هل انتهى عهد الأحزاب بعد صياغة الدستور الجديد في تونس؟

فشل حكم الأحزاب منذ 2010 يمنح دعواتَ حلها مشروعيةً.
الأحد 2022/06/26
غضب الشارع يتصاعد إزاء الأحزاب

صار النقاش في تونس يطال الكثير من المسلمات السياسية وعمّت التساؤلات الشارع التونسي، من بينها ما إذا كانت الأحزاب ستواصل حضورها في المشهد السياسي مستقبلا أم أن وجودها سيصبح عديم الجدوى بعد فشل تجربة الحكم خلال السنوات العشر الأخيرة؟ وما إذا كنا نحتاج إلى الأحزاب كوسائط وركائز للديمقراطية أم أن الوقت تجاوزها ونحتاج إلى بدائل جديدة؟

تونس - أثارت قضية الأحزاب في المرحلة القادمة وبعد صياغة الدستور الجديد في تونس جدلا واسعا في الأوساط السياسية في البلاد. وبينما يرى مراقبون أن عهد الأحزاب قد انتهى فعلا، أسوة بموقف الرئيس قيس سعيّد والعميد الصادق بلعيد الرئيس المنسق للهيئة الاستشارية من أجل جمهورية جديدة، الرافضين للتعامل مع الأحزاب، تعتقد أطراف أخرى أن منظومة الأحزاب لا تزال قائمة.

ويتزايد منسوب التساؤلات في تونس حول مستقبل تلك الأحزاب التي باتت تعيش عزلة في ظل فقدان طيف واسع من الرأي العام للثقة فيها وتجاهل دورها في الحوار الوطني، فضلا عن تراجع دورها في المشهد العام بالبلاد.

ويتمسّك الرئيس سعيّد منذ توليه السلطة برفضه التعامل مع الأحزاب، وكثيرا ما أكدت تصريحاته على نفس الموقف بأن “لا تعامل مع الأحزاب، ولا عودة إلى الوراء”.

نبيل الرابحي: وجود الأحزاب يرتبط بالقانون الانتخابي الجديد

وسبق أن انتقد قيس سعيّد، أستاذ القانون السابق، دستور 2014، معتبرا أنه “لم يعد يفي بالغرض”.

ويجمع المراقبون على أن منظومة الأحزاب بعد 2011 أهملت مشاغل الفئات الشعبية وانشغلت بالمناصب خدمة لمصالحها وأجنداتها في الداخل والخارج.

ويرى هؤلاء أنه لا مجال لعودة منظومة الأحزاب والبرلمان بالمفهوم السياسي التقليدي الذي رافق العشرية الماضية وساهم في إرباك المشهد وتغذية الأزمات السياسية عبر الخلافات والمناكفات من أجل الظفر بالمناصب والتمكن من السلطة.

وقال المحلل السياسي نبيل الرابحي إن “تونس ستذهب إلى نظام رئاسي وفكرة جمهورية جديدة، دور مجلس النواب في المرحلة القادمة مازال غير واضح”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “وجود الأحزاب وشكل البرلمان يرتبطان بالقانون الانتخابي والدستور الجديدين، لكن لن نرى ذلك المشهد السياسي الكلاسيكي، ولن نرى المال السياسي الفاسد يؤثر مستقبلا على العمل السياسي ولن نرى أحزابا من أجل إسقاط حكومات”.

واستطرد الرابحي “لا عودة إلى الوراء، ولا عودة إلى ممارسات برلمان ما قبل الخامس والعشرين من يوليو”.

ويتجاوز عدد الأحزاب في تونس 250 حزبا سياسيا، حيث لا تملك أغلبيتها من النشاط سوى الإسم.

باسل الترجمان: الأحزاب جزء من الأزمة وهي عاجزة عن استيعاب الواقع

ويرى متابعون سياسيون أنه يمكن الحديث عن انتهاء فعلي لعصر الأحزاب في البلاد، في ظلّ تراجع دورها السياسي في البلاد، وتحولها من تنظيم سياسي إلى أشخاص يسعون إلى حماية مصالحهم في المقام الأول.

وأكّد المحلل السياسي باسل الترجمان في حديث لـ”العرب” أن “الحديث عن انتهاء عصر الأحزاب ليس أمرا جديدا، لأننا لاحظنا تراجع دورها في الكثير من الدول الأوروبية والديمقراطية، وقبل 1880 لم تكن هناك منظومة حزبية في العالم”.

وأضاف “المنظومة الحزبية اليوم تحولت إلى منظومة بيروقراطية ومؤسساتية، وفي تونس هناك 250 حزبا، وأكبر حزب فيها عاجز عن جمع 2000 شخص، وعليها الآن إما أن تبقى كما هي وتتفكّك من تلقاء نفسها، أو تعيد صياغة نفسها من جديد في علاقة بالواقع الشعبي”.

وتابع الترجمان “التجربة التونسية في السنوات العشر الماضية حولت الأحزاب إلى أشخاص”، وتساءل “أين نداء تونس، وتحيا تونس وقلب تونس؟ فضلا عن واقع حركة النهضة المرتبط بشخص راشد الغنوشي”.

واستطرد “هذه الأحزاب أصبحت عاجزة عن استيعاب الواقع السياسي، وكانت جزءا من الأزمة السياسية، ولم تكن طرفا في الحل”، وقال “الإسناد الشعبي للرئيس سعيّد تجاوز الأحزاب”.

في المقابل يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن جزءا من منظومة الأحزاب لا يزال قائما رغم تسببها في تغذية الأزمات السياسية بعد 2011، وسط إقرار بأن المجال لم يعد متاحا لنشاط الأحزاب ذات المرجعيات الدينية والأيديولوجية.

مراد علاّلة: هناك فرز تاريخي وأحزاب تصارع من أجل البقاء

وقال الكاتب والمحلل السياسي مراد علاّلة إن “هناك أحزابا قائمة ولها تاريخ وجماهير، وإذا أردنا النجاح للمرحلة القادمة فلا بدّ من وجود وسائط (الأحزاب) في سياق ديمقراطي”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “الأحزاب كانت موجودة وتسببت في أزمة الحكم والبرلمان، ولا يمكن أن ننفي جهد تلك الأحزاب”، لافتا إلى أن “هناك عملية فرز تاريخي، والأحزاب التي تأسست على المصالح السياسية اندثرت، مثل حزب حركة نداء تونس، وبقية الأحزاب التي لها مرجعية دينية وأيديولوجية تصارع من أجل البقاء”.

وتابع “الأحزاب التي ستنجو من عملية الفرز ستبقى، والمجال لم يعد متاحا للأحزاب الدينية، والأزمة تكمن في عدم تعزيز ثقافة الديمقراطية، ووجود هذه الوسائط (الأحزاب والنقابات) ضروري مع وجود ضمانات ديمقراطية، حتى لا يفتح الباب للاستبداد”.

بدورها، قالت القيادية في حركة النهضة حياة العمري “نحن نعيش انقلابا، وكل ما هو موجود الآن خارج القانون، كما أن الأحزاب الآن موجودة شكليا وأغلبها اختارت الاصطفاف في صفّ المعارضة”.

وأضافت في تصريح لـ”العرب” أن “الأحزاب ستعود أكثر قوة وتنظيما، وذلك بعد سقوط الانقلاب”.

حياة العمري: الأحزاب موجودة شكليا وأغلبها اختارت صفّ المعارضة

ومن المنتظر أن يتولى رئيس الجمهورية في الدستور الجديد اختيار وتعيين رئيس الحكومة إثر الانتخابات، وليس الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية مثلما كان معمولا به في الدستور السابق الذي أقر في عام 2014.

وسبق أن أوضح بلعيد أن الحكومة ستصبح على شكل “هيئة حكمية” لتقديم المبادرات والمراقبة، ومكلفة بالنظام الاقتصادي، وفي حال فشل الرئيس في اختيار الشخصية التي ترأس الحكومة يمكنه تعيين شخصية ثانية لإدارتها، لكن إذا فشل في المرة الثانية فسيتخلى عن منصبه ويغادر الحكم، كما سيحافظ البرلمان على دوره التشريعي، فضلا عن إلغاء الهيئات التي تم إحداثها سابقا مقابل إحداث هيئات دستورية جديدة متوازنة”.

وتقول أطراف سياسية مشاركة في الحوار الوطني إن الدستور الجديد سيكرّس الممارسة الديمقراطية، وسيقطع مع ما جاء في دستور 2014 الذي كان قائما على تقاسم السلطة بين مكوّناتها وفق ترضيات ومصالح سياسية.

وأكّد زهير حمدي الأمين العام للتيار الشعبي (قومي) الذي شارك في الحوار الوطني، أنهم “دافعوا عن وجهة النظر التي تحث على التوازن بين الدولة التي تلعب دورا تعديليا واستراتيجيا وبين السوق التي يجب أن تبتعد عن الفساد، فضلا عن التكامل بين القطاعين العام والخاص والإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات المهمشة”.

واعتبر في تصريحات إعلامية أن “الدستور الجديد سيبني ويؤسس للمستقبل، وليس من مصلحة قيس سعيد أن يخلق وفقه نظاما دكتاتوريا أو دستورا يكرس الاستبداد”.

وكان الرئيس سعيد، الذي انتخب في أواخر عام 2019، تولّى كامل السلطات التنفيذية والتشريعية في الخامس والعشرين من يوليو الماضي، وأقال رئيس الحكومة وعلّق نشاط البرلمان قبل أن يحلّه في مارس الماضي.

وقرّر سعيّد إجراء استفتاء على تعديلات دستوريّة قيد التجهيز في الخامس والعشرين من يوليو، وذلك قبل إجراء انتخابات تشريعيّة في ديسمبر المقبل.

7