نداء تونس: متلازمة المؤتمر الانتخابي

مؤتمرات الأحزاب هي نهاية الشرعيات المتناحرة وبداية الشرعية المنجزة، أما أن تفضي المؤتمرات إلى ولادة شرعية جديدة تضاف إلى الشرعيات القديمة، فهي إضاعة للوقت السياسي وتضييع للفرص الوطنية.
الجمعة 2019/01/11
حزب متشرذم

 “لا حلّ لتونس إلا بنداء تونس، ولا حلّ لنداء تونس إلا بمؤتمره الانتخابي”، هكذا لخّص الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي معادلة الحكم في البلاد، وهكذا ربط بين إنقاذ الكل بانتشال الجزء.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع أطروحة الرئيس قائد السبسي والتي نقلها عنه القيادي في نداء تونس بوجمعة الرميلي الذي يعدّ اليوم لبنة أساسية في الإعداد للمؤتمر القادم للحزب، فإنّ تأثير وضع نداء تونس على استقرار البلاد سواء من حيث التأثير الإيجابي أو السلبي معلوم وواضح للعيان.

فالحزب الذي نشأ من أجل إحداث التوازن وإقرار الضغط على حركة النهضة ودفعها إما إلى التعايش الوظيفي وإما إلى إدخالها صلب المعارضة البرلمانية والحزبية، قد تشرذم على أجنحة متقاتلة وانقسم على أحزاب متضادة نجحت حركة النهضة في تطويعها لصالحها وجمع جبهة الرفض والتناقض مع قائد السبسي الابن إلى جانبها. والحزب الذي جاء في وقت سياسي عصيب بعنوان “الكتلة التاريخية” الجامعة للفرقاء السياسيين من اليمين إلى اليسار ومن الدولة العميقة إلى تيار 14 يناير، عجز عن الاستمرار والتواصل، وكانت لحظة الفوز في انتخابات 2014 بمثابة إعلان التأبين الناعم والموت البطيء.

يعاني الحزب من متلازمة المؤتمر الانتخابي، فبمجرّد انعقاد الاجتماعات الجهوية التحضيرية للمؤتمر وبمجرد الإعلان عن التاريخ الأولي للمؤتمر، يعصف بالحزب شتاء غضب حزبي، مرة تحت عنوان شرعية المكتب التنفيذي وأخرى تحت اسم المجموعة التأسيسية، وثالثة تحت رسم غياب الأفق السياسي للانصهار بين الاتحاد الوطني الحر ونداء تونس.

مؤخرا، قدم ستة أعضاء من الكتلة البرلمانية لنداء تونس، كانوا ينتمون سابقا إلى كتلة الاتحاد الوطني الحرّ، استقالتهم من الكتلة، صحيح أنّهم لم يقدموا شرحا لأسباب الاستقالة ولكن التسريبات تتحدث عن مشاكل عميقة يعيشها التحالف الهجين بين الاتحاد الوطني الحر ونداء تونس.

وهي مشاكل ازدادت وضوحا باقتراب الموعد الأولي للمؤتمر الانتخابي لنداء تونس، حيث خرجت الصراعات بين سفيان طوبال رئيس كتلة نداء تونس في البرلمان ورضا بلحاج إلى العلن، كما أنّ الأخبار الواردة عن تباين شديد في وجهات النظر بين رئيس المكتب التنفيذي حافظ قائد السبسي ورئيس لجنة الإعداد للمؤتمر رضا شرف الدين، تشير إلى أنّ الصراع السياسي القديم الجديد قد خرج لا فقط من السر إلى العلن، بل وهو الأخطر من حالة الإدارة إلى الانفلات.

واحدة من المشاكل الهيكلية في نداء تونس اليوم متمثلة في سعي البعض إلى الجمع بين المتناقضات، والمتناقضات متجسدة في الإصلاح البنيوي والذي يعني تحويل نداء تونس من كتلة تاريخية إلى حزب سياسي، والتحضير السريع للانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة.

لا نتصور أن الحزب قادر على الجمع بين الاستحقاقين، فزمن الإصلاح العميق الذي يحتاجه نداء تونس ويحتاج إليه جمهوره الذي منحه ثقته وتمثله لتونس اليوم وفي الغد، يختلف عن زمن السباق الانتخابي والصراع الاقتراعي الذي يحتاج إلى تكاتف بين القواعد والقيادات لا يحصل إلا عقب مؤتمر انتخابي يدخله الجميع بشرعيات كثيرة ويخرج منه الكلّ بشرعية واحدة.

قيمة مؤتمرات الأحزاب أنها نهاية الشرعيات المتناحرة وبداية الشرعية المنجزة، أما أن تفضي المؤتمرات إلى ولادة شرعية جديدة تضاف إلى الشرعيات القديمة ولا تحسم فيها، فهي إضاعة للوقت السياسي وتضييع للفرص الوطنية. وطالما أنّ الغاضبين من قيادة النداء كثيرون والرافضين لفكرة المؤتمر عديدون أيضا، فإن الحوار حول المؤتمر يكون أولى من المؤتمر ذاته.

ووفق هذا المشهد، تكون أمام نداء تونس ثلاثة خيارات حيال الانتخابات القادمة، فإما أن يؤجل المؤتمر الانتخابي إلى ما بعد الحوار داخل العائلة الندائية الواسعة وما بعد الاستحقاق الانتخابي، وإما أن يجري المؤتمر ويقبل بنتائجه وتكاليفه ويضحّي بذلك بالشعبية الانتخابية في مقابل الشرعية المؤتمرية، وإمّا أن يركز نداء تونس على استحقاق واحد أظنه الرئاسي والاكتفاء ببعض القائمات الانتخابية البرلمانية في المدن الرئيسية ويفتح ورشات إصلاح تؤصل لمستقبل الحزب ولا تضحّي بالمستقبل من أجل مصالح براغماتية ضيّقة.

9