نقل الواقع الحي لا يكفي لصياغة دراما ناضجة

هموم المجتمع المصري تحت مجهر الاعترافات الذاتية في مسرحية "بروفة"، والعرض أتى مشابها لعنوانه وتجهيزات أولية ومسودات لجسد ناقص في مسرحية لم تبدأ بعد.
الاثنين 2019/12/02
التماهي بين الحياة الشخصية للممثلين وأدوارهم في "البروفة"

سعت مسرحية “البروفة”، المعروضة على مسرح “الهوسابير” بوسط القاهرة، إلى قراءة خارطة المجتمع المصري الراهن، خصوصا أزمات الشباب، من خلال تصوير مشاهد من الحياة كما هي، فجاء النقل أمينا بغير روتوش، لكن ميكانيكيته طغت على فنياته وعناصره المسرحية.

القاهرة – تبدو الرغبة في الانغماس في لحم الواقع الحي القِبلة الأكثر استقطابا للأجيال المسرحية الجديدة في مصر، على الرغم من شغفها بالتجديد والتجريب في الأفكار والرؤى والمعالجات، فالمسرح لديها لا يدور في فراغ، ولا يتعاطى مع تهاويم وخيالات مقطوعة الصلة بالأرض والناس. ومن ثم فإن الهموم الفردية والمشكلات الجماعية المُلحّة والقضايا الإنسانية على وجه العموم هي المنابع الدائمة لأطروحات الشباب المسرحية.

ومن هذه العروض التي انطلقت من تجارب الحياة بوصفها مسرحا كبيرا، مسرحية “البروفة”، لفرقة “1980 وأنت طالع”، من تأليف محمود جمال حديني وإخراج محمد جبر.

تجهيزات أولية

طريقان سلكهما العرض للتعبير عن الحاضر المصري بحذافيره، الأول: فيض البوح الذاتي، أي كرسيّ الاعتراف الذي يتبادل الممثلون الجلوس عليه، والثاني: التكنيك الفوتوغرافي النمطي (ميكانيكا الصورة) لتجسيد مشاهد الحياة اليومية الدائرة بعرضها عرضا مباشرا حرفيا، دون معالجة أو تغيير.

هذان الطريقان، أمكن الجمع بينهما من خلال اللعبة الأساسية التي انطلقت منها فكرة العرض، وهي الإيهام بأنه لا يوجد نص معدّ سلفا، إذ تدور المسرحية حول مجموعة من الممثلين بصدد البحث عن ثيمة ملائمة لمسرحية جديدة يقدمونها بطريقة مبتكرة، مسايرة للعصر، من ثم فإنهم اجتمعوا مع المخرج ومجموعة من المؤلفين في ما يشبه ورشة عمل، ليقترح كل منهم تصوراته بشأن العرض المزمع إنجازه.

فيض من البوح الذاتي
لا حدود في تعرية الذات وفضحها

وحينما يفشل المجتمعون في الاتفاق على نص محدّد يرضي طموح المخرج ويعكس ما يحلمون به من مصداقية وتطور، شرع كل واحد في سرد ملامح من تفاصيل حياته وذكرياته الشخصية، لتتشكل عفويا بينهم لبناتُ المسرحية المنشودة من تلقاء ذاتها؛ خطوة خطوة، سطرا سطرا، إلى أن يرتضي المخرج بوجود بناء ما، يجدر بأن يُعَوّل عليه، فيهلّل الجميع بأنهم وجدوا ضالتهم، ونسجوا مسرحيتهم الخيالية بخيوط الحقيقة.

 عكست المسرحية مغامرات التجريب ومخاطرات الصيغ الحداثية التي يتهافت عليها شباب المسرحيين، وهذه الابتكارات على ما فيها من تشويق وكسر للتقليدية وتمرّد على العُلبة المسرحية المتوارثة، سلاح ذو حدّين، إذ قد يقود الاتكاء على عناصر مسرحية

 بعينها، طبيعية أو غير طبيعية، وإبرازها وتضخيمها، وإهمال مفردات أخرى حدّ الحذف، إلى نوع من الخلل البنائي أو فقدان التماسك والسيطرة على الأجرام السيّارة داخل مدارات الجذب، بما يؤدي إلى سيولة فنية دون قوام، ونثارات وومضات غير محكومة بمنطق أو رؤية شاملة مقنعة.

لا يلتزم المجددون بقوانين صارمة بطبيعة الحال، فالانفلات والمراوغة والتفجير والنسج على غير السائد من سمات الموهوبين الحالمين بتجاوز المألوف، لكن تحطيم الأطر كلية لا يعني غياب النسق، طالما أن “البروفة” ارتضى صُنّاعها بتوصيفها كمسرحية، وجرى تمريرها للجمهور المتطلع لمواصفات لا تشطّ بعيدا.

جاءت أبرز مفارقات المسرحية متمثلة في أن تماهيها مع عنوانها “البروفة” حد التطابق هو أخطر سلبياتها، حيث لم يرق العرض في الكثير من جوانبه ومعطياته إلى مستوى التعبير عن دراما مسرحية ناضجة مكتملة الأركان، فكأنه عرض مثل عنوانه، أي مجرد “بروفة” وتجهيزات أولية وتحضيرات ومسودات لجسد ناقص وعرض لم يبدأ بعد.

هي لعنة المصداقية التي حلت في غير موضعها في هذه الحالة، فليس مقبولا أن تصدّق المسرحية عنوانها فتصير هي ذاتها “بروفة”، وإذا كان الإيهام بامتزاج الحقيقة والخيال قد آتى أكله وأنتج ثمارا محمودة في العرض وأوحى بالتلقائية والتطابق بين أدوار الممثلين على المسرح وحيواتهم الشخصية وآلامهم وكذلك خبرات المتفرجين وهمومهم وأزماتهم، فإن طريقة المعالجة ووسيلة تقديم هذه الفكرة المغايرة وأبجديات الصناعة المسرحية قد ظلمت العرض كثيرا.

أضواء وظلال

مونولوجات البوح والفضفضة والاعتراف
مونولوجات البوح والفضفضة والاعتراف

لعرض “بروفة” أضواؤه وظلاله بالتأكيد في ميزان التحليل المنصف، وبحسبه الرغبة في التعبير عن اللغة المسرحية بشكل مختلف، والجرأة في تعرية الذات وتحسّس مواضع الجراح لدى المجتمع، الظاهرة فوق الجِلد، والغائرة تحت سطحه، دون سقف ولا جدران، وبغير حواجز مقيّدة وغيوم حاجبة للآفاق والفضاءات.

نجحت المسرحية من خلال الاستعراض المتدفّق الحرّ لحياة الممثلين في الفرقة، وسرد كل واحد منهم تفاصيل ظروفه المتشابهة مع أحوال غيره من الشباب، في رسم بانوراما مكبّرة لجيل كامل يعاني مطبات ومعوقات لا متناهية في سبيل قنص أحلامه الهاربة ومواجهة التحديات والهروب من المآزق المتلاحقة.

وأتاحت آليات كرسي الاعتراف، والعدسة الفوتوغرافية المركزة على كل فنان، واحدا بعد الآخر، إمكانيات كبيرة في استشفاف ما يدور بداخل الشباب باستفاضة ومصداقية، وتصفية كل ما يعتمل في دواخلهم ويجيش في صدورهم حتى آخر قطرة، الأمر الذي سمح بكشف الكثير من مشكلات الفرد وأزمات المجتمع، من قبيل: البطالة وتأخر سن الزواج والتفكّك الأسري وانتشار العنف والتواكل والعزلة وطغيان المادية والاستهلاكية وغياب لغة الحوار بين الأبناء والآباء، وغيرها.

وتطرق العرض كذلك إلى نظرة الشباب السوداوية إلى الحياة التي يعيشونها بغير شهية، حيث تحوّل المسرح إلى كتلة ظلام عندما طلب المخرج من الممثلين في أحد تدريبات الصورة التعبير عن المستقبل، كما تحوّل الممثلون جميعا إلى قتلى وجرحى عندما طلب منهم المخرج التعبير عن صورة الثورة.

رغبة الشباب في كسر الحصار
رغبة الشباب في كسر الحصار

وأبرز العرض قتامة المشهد وانغلاقه باستدعاء الفانوس السحري وعلاءالدين والخيالات بوصفها الحلول المتبقية للخلاص بعد انسداد كل النوافذ الممكنة.

وتُحتسب لمسرحية “بروفة” نزعتها الكوميدية من خلال المفارقات والمواقف الهزلية، مثل تحضير العفريت وصرفه، وحدّة المخرج وعصبيته في التعامل مع الممثلين الذين تسيطر عليهم أحيانا سمات البلاهة وغلظة التفكير بسبب معضلات العصر، وإن كانت النكات اللفظية شابت هذه الالتفاتات الكوميدية الهادفة إلى توليد الضحك من قلب المأساة.

ولمعت في العرض بعض إشراقات التفوّق والإجادة الفردية، من قبيل الاستعراضات الرشيقة المصحوبة بالحركات الجسدية والإيمائية المعبرة (لغة العين)، والأداء التمثيلي المتميز لدى البعض، خصوصا في ظل صعوبة تكنيك “المونولوج” المتبع على طول المسرحية في استرجاع الأحداث والذكريات، والديكور البسيط المعبّر عن مكان انعقاد البروفة وكواليس مسرح صغير بخلفية لنجوم المسرح عبر العصور، والموسيقى الوترية الحساسة الملائمة لأجواء الفضفضة والانكشاف، والإضاءة المعتمدة على تكثيف هالة النور على العنصر محل الاعتراف والبوح المتداعي.

هذه المقوّمات الجزئية لم ينجح العرض في ضمها دراميا من خلال عمل مسرحي متنامي الأحداث، قائم على الحوار والصراع والعلاقات التفاعلية، فبَحثُ الممثلين والمخرج عن نص أو ثيمة في داخل العرض أمر قد طال “البروفة” ذاتها، التي جاءت بحثا عن مسرحية دون أن تصل لشيء، عدا مشاهد الاعترافات الفردية المتناثرة، وهي مشاهد ساكنة، ذات إيقاع بطيء ومُمطّطة بشكل مملّ.

17