مي عبدالله نحاتة مصرية تبث البهجة وتعيد للمصريين أيقوناتهم

تجربة مي عبدالله تشق طريقها في التاريخ الفني لمصر، لتتجاوز بسرعة رداءة التماثيل المنتشرة في الحياة العامة العربية من المشرق إلى المغرب وتقدم الجديد بالقديم.
الأحد 2020/09/27
تياترو الحياة وتماثيل الفرح

لا تزال ضحكة المعلّم “رضا” تتردّد في آذان المصريين، ومعها صوت الفنانة القديرة الراحلة ماري منيب وهي تقلّد بنات الباشاوات على خشبة المسرح، وتسأل سؤالها الشهير “إنتي جايه اشتغلي إيه؟” السؤال الذي وجّهه المصريون ذات يوم لرؤسائهم جميعا، من جمال عبدالناصر إلى محمد مرسي، وهم ينتقدونهم بالروح المصرية الفكهة والمتهكمة. تلك الروح التي نقلتها الفنانة المصرية مي عبدالله من الذاكرة إلى الحجر، حتى صار من لحم ودم.

“نحاتة المنيا” هو اللقب الذي عرفت به هذه الفنانة الشابة، التي باتت شريكة صفحات التواصل الاجتماعي والمعارض والجدالات بأعمالها النحتية المثيرة.

كأنما تحاول عبدالله إعادة الزمن إلى الوراء، ليس للحنين والذكريات، بل لتأكيد الشخصية المصرية من جديد. وهي بتجربتها الجديدة، وعمرها الفتي، ردٌّ مباشر وصريح من الشباب المصري على كل ما جرى ويجري في مصر من تراجع للمفاهيم والقيم الجمالية. أنهت عبدالله دراساتها في كلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا، عام 2017، ونال مشروع تخرجها وأعمالها الفنية إعجاب الجميع، لكن حظّها كان حسنا، حين أثيرت ضجة كبيرة حول أحد أعمالها النحتية، وهو تمثال للاعب كرة القدم المصري محمد صلاح عرض في منتدى شباب العالم في شرم الشيخ بعد
عام واحد من تخرجها. واستطاعت أن تسجل حضورها الشعبي في معرض “تياترو” الذي قدمت فيه نجوم مصر وأيقوناتها.

من كان يتوقع أن الفتاة الرياضية ستتحول إلى فنانة تشكيلية ونحاتة تلفت أنظار الجميع بتفوقها وحصولها على مرتبة الشرف؟ ابنة لعائلة من أب وأم مدرّسين لمادة اللغة العربية التي طمحت ذات يوم أن تصبح مهندسة، لتكون في مستقبلها مهندسة أفكار وصور ومنحوتات. بعد أن حققت حلمها بأن تكون لاعبة كرة طائرة محترفة في مركز شباب المدينة، ونادي منظمة الشباب، ونادي المنيا الرياضي، ومثلت حينها منتخب الجامعة، أمام الأهلي والزمالك.

مع النجوم

كأنما تحاول عبدالله إعادة الزمن إلى الوراء
كأنما تحاول عبدالله إعادة الزمن إلى الوراء

بدأت فكرة الأيقونات الشعبية خلال دراستها الجامعية، حين نفذت تمثالين للفنان الراحل عبدالفتاح القصري والفنانة الراحلة ماري منيب. ثم أصبح هذا الخط مشروعا متكاملا لها مكونا من 8 شخصيات ممن تسميهم هي “فنانو الزمن الجميل”، وتم وضع تلك التماثيل في ميادين جامعة المنيا، وكانت المجموعة مكونة من تماثيل لكل من حسن فايق، ونجيب الريحاني، وإسماعيل ياسين، ومحمد رضا، والأطفال أحمد فرحات وإكرام عزو بطلة فيلم “عائلة زيزي”.

تقول عبدالله “تم اختيار تلك الشخصيات كونها قدمت فنا راقيا وهادفا ورسمت البهجة دوما على وجوه المشاهدين، رغم أن معظمها كان له دور ثان في الأفلام”. وتضيف “فوجئت برد الفعل الكبير من إدارة الجامعة والمتابعين بعد نشر صور الأعمال على مواقع التواصل الاجتماعي، وتلقيت بعدها عروضا للمشاركة في مهرجانات خاصة بالفن التشكيلي”.

يتيح البرونز الذي تستعمله عبدالله إمكانيات هائلة لعكس التفاصيل التي تنحتها على الوجوه، فتبدو القطع وكأنما هي احتفال دائم بالبهجة، حتى تكاد تلك التماثيل تنطق وتتحدث مع من حولها.

ربما يسهم ما تختاره النحاتة من موضوعات في إنجاح عملها، لأنه مرتبط برصيد تلك الشخصيات لدى المصريين، إلا أنه في الوقت نفسه حيلة ذكية لتحريك مشاعر المتلقين تتمكن من تقديم الفن النحتي الذي عانى كثيرا من الفتاوى والتحريم.

حين تمت دعوتها إلى المنتدى العالمي للشباب من رئاسة الجمهورية، اختارت أن تقدم عملا متميزا يحتفي بالحضارة المصرية ورموزها، مستندة إلى صديقها ذاته، البرونز، فقدمت تمثال “الهرم” الذي يحمله الشباب القادمون من مناطق مصر المختلفة. وهي تصف ذلك التمثال بأنه يجسد مع الشباب المنحوتين فيه “النسيج الواحد، حيث أن جسدهم متصل بالنسيج المكون للهرم، وأعلى قمة الهرم توجد الكرة الأرضية، ما يوحي بأنهم يحملون الحضارة والأرض”.

وزاد من حضور عبدالله الفني، اهتمام رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي بأعمالها التي عرضت في معرض للحرف اليدوية والتراثية أقامته وزارة التضامن الاجتماعي، وحينها حاورها الرئيس وسألها عن أفكارها وطلب أن يشتري أحد أعمالها، فقدمته له عبدالله هدية بلا مقابل، وتم نقله إلى قصر الاتحادية الرئاسي.

تياترو

جلسة العراقي نجيب الريحاني واضعا يده على خدّه ترثي حال الكوميديا المصرية والعربية عموما، فقد كان المعلم الريحاني رائدها وقائدها في وقت كانت الدراما لا تزال تحبو.
جلسة العراقي نجيب الريحاني واضعا يده على خدّه ترثي حال الكوميديا المصرية والعربية عموما، فقد كان المعلم الريحاني رائدها وقائدها في وقت كانت الدراما لا تزال تحبو

خطوات عبدالله بطيئة لكنها في كل مرة تزيد من وهج أعمالها وحرفتها، ليأتي معرضها “تياترو” في غاليري مصر بالزمالك والذي افتتحته وزيرة التضامن الاجتماعي غادة عادل حينها، والذي ضم مجموعة واسعة من الأعمال والشخصيات. وفي ذلك المعرض قدّمت تماثيل جديدة لعمر الشريف وعبدالحليم حافظ وأم كلثوم وفيروز، وعبدالسلام النابلسي ومحمود عبدالعزيز، وسعاد حسني، ونجيب الريحاني، وحسن فايق، ويحيى الفخراني، وعلاء ولي الدين، وعادل أدهم، ومحمد منير.

تقف خلف شخصية النحاتة الشابة، ذهنية أبعد من مجرد محترفة للفن، بل تبدو كباحثة في عمق الهوية المصرية وسيكولوجية المصريين. “تياترو” هو اسم معرضها. هذا صحيح. لكن مصر كلها تياترو وخشبة واسعة للفنون والثقافات. وهذا ما كانت ترمي إليه عبدالله من اختيار تلك التسمية.

علاقة المصريين بالفن

الفن ومصر قصة معقدة، لكنها شيّقة وطويلة. ففي تلك البلاد المفتوحة كانت الفنون منذ أيام الفراعنة وفي مختلف العصور التي تلتها، تمثل جسورا للتواصل بين المصريين من جهة، وبين المصريين والعالم الخارجي من جهة ثانية. ففي ذلك الفضاء المفتوح الذي مثلته مصر انتعشت فنون العرب الآتين من كل مكان، وتفاعلت مواهبهم وما جلبوه معهم من جرأة وأفكار. وكان المسرح بدايتها، مع يعقوب صنوع وأبوخليل القباني، ثم جاءت السينما التي لم تتوقف عن العرب المحيطين بمصر وحدها مع المصريين من الفنانين، بل شملت أيضا فنانين من أوروبا شكلت السينما المصرية سلّما لهم للصعود نحو العالمية.

وهذه اللعبة الممتعة كان يشارك في الشغف بها الملايين من المشاهدين الذين تداخلت مع حياتهم وصارت جزءا من يومياتهم وخبزا على موائدهم. وذلك ما تتقن عبدالله نسجه. فيبدو الفخراني بأدواره التي قدمها حاضرا، ومنير وأغانيه النوبية ونظرات وحركات رأس الشيخ حسني الأعمى في فيلم “الكيت كات” وهو يعزف العود في عيني محمود عبدالعزيز رسائل مباشرة من النحاتة إلى أرواح المشاهدين. وهي لا تخفي مشروعها الحقيقي الذي يطمح إلى إعادة ربط المصريين بالفن الجميل والزمن الجميل، بعيدا عن الانشطارات التي ضربت مجتمعهم. وليس هناك ما هو أفضل من مادتها للقيام بتلك المهمة النبيلة.

حتى أم كلثوم التي تفتح ذراعيها بمنديلها الشهير، تظهر في تمثال عبدالله وكأنها تخاطب جمهور اليوم لا جمهور الزمن الماضي. نابليون بالتصوير الكاريكاتوري الذي اختارته له النحاتة يعود من جديد ليذكّر المصريين بزمن الحملات الفرنسية وغزو مصر.

 أما جلسة العراقي نجيب الريحاني واضعا يده على خدّه فهي ترثي حال الكوميديا المصرية والعربية عموما، فقد كان المعلم الريحاني رائدها وقائدها في وقت كانت الدراما لا تزال تحبو.

تجربة مي عبدالله تشق طريقها في التاريخ الفني لمصر، تتجاوز بسرعة رداءة التماثيل المنتشرة في الحياة العامة العربية من المشرق إلى المغرب وتقدم الجديد بالقديم.

الشخصيات التي تختارها عبدالله قد تسهم في إنجاح عملها، لكن ذلك يخفي حيلة ذكية لتحريك مشاعر المتلقين تتمكن من تقديم الفن النحتي الذي عانى كثيرا من الفتاوى والتحريم
الشخصيات التي تختارها عبدالله قد تسهم في إنجاح عملها، لكن ذلك يخفي حيلة ذكية لتحريك مشاعر المتلقين تتمكن من تقديم الفن النحتي الذي عانى كثيرا من الفتاوى والتحريم
البرونز الذي تستعمله الفنانة المصرية يتيح إمكانيات هائلة لعكس التفاصيل التي تنحتها على الوجوه
البرونز الذي تستعمله الفنانة المصرية يتيح إمكانيات هائلة لعكس التفاصيل التي تنحتها على الوجوه

 

9