هانس يواس يحاول إعادة السحر إلى العالم

عالم الاجتماع هانس يواس يرى أن الوقت حان كي يوضع حد للمواجهة بين علم أديان يرى نفسه تجاوزا للعقيدة وبين عقيدة تشعر بأن العلم يهددها.
الخميس 2020/07/30
هانس يواس: لا بد من حوار جديد بين الفقه وعلوم الأديان

يطرح كتاب “سلطات المقدّس. طرح بديل لسردية زوال السحر”، لعالم الاجتماع الألماني هانس يواس، مكانة المقدّس في الحياة الاجتماعية المعاصرة، وفي رأيه أن الرؤية الخطّيّة لعلمانية تؤمن بانحدار متدرج وعالمي للديانة، والفهم الصّوفيّ لعودة الدينيّ ليسا مناسبين لمقاربة هذه الظاهرة المعقدة، ومن ثَمّ يستحضر ويناقش النماذج الكبرى التي صاغتها الفلسفة وعلم الاجتماع منذ القرن الثامن عشر.

كيف يمكن التفكير في حاضر الديانات ومستقبلها عبر العالم؟ هل ينبغي الرجوع إلى سردية “زوال السحر عن العالم” التي اقترحها ماكس فيبر، أحد الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع، والتي تعتقد أن الديانات مآلها التراجع بشكل لا رجعة فيه، كلما ازداد العالم حداثة؟

في كتابه “سلطات المقدّس. طرح بديل لسردية زوال السحر”، الذي اختار له المترجم الفرنسي عنوانا غير العنوان الأصلي بالألمانية Die Macht des Heiligen (قوة المقدس)، يناقش هانس يواس مسألة هيمنة أطروحة العلمانية ولكن دون أن يوجهها في الاتجاه المعاكس، (من زوال السحر عن العالم إلى عودة السحر إلى العالم).

الدينامية التحديثية

يبين يواس أن المفهوم الذي صاغه فيبر أبعد ما يكون عن الوضوح، ما يمنع من اعتماده كشبكة قراءة تبسيطية، ومن ثَمّ يقترح يواس بدلا عنها طريقة أخرى لقراءة تاريخ الأديان، ليوضح كيف تنشأ تقديسات جديدة، أو عودة الحياة إلى تقديسات قديمة بشكل متواصل في التاريخ الاجتماعي للبشرية.

 فالتاريخ في رأيه يبدو مثل تلاحق مسار تقديس ونزع التقديس، فلا يوجد مسار شامل يحوي إبطال صفة القداسة عن كل المقدسات وكل المثل العليا، كما لا يوجد خنق لإمكانية ظهور مثل عليا جديدة.

الكتاب يطرح مكانة المقدّس في الحياة الاجتماعية المعاصرة
الكتاب يطرح مكانة المقدّس في الحياة الاجتماعية المعاصرة

في مصطلح “زوال السحر عن العالم” اقترح ماكس فيبر تلخيص تطور عام للبشرية عبر تاريخها الطويل، وبين أن التاريخ الديني للبشر موسوم بإزالة تدريجية للسحر الذي ظهر مع الديانات الأولى، في اليهودية القديمة مثلا، ومع ظهور الديانات الكبرى الكونية وعلم الإلهيات، انخرطت البشرية في عقلنة آلية لمختلف الأنشطة البشرية، وإن اختلفت تلك الأنشطة باختلاف وظائفها، إذ أقامت كل واحدة منها لنفسها مجموعة من المعايير والقيم، أتاحت لها الحصول على نوع من الاستقلال الذاتي. ذلك، في نظر ماكس فيبر، محتوى الدينامية التحديثية المميزة للمجتمعات الغربية، التي تتقدم فيها العلمانية، أي زوال السحر، والعقلانية يدا بيد.

وحديث فيبر عن السحر متأتّ من البحوث التي أجراها علماء الأنثروبولوجيا في بعض المجتمعات، فقد أثبتوا أن لها مكانة مركزية كملمح أو ظاهرة وثيقة الصلة بالديانة، بعضهم حددها كفنّ ضروري لأفراد المجتمعات البدائية لمواجهة الأخطار أو الأقدار، وتقنية تهدف إلى التحكم في الصدف، وتجنب الطوارئ.

 أما العالم الذي فقد سحره، فهو عالم الحداثيين الذين أداروا ظهورهم للمعتقدات والممارسات التي لها علاقة سحرية بالطبيعة وبالآخرين. وغنيّ عن القول إن عالم السحر في المجتمعات الأخرى ليس عالم خرافات وأساطير، وحياة متخيلة وسط مخلوقات عجيبة، بل إن تلك الشعوب تملك أونطولوجيا أخرى، مسكونة بهويات تخالف الهويات الطبيعية للغربيين. تلك المجتمعات تربطها مؤسسة دينية، فالدين عندها له وظيفة شاملة، فهو يسمُ كل الأنشطة والأحداث والحركات، حتى اليومية منها، أي أنه يشكل المجتمع نفسه، وهذا هو الحبل الذي قطعته الأزمنة الحديثة.

حوار جديد

هذه الأطروحة يضعها يواس موضع مساءلة ويعمل على تفكيك عناصرها كالعلمانية والعقلانية والاختلاف الوظيفي للأنشطة وزوال السحر بطبيعة الحال وأخيرا التحديث الذي خُطّط له كوحدة تلتقي فيها كل تلك الملامح، فيعمد إلى تحليل مفصّل لمجمل الفقرات التي يستخدم فيها فيبر عبارات زوال السحر، ليبين أنه يستعملها بمعان متعددة وملتبسة، وإن كانت فكرته الأساس واضحة، وهي أن الدين لا مستقبل له في المجتمع الحديث، الذي يخصص أهم طاقاته في أنشطة علمانية عقلانية.

وبعد أن أبرز تلك النقطة، عاد يواس إلى ظهور علم الأديان، هذا العلم الذي يزعم أنه يملك عن الأديان خطابا معرفيا عقلانيا، بعيدا عن الفقه والمعتقدات الكنسية، فميّز فيه أهم المحطات وتوقف عند أبرز الإسهامات، ليبيّن إيجابيات كل منها ونقائصه، ليحللها ويقدم الحجج الكفيلة برسم تصوّر بديل لسردية زوال السحر عن العالم، مستشهدا بالديانة الطبيعية عند ديفيد هيوم، وتأويلية التجربة الدينية الفردية لدى وليم جيمس، وتمفصل سيميوطيقا بيرس لتلك التأويلية، وعلم الاجتماع التاريخي للمسيحية لدى أرنست تروتلتش، وختاما نظرية العصر المحوري لكارل ياسبرس، ليفكك الفكرة التي تؤكد أن المؤمنين عاجزون من حيث المبدأ على تحليل الديانة تحليلا علميا دون حكم مسبق.

التاريخ الديني للبشر موسوم بإزالة تدريجية للسحر الذي ظهر مع الديانات الأولى، في اليهودية القديمة مثلا

ويواس يعترف بحقيقة الظواهر الدينية وثباتها، فهي ليست ظواهر ثانوية ناتجة عن التنظيم الاجتماعي كما يعتقد ماركس، ولا هي تصورات مضللة كما قال فرويد، ورغم ذلك لا يدافع يواس عن أطروحة كونية الديانة، لكونه غير مقبول بعد الانتقادات الموجهة للدين، والتيارات المناهضة التي عرفتها أوروبا منذ القرن الثامن عشر، وبعد مسارات العلمنة التي أدت إلى التخلي، طوعا أو كرها، عن التقاليد الدينية، دون أن تظهر ديانات جديدة.

 وفي رأيه أن الوقت حان كي نضع حدّا للمواجهة بين علم أديان يرى نفسه تجاوزا للعقيدة، وبين عقيدة تشعر بأن العلم يهددها، ولا بدّ من وضع خطة جديدة لجدل يجمع المؤمنين وغير المؤمنين، يمرّ عبر العودة إلى حوار جديد بين الفقه وعلوم الأديان (تاريخ الأديان، سيكولوجيا الأديان، سوسيولوجيا الأديان)، ذلك الحوار الذي كان مثمرا قبل أن تبطله الأفكار المسبقة عن العلمانية.

والخلاصة أن الديانة والسياسي في حال توتر دائم، وهما يهددان دائما ببناء خصوصية أخلاقية، مثل بعض ظواهر التقديس الذاتي الجماعية، لمجموعات إثنية أو دينية، ولكن العالم في نظر يواس هو عالم إنساني، يمكن أن يكون فيه للسحر مكان، يُعترف به كإمكانية دائمة، دون أن تكون ثقافتها عتيقة عفا عليها الزمن كما يزعم الحداثيون.

14