفتر بالدكتاتورية، يعنون بذلك في ما يعنون، أنه قادر على ضبط الأمن ولاسيما في الخطط الموجهة غير القابلة للاختراق، وبالتالي فلا خوف على رئيس الحكومة والوزراء من الذهاب إلى بنغازي والاجتماع فيها.

كان يمكن لملمة الوضع، ولكن الحكومة المؤقتة صرحت بأن طائرة رئيسها ومساعديه مُنعت من الهبوط في بنغازي، وهو ما استغلته الأطراف الرافضة للسلام وللحل السياسي للتحريض من جديد ضد الجيش وقيادته وضد توحيد المؤسسات والمصالحة، وكان رد الجيش “نفنّد ما جاء في وسائل الإعلام المتطرفة والتي تمتهن خطاب الكراهية وبث بذور الفتنة والشقاق بين الليبيين ونؤكد أننا على استعداد تام لاستقبال الوفود رفيعة المستوى وضمان أمنها وسلامتها على أعلى مستوى”، مؤكدا ترحيبه بالحكومة ورئيسها للاجتماع في بنغازي واستعداده لتأمين كامل تحركاتها على أن يتم التنسيق مع وزارة الداخلية وأجهزتها المتخصصة.

اعتقدنا أن الموضوع انتهى عند هذا الحد، ولكن الدبيبة زاد من صب الزيت على النار عندما قال إنه تعرض للمنع من النزول في مطار القرضابية بسرت من قبل المرتزقة الأجانب، رغم أننا ندرك جيدا أنه نزل بالمطار في الثامن من مارس الماضي بتنسيق تام مع اللجنة العسكرية المشتركة، وذلك لحضور جلسة البرلمان لمنع الثقة لحكومته، وأنه لم يتحدث عن تلك الواقعة في حال حدوثها فعلا إلا بعد 50 يوما، ما يشير إلا أنها تندرج ضمن المزيد من توتير الأجواء. وضمن محاولة تبرير موقف ميليشيات مدينته مصراتة باستمرارها في رفض الاستجابة لقرار اللجنة العسكرية وللمطالب الأممية والدولية بفتح الطريق الساحلية، وهو ما تم إبلاغه للسفير الأميركي والمبعوث الأممي بأن لا فتح للطريق طالما أن المرتزقة الروس في سرت، في حين أن الجيش لم يمتنع عن فتح الطريق رغم أن الآلاف من المرتزقة والقوات التركية لا يزالون موجودين في غرب البلاد، وفي مصراتة ذاتها.

المفاوضات وجدت لحلحلة القضايا المصيرية بين الخصوم، والخلافات لا تحل دائما عبر الوساطات، والسيد الدبيبة باعتباره رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية ووزيرا للدفاع، وكما اجتمع بأمراء الحرب في طرابلس ومصراتة، كان يمكن أن يتخلى عن مرجعيته الجهوية ومواقفه الشخصية وأن يذهب إلى بنغازي ويجتمع بقيادة الجيش، وأن يتعامل مع جميع الأطراف. فليس المهم أن يعترف بأن تلك القوات هي جيش وطني فعلا، ولا أن يحب حفتر، ولكن المهم أن يعترف بأن تلك القوات بقيادة حفتر هي التي تبسط نفوذها على الشرق والغرب وجزء كبير من وسط البلاد، وأي حل للأزمة يَفترض التعامل مع هذا الواقع، تماما كما فعلت اللجنة العسكرية المشتركة التي بدأت اجتماعات بالتنافر قبل أن تصل إلى مرحلة التكامل في تحديد الأولويات وترتيب الأوضاع الميدانية.

أوقع رئيس الحكومة الليبية المؤقتة المهندس عبدالحميد الدبيبة نفسه في العديد من المطبات خلال الفترة الماضية، وتورط بشكل اندفاعي في مواقف ما كان له أن يقع فيها

الدبيبة هو بالأساس رجل أعمال محظوظ وناجح، والسياسة كانت هوايته خلال السنوات الماضية، وقد أوصله تداخلها مع المال إلى منصب كبير في ظل توازنات جهوية ومناطقية مستوحاة من وضع البلاد قبل 70 عاما، عندما تأسست وفق نظام فيدرالي ناتج عن مخلفات الحرب العالمية الثانية وأقرّته الأمم المتحدة، وتم إلغاؤه في تعديلات الدستور عام 1963، لتتحول ليبيا إلى دولة واحدة، ثم جاء العام 2011 بعواصفه، التي كان من إفرازاتها الدعوة إلى عودة الفيدرالية، ورغم أن صوت الوطنيين كان أقوى من هذه النزعة التقسيمية المدعومة من أطراف خارجية، إلا أن اللعبة تم تمريرها، وظهرت في شكل مبادرة أطلقها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح  لحل الأزمة القائمة خلال السنوات العشر الماضية، وتبنتها الأمم المتحدة وعملت بعثتها على تحويلها إلى واقع من خلال مخرجات الحوار السياسي المتعلقة بانتخاب المجلس الرئاسي والحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية وحوار بوزنيقة لتوزيع المناصب الكبرى في المؤسسات السيادية وفق ترتيبات تمنع أبناء هذا الإقليم أو ذلك من الأمل في الوصول إلى وظائف في الدولة لأنها موقوفة على أبناء إقليم آخر.

كان على رئيس الحكومة الحالية أن يعمل على قطع الطريق أمام محاولات التقسيم، وأن يحصّن نفسه بالعقلاء ممن تهمّهم مصلحة ليبيا قبل المصالح الحزبية والجهوية والشخصية، وأن يصنع مبادرات الحل بدل أن يتورط في زلات لسان ومواقف تدفع نحو استمرار الأزمة، وأن يتجاوز وسوسات من يحاولون إقناعه بأن عودة الصراع ستمكنه من إطالة عمر حكومته لسنوات كما حدث مع السراج الذي انقلب على التفاهمات والاتفاقيات فوصل بالبلاد إلى الحرب الملتهبة وما أفرزته لاحقا من حرب باردة، يحاول البعض إعادتها إلى صراع ميداني محتدم، كما قال الدبيبة نفسه.

9