من يدفع عنها فاتورة الغربة؟

ثمة مشاعر لا يمكننا الإفصاح عنها، قد نعجز في شرح معانيها، نفشل في تحويلها إلى محسوسات، أشياء مرئية يسهل التعامل معها.
الاثنين 2019/07/15
المرأة دائما تألف الهدوء والاستقرار

أصوات المدافع المقتربة تفزع أهل المدينة، يهرولون إلى مخابئ سرية تحت الأرض هربا من موت مجاني يصادفهم في الطرقات، يختبؤون من المخبأ لهم في الزوايا، ويا لعجائب القدر!

يفرون منه إليه، في هذه الظروف العصيبة التي لم تنج منها كثير من البلدان العربية، في توقيتات مختلفة، كانت الأسر والعوائل تهاجر، أو تهجر قسرا، الخيار الوحيد المتاح بين الغربة والاغتراب.

ولأن المرأة دائما تألف الهدوء والاستقرار، لا تميل لكثرة التنقل والترحال، تهرب من فكرة التغيير المحض، من الممكن أن تمارس التغيير لسبب ما ولكن ليس غاية في حد ذاته، وهذا ما يفسره رفضها الدائم للسفر الطويل، أو هجرة الأسرة، لا تسارع بالتضحية بتلك الألفة التي تمد جذورها مع الأماكن، لكنها إذا ما أجبرت عليها تتقبلها في حركة مواءمات لصالح أسرتها، ولا تهدأ إلا بعد أن تألف الجديد.

اغتراب أهل الدول في بلادهم، واغتراب عرب في بلاد غربة غريبة، في أوروبا وإنكلترا، وأميركا، بلاد منحتهم الأمن والأمان، جعلت لهم في الغربة من الكرامة وطن، ومن الغنى سكنا ووطنا وحياة كما قال الإمام علي بن أبي طالب “الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة”.

هاجر أبي أو تم تهجيره من محافظته الساحلية على القنال بعد اندلاع الحرب واستخدام قناة السويس لهذا الغرض في أيام الحروب والنزاعات. هاجر من محافظته الساحرة وارتمي في أحضان القاهرة بضوضائها وأضوائها فدفع عنا فاتورة الغربة والاغتراب في محافظة تحمل ملامحها غواية لا يمكن نكرانها أو التنصل منها، هذا الإحساس النابت في قلوب مغتربين عن الديار والأهل تحمّله أبي وأمي وحدهما سددا عنا فواتير الألم دفعة واحدة. بيد أنهما مازالا في بلادهم، تشرق عليهم نفس الشمس وتظللهم ذات الظلال، لا يبعدون عن أهاليهم سوى بضعة كيلومترات معدودة تقربهم الجغرافيا ويجمعهم التاريخ.

وبعد أن هدأت الحرب ووضعت أوزارها وتلقينا الصفعات، مل أبي من الترحال. اختار القاهرة مرفأ لسفينته وظلت المدينة الساحلية تطارده ببهائها وغنجها ودلالها. ظلت كمعشوقة سرية -لها سحر غامض وغواية لا تقاوم- لرجل لا ينوي إقامة علاقات رسمية ولا عرفية.

تحمّل أبي عبء الصدمة الأولى، كان يخفي حنينه بكلمات واهنة مهددا أمي في أوقات الخصام والتشاجر “سأعود إلى بلدتي، حتما سأعود يوما ما” وهي تدعو الله ألا تجدد السفر والترحال من جديد، بعد أن ألفت مكانها وجيرانها الجدد. لكن الحقيقة أنه التصق بالقاهرة، لم يعد يقوى على فراقها، وهذا ما جعلنا بالتبعية له أقوى من أبناء أعمامي في التخلص من أزمة عقدة البعد، تلك التي حرمتهم فرصا كثيرة بالعاصمة.

ثمة شعور موحش متردد كان يرتع في فؤاد أبي، لكنه مازال ينطق نفس اللغة حتى اللهجة كانت قريبة. لكن الأمر ذاته لم يحدث لصديقتي التي قرر والدها الهرب من نيران الحرب في بلاد لا تهدأ فيها منطقة حتى تشتعل أخرى، سافر لأميركا.

صدمة الاغتراب عنده وعند أسرته كانت أشد وطأة وقسوة، لسانه لا يحمل من لغة تلك البلد غير القليل، بالكاد يفهم ما يرطنون به، مجرد كلمات وإشارات كالصم والبكم، يتعامل بالإشارة كونه لا يملك رفاهية اللغة التي أتقنها باحترافية عالية في ما بعد. قالت لي في إحدى زيارتهم الشحيحة لمصر: خيرا فعل أبي، رغم إحساس الغربة، إلا أنني سعيدة بخطوته الجريئة في عمري الباكر، كنت كمن يخاف مياه البحر، ويخشى الأمواج، تتملكه رعشة جسد خائف من برودة الماء، إلى أن ألقاني أبي في المياه غفلة، دفعني مرة واحدة، ولم يترك لي مجالا للتفكير أو الرفض، وهكذا أصبحت السباحة غوايتي، جواز سفري مرصع بأختام لبلاد وزيارات لم أكن أجرؤ عليها لولا فعلة أبي هذه، حتى بلادي الأم لا تحترمني لأنني ابنتها بل من أجل جنسيتي الجديدة، تحترم أوراقا وأختاما لجواز سفر بلون مختلف.

ثمة مشاعر لا يمكننا الإفصاح عنها، قد نعجز في شرح معانيها، نفشل في تحويلها إلى محسوسات، أشياء مرئية يسهل التعامل معها.

أظن أننا دائما نحتاج إلى من يدفع عنّا فاتورة ما. تحكي بعض الأساطير المهجورة وكتب التراث المنسية أن أمنا حواء حين نزلت من الجنة إلى الأرض مع أبينا آدم جلست على صخرة كبيرة وقالت له اذهب أنت، افعل ما شئت، سأنتظر هنا، أعتقد أن المرأة الأولى في العالم، تصرفت بغريزة عفوية لها من بكارة الإحساس ما يمحو عنها عار التقليد، فمن تقلد وهي أول البشر على الأرض؟

أراها بشعور إنساني رهيف، كانت تخشى الغربة والاغتراب، بيد أنها لم تفصح عن ضعفها الأنثوي، كانت تريد لآدم أن يدفع عنها فاتورة قسوتها، ثم تجني هي ثمار نجاح التجربة، أو تجلده إذا ما فشلت مساعيه.

21