موعد يومي مع الصور

الاختيار بين الصور يولد لك مسارات في هذا الاختيار. محرر الصفحة الدولية مثلا صار لا يستطيع نشر صورة جدّية لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. إما صورة ناس تحتج عليه، أو صورته في حركات المهرّج.
الأربعاء 2019/09/11
أرشيف الصور كنز حقيقي

يوميا أقضي وقتا لا بأس فيه في تصفّح صور وكالات الأنباء. أرشيف الصور في المؤسسة الذي تراكم على مدى عشرات السنين كنز حقيقي. كنز بأبعاد مختلفة. لأنه يسترجع الماضي ويصدمك بين حين وآخر. لأنه يأتي بالطريف. لأن في الصور استفزازا للصحافي يجعله يفكر ويعيد النظر في الكثير من الأمور.

المهنة تجعلك ترتدي قبعات مختلفة أثناء النهار. أنت في الصباح محرّر لمقالات رأي فتبحث عن صور تتناسب مع تلك المقالات. في الظهيرة تأتيك جرعة المنوعات، فتصير خبيرا في انتقاء صور العائلة والأطفال الذين يأكلون شوكولاتة والصحة والتحقيقات. قبل هجوم الإخباريات آخر النهار تأتي الصفحات الدسمة القائمة على التحليل، فتحاول أن تفكّر بصورة تتجاوز الخبر ولكنها لا تبتعد عنه كثيرا. الإخباريات سهلة ممتنعة. لديك خبر عن مصر والسودان، ضع الكلمتين في محرك البحث الداخلي وستأتي الصور بسهولة. الصفحة الأولى حكاية بحد ذاتها. عليك أن تقلّب وتقلّب لكي تجد المختلف، لأن احتمالية أن تنشر صحيفة منافسة نفس الصورة تبقى واردة. تريد أن تكون واجهة الصحيفة مختلفة ولكنها أيضا ليست عن حدث في القمر. هذا للورق. اختيار الصور لنسخة الأونلاين حيث كل خبر له صورة أو أكثر ممكن أن يسبّب لك انهيارا عصبيا.

بمرور الوقت، ستلاحظ أن الاختيار بين الصور يولد لك مسارات في هذا الاختيار. محرر الصفحة الدولية مثلا صار لا يستطيع نشر صورة جدّية لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. إما صورة ناس تحتج عليه، أو صورته في حركات المهرّج التي يجيدها. صور رايات حزب الله تخنق الصور القادمة من لبنان، فتتسلسل تلقائيا إلى صفحات الجريدة وموقعها الإلكتروني. طرابلس تعني صورة مقاتل يرتدي ملابس نصفها عسكري والآخر مدني وينتعل شبشبا في بعض الأحيان بدلا من جزمة عسكرية ويطلق النار على هدف بعيد. صور سوريا لمهجّرين ومآس. كمية الصور التي تظهر شعلة نار في مصفى نفطي التي تجدها في صفحات الاقتصاد يمكن أن تعمل أرشيفا خاصا بعنوان “كيف تصور شعلة نار مليون مرة وتنتهي بنفس النتيجة”.

الخروج من هذه النمطية بالاختيارات ليس بالمهمّة السهلة. المحرر يميل لهذا الزعيم، فينتقي صورة له بصرامته وابتسامته. إذا كان “لا يحب” ذاك الزعيم، فإنه سينتقي صورة له وفمه يرسم لقطة فكاهية. في الحالين، هو اختيار بين اثنين على أقصى الأحوال. لا تستطيع أن تنشر الفم المعوجّ للزعيم كل مرة، ولا صورته وهو يقود الجماهير. سيتسلل الملل للقارئ، وسيجد المحرر أن مدير التحرير يتربّص به ويلومه. سمعت محرّرين يدمدمون بعد ترك مكتب المدير بالقول “هل أجلب صورا من بيتنا؟” أردّ وأقول: ربما من الأرشيف أفضل، ولكن بأفق متحدٍ للتغيير والخروج من النمطية.

تريد تعريفا للنمطية؟ أنظر إلى الصور في هاتفك مع الأصدقاء أو إلى السيلفي!

24