موزة تتحول إلى فكرة تدين التوحش

هل هناك من عمل فضح الرأسمالية المتوحشة أكثر من “موزة” كاتيلان. ألا يستحق العمل، بعد ذلك، أن يوصف بعمل فني بامتياز؟
الأربعاء 2019/12/11
عمل فني بامتياز

إن كانت وظيفة الفن إيصال رسالة اجتماعية، فإن “موزة” علقت على جدار صالة عرض بشريط لاصق، وأثارت الكثير من السخرية والنكات، هي عمل فني بامتياز.. لماذا؟

عرضت الـ“موزة”، وهي ثمرة طبيعية من اختيار الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان، في معرض “آرت بازل” للفن المعاصر في ميامي بيتش بالولايات المتحدة. وعنون العمل بكلمة واحدة هي “كوميديان”. أما الثمن فهو 120 ألف دولار. ووجد من يدفع الثمن.

دفع جامع أعمال فنية فرنسي الثمن المطلوب، لينتهي العمل في جوف فنان أميركي، قام بنزع الموزة عن الجدار الأبيض، والتهمها وسط دهشة حشد من زوار المعرض، قائلا لهم إن ما قام به ليس اعتداء على عمل فني، بل هو عمل فني آخر، عنوانه “هانغري آرتيست” (فنان جائع). وقبل أن ينسحب من الصالة أضاف “شكرا، إنها لذيذة”.

رغم ذلك، لم يخسر أي من الأطراف شيئا، كما أكد مدير العلاقات، لوسيان تيراس، في صالة “تيمانويل بيروتان” التي باعت الموزة. المعتدي لم يدمر العمل، الـ“موزة” مجرد فكرة.

في شهادة الأصالة، التي ترافق الأعمال الفنية المباعة عادة، ذكر أن الموزة ينبغي أن تجدد بانتظام، حتى لا تتعفن. وقد علقت موزة جديدة على الجدار بعد ربع ساعة من التهام الأولى.

الفنان الإيطالي، ماوريتسيو كاتيلان، صاحب العمل ليس فنانا نكرة بل هو معروف في الولايات المتحدة بعمل شهير آخر هو مرحاض مصنوع من الذهب عيار 18 قيراط.

وكان هذا العمل، الذي قدر سعره بستة ملايين دولار، قد اختفى منذ أن سرق في سبتمبر من قصر “بلينيم” في جنوب إنكلترا.

التهام الموزة أثار الكثير من التوتر ولفت الانتباه، لكن ردود الفعل، كما قال مدير الصالة، كانت رائعة ورسمت البسمة لدى كثير من الناس.

الـ“موزة” عمل مفاهيمي، يريد صاحبه تقديم فكرة، محتواها متروك للمشاهد.

بالطبع ستتعدد القراءات بعدد أفراد الجمهور الذي زار الصالة وتوقف أمام العمل، أيضا ستتأثر تلك الآراء بمشهد الاعتداء على العمل والتهامة.بالنسبة إلى أصحاب الصالة ومديرها، الأمر كله لا يعدو لعبة تسويق. وهو أيضا كذلك بالنسبة إلى الشاري. الجميع خرج رابحا.

معظم من شاهد العمل، سيخرج من الصالة محاولا إخفاء أي تعبير يفضح مشاعره. البعض منهم لا يريد أن يتهم بالتفاهة والسذاجة، والبعض الآخر لا يريد أن يتهم بالجهل.

إذن لماذا القول إن الـ“موزة” عمل فني بامتياز.

قدم الفنان إدانة قوية للرأسمالية المتوحشة، بوعي منه أو دون وعي. في الوقت الذي لا يجد فيه ملايين من الفقراء نصف دولار ثمنا لثمرة موز يقتاتون بها، هناك من يدفع 120 ألف دولار ليشاهدها تتعفن أمام عينيه.

المعتدي الذي قام بالتهام العمل، وعنون ما قام به بـ“هانغري آرتيست”، يستحق هو الآخر أن يقبض ثمن فعلته. أو على الأقل أن يتقاسم مع الفنان مبلغ الـ120 ألف دولار.

ليست الغاية أن نغرق في تحليل أخلاقي، ولكن العارفين بأزمة الاقتصاد الليبرالي وأزمة العولمة، يدركون ماذا يعني وجود أموال ضخمة مكدسة في البنوك، لا يحصل أصحابها على أية أرباح منها، بل أحيانا يضطرون لدفع أموال لقاء وضعها في تلك البنوك.

عندما كان هناك في العالم مليونير واحد “مليونير وليس ملياردير” يتردد اسمه في وسائل الإعلام، هو إمبراطور السفن أوناسيس، كان الفنانون يشقون لتأمين خبزهم كفاف يومهم.

بحسابات اليوم، المليونير فقير لا يستطيع شراء شقة متواضعة وسط نيويورك أو لندن. العالم اليوم يعج بالأثرياء أصحاب المليارات، يتكاثرون كالفطر. وقريبا قد يصبح الملياردير فقيرا، ليحل مكانه التريليونير (نسبة إلى التريليون وهو ألف مليار).

عندها فقط قد يخرج سارق مرحاض الفنان الإيطالي كاتيلان إلى العلن، ويعرضه للبيع بـ60 مليار دولار بدلا من 6 ملايين دولار، وهو سعره اليوم.

هل هناك من عمل فضح الرأسمالية المتوحشة أكثر من “موزة” كاتيلان. ألا يستحق العمل، بعد ذلك، أن يوصف بعمل فني بامتياز؟

16