من المنتصر ومن الخاسر في مقاطعة الصدر

السيناريوهات المتوقعة ليست كثيرة والرائج منها يحمل مفاجآت أمنية خطيرة على السلم الأهلي ولا بديل بيد المعتقدين بأنهم انتصروا في مخطط الاحتفاظ بالسلطة سوى جولات جديدة من خيار التصعيد الأمني.
الخميس 2022/06/23
الفرصة سانحة أمام الصدر

اختلفت آراء العراقيين كما هي طبيعتهم في قرار مقتدى الصدر الانسحاب من العملية السياسية في مناخ سياسي ملتبس. بعضهم وجد في القرار استنساخا لمواقف سابقة في ارتفاع موجات الاندماج في العملية السياسية ومنافع حكوماتها التي حكم عليها شعب العراق وثواره الشباب في وقت مبكر بالفاسدة والمرتهنة للخارج. ثم تكسرت تلك الموجات وانحسرت بخيبة أمل على حافات الخلجان الغامضة.

هناك من يفسر الموقف الأخير للصدر بالإيثار والتضحية وترك “الجمل بما حمل” للصوص يغرفون بحرية من الأموال التي تتدفق هذه الأيام كالشلال لدرجة أصابتهم بالدوار والشلل، حتى قيل إن بعض قادتهم المتلبسين بجنون النهب والاستبداد والخيانة العظمى للوطن، عبّروا عن فرحتهم بمغادرة الصدر للعملية السياسية واحتفلوا بذبح الخرفان على طريقة الفرح الشعبي العراقي.

الرأي الثالث يعتقد أن الصدر يحضر لجولة جديدة من معركته هو وأنصاره وقطاع واسع من شعب العراق، جولة ليس كما يشاع في اللجوء إلى السلاح الميليشياوي لجميع الأطراف، إنما بحل سياسي ضاغط.

ورغم ما قيل عن أن حلفاء الصدر (الأكراد والسنة) لم يفاجأوا بقرار الانسحاب لأنه أخبرهم بذلك، لكن هذا القرار تركهم بعد شوط جمود لثمانية أشهر تلت الانتخابات في حيرة بين خيارات للحفاظ على مكاسبهم من نتائج الفوز الانتخابي أهونها مُرّ، بعد أن قطعوا أكثر حبال الودّ صلابة مع الزعامات الشيعية الولائية التي لم تتردد في استخدام أقسى أدوات الحرب السياسية والاقتصادية والعسكرية، أحياناً، لفرض الإذعان.

فوجئت قيادة مسعود بارزاني بمضموم الإطاريين الولائيين من الأسلحة الخارقة للبنيان الكردي عبر المحكمة الاتحادية ذات الولاء السياسي غير المبرر لطرف دون آخر في تعطيل قانونية انسياب النفط والغاز بعد غض الطرف لاثني عشر عاماً، إلى جانب هجمات الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة (درون) على أربيل، التي كانت تتباهى بأمنها مقابل فوضى الوسط والجنوب. ضغطوا على الصدر باستغلال ماكر لعاطفته العائلية ودفعه إلى استصدار قانون برلماني بمنع التطبيع مع إسرائيل نكاية بالقيادة الكردية لتعزيز التعبئة الإيرانية بوجود الموساد في أربيل، مع أن واقع الحال يؤكد وجودها في قلب طهران.

الإدارة الأميركية غير مكترثة حالياً بالوضع العراقي في ظل فكرة أن "العراق ليس أولوية"، ووسط تساؤل: هل ستقبل واشنطن الهزيمة أمام طهران في ظل حكم الولائيين؟

استخدموا أدوات الميليشيات الولائية في مهاجمة مقر إقامة الزعيم السني الصاعد رئيس البرلمان محمد الحلبوسي بمدينته في الأنبار، إلى جانب اللعبة المتخلفة المكشوفة بتحضير قيادات سنيّة هامشية معروفة بتذبذب مواقفها وصغر حجم مكانتها الشعبية أو بضجيجها الإعلامي الانتهازي، لغرز شوكة في ظهره تجبره على الاستسلام وفك ارتباطه بمقتدى الصدر وبارزاني، لكن يبدو أن الحلبوسي قرأ مسار الأحداث المحلية والظروف الإقليمية والدولية ببراعة وذكاء فصمد بوجه العاصفة. لم يخضع لحد اللحظة للابتزاز الشيعي الولائي المحلي أو لمركزه في طهران.

تبخرت، بدقائق معدودة بعد الموقف الفردي للصدر، الآمال المتواضعة للجمهور العراقي الباحث عن أمنه المعيشي وتعطشه لمعاقبة من تسببوا في إفقاره وتجهيله؛ إحباط واسع لا أغلبية وطنية ولا حساب متوقعا لكبار الفاسدين أو لمن سلّم الموصل إلى داعش والمسؤول عن جريمة قتل شباب معسكر سبايكر في صلاح الدين. من ضاقت عليهم الدوائر تحولوا إلى صنّاع لحكومة قريبة متوقعة على ذات السياق سيء الصيّت في التوافقية المقبلة رغم ضبابية هذا السيناريو وتعقيداته الجانبية السياسية والأمنية.

دون التمسك بتراكم المواقف السابقة للصدر، معه أو ضده، ننظر إلى الحالة الصدرية الراهنة مبدئياً وسياسياً وارتباطها بتداعي الوضع العراقي بسبب آثار النفوذ الإيراني، ذلك أن معركة العراقيين وصراعهم مع المحتل الإيراني على أمل قيام عراق ذي سيادة في ظل مشروع التحالف الثلاثي. حصلت تداعيات جدّية خلال الشهور الأخيرة تشير لافتراق جدّي بين الصدر وطهران في ضوء معركته الأخيرة مع وكلائهم الأساسيين في بغداد، وانتقلت إلى الإعلام الإيراني الرسمي والعقائدي.

ولأول مرة شنّت صحف ووسائل إعلام إيرانية هجوما لاذعاً على موقف الصدر في الانسحاب، رغم غبطتها في ترك الساحة لوكلائها، ونشرت صحيفة “صبح نور” التابعة للتيار المحافظ في إيران تقريراً وصفت فيه الصدر بأنه “ضد الوحدة” (المقصود وحدة الشيعة)، مشككة في نواياه متسائلة “إلى أي مدى يمكن تصديق الاستقالة الكاملة لمقتدى الصدر من السلطتين التنفيذية والتشريعية؟”.

استندت الصحيفة في تقريرها إلى حوار مع ممثل المجلس الإسلامي الأعلى العراقي في طهران ماجد غماس الذي وصف التيار الصدري بأنه “مصاب بعقدة التعالي”، ويتصرف كجهة أعلى حتى من الحكومة، وشكّكت الصحيفة في نوايا الصدر واعتبرتها “لعبةً سياسيةً جديدةً لإزاحة الإطار التنسيقي من الساحة السياسية”.

ذات الصحيفة ألمحت في تقريرها إلى وجود “بصمات بريطانية استعمارية” في التحرُّكات الأخيرة للتيار الصدري. مناخ صدمة الاستقالات وتوقف تصريحات قادة التيار الصدري لم يمنعهم من توجيه رسائل الاستياء من تلك الحملة الإيرانية مما دفع ملحق السفارة الإيرانية ببغداد غلام رضا أباذري إلى التنصل الرسمي من تلك التصريحات في تعقيب له على تويتر بأن “الصحيفة لا تعبّر عن رأي إيران التي تحترم الشخصيات والبيوتات المجاهدة”.

هذه هي طرق نظام إيران باللف والدوران والمكر والمخادعة بالمواقف.

عراقيون كثر، على مواقع التواصل الاجتماعي، عقّبوا مستهزئين من الأكذوبة الإيرانية بوصف مقتدى الصدر بمُخرّب وحدة الشيعة، وتساءلوا: لماذا التدخل بالشأن الشيعي العراقي. لم يتدخل العراقيون الشيعة وبينهم أنصار التيار الصدري بالشأن الداخلي الإيراني، تاريخياً برز الخميني في قيادة العمل الحوزوي الشيعي قبل نصف قرن، وكان على خلاف عميق مع الكثير من المراجع الشيعية في النجف. الأهم من ذلك تساءلوا: ألا يمكن وصف انقلاب الخميني على نظام شاه إيران وهو شيعي إيراني بمخرّب وحدة شيعة إيران! نحن عراقيون لكم مرجعيتكم ولنا مرجعيتنا.

الملاحظة المهمة الأخرى تبدو شكلية متعلقة بشخصية مقتدى الصدر، لكنها أثرت على بنيان شخصيته السياسية ومواقفه التي تبدو مُتقلبة لكنها بالأساس ناتجة عن كونه الشيعي العراقي الوحيد الذي قاوم الاحتلال الأميركي فيما كان الآخرون، ممن أصبحوا قادة حكم الاحتلال، ينتظرون توزيع المكاسب المجانية عليهم من المحتلين لأنهم شيعة لا أكثر.

لدى الصدر فرصة تاريخية لمحاصرة خصومه سياسياً وإرغامهم على الإذعان عبر ذراعه الشعبية في بغداد، وفق سيناريو وخطوة لها بعد شعبي سلمي

قوى الإسلام السياسي الشيعي الولائي تتعجل الآن اغتنام الفرصة لتشكيل الحكومة، قبل حصول تداعيات تمنعها بعد نهاية شهر العطلة البرلمانية، لقطع الطريق أمام خطط مقتدى الصدر المفاجئة، وسط مقدمات تعبوية سياسية وإعلامية لإحكام السيطرة على السلطة ومنع احتمالات تجدد المظاهرات الشبابية، أبرزها تصعيد اللهجة الطائفية الموالية لطهران ضدّهم، وتلميحات بالهجوم المُبطّن على الصدر في تشويه وطنيتهم العراقية، حتى وإن كانوا من ذات الطائفة الشيعية، مع أن الخائن المتعاون مع الأجنبي المحتل هو محل التشكيك في وطنيته.

ليس من المفيد ولا الواقعي على مستوى التحليل أو المواقف الآن استعارة التحليلات التقليدية السابقة كالقول إن “الصدر هو جزء من المنظومة السياسية الشيعية الحاكمة”، أو احتمال الضغط عليه وإرغامه من قبل مرجعية النجف على الخضوع لمن راحوا يطلقون على أنفسهم اليوم “ولاة الشيعة”، أو عدم المراهنة على مواقفه حتى وإن صمد إلى النهاية.

في رأينا حصل تغيّر جدّي في تضاريس العملية السياسية بعد أن اخترق الصدر بمواقفه الأخيرة جدار الهيمنة الإيرانية في العراق، وهو المهم بالنسبة إلى العراقيين. إضافة إلى أن جمهوره الشعبي الواسع لا يستهان به ولا يقاس بجمهور الولائيين المنتفعين، وهو يقف إلى جانب ثورة أكتوبر الشبابية، القوة الثورية الحقيقية للتغيير.

بعض المراقبين العراقيين لا يتوقعون استعادة قوى الإطار الشيعي الحدود الدنيا مما فقدوه من تأثيرات الشعار الشيعي على الجمهور الناقم الثائر، لأن تلك القوى أصبحت في خندق الخارج الطامع بالعراق، كما أنها حتى وإن هيمنت على سلطة بغداد مجدداً في الأيام المقبلة، قد تضيف على غنائمها أرقاماً جديدة، لكنها تضيف معها ملفات جديدة من الخيانة لآمال الشعب العراقي ومن الفساد والاستبداد وتقترب أكثر من عتبة حافة الهاوية.

السيناريوهات المتوقعة ليست كثيرة، والرائج منها يحمل مفاجآت أمنية خطيرة على السلم الأهلي، فنزاع الشارع المسلح غير مقبول لأن فيه تضحيات بشرية عراقية غالية. لا بديل بيد المعتقدين بأنهم انتصروا في مخطط الاحتفاظ بالسلطة سوى جولات جديدة من  خيار التصعيد الأمني لاستلام السلطة مجدداً، خشية مفاجآت الصدر. هم يترددون من صدام مسلح معه، أو استحضار “صولة الفرسان” التي نفذها نوري المالكي عام 2008، ومن المرجح عودتهم إلى موجة توجيه بنادقهم إلى قوى الرفض الشعبي الشبابي السلمي، إذا ما تجددت التظاهرات، وقمعها بصورة أكثر دموية كما صرح في التلفزيون قبل أيام أحد الولائيين “سنمحوهم من الأرض وليس قمعهم”.

لدى الصدر فرصة تاريخية خلال الأيام المقبلة لمحاصرة خصومه سياسياً وإرغامهم على الإذعان عبر ذراعه الشعبية في بغداد، وقد يكون موقعها المنطقة الخضراء، مترافقاً مع الانتصار الانتخابي قبل إنجازهم تشكيل حكومة ولائية مقبلة، وفق سيناريو وخطوة لها بعد شعبي سلمي.

من المبكر الحديث عن منتصر وخاسر بين الفريقين الشيعيين الوطني والولائي. لا شك أن الجمهور العراقي سيكون هو المنتصر إذا ما تعطّل مشروع قيام حكومة الولائيين في العراق، لأنهم سيحكمون مجدداً بالحديد والنار.

سيخسر الشعب قبل التيار الصدري وزعيمه في حال وصول الطرف الآخر إلى السلطة، ومتوقع كذلك أن الولايات المتحدة ستخسر بقايا وجودها العسكري في العراق بعد احتمالات تداعيات الملف النووي.

الإدارة الأميركية غير مكترثة حالياً بالوضع العراقي في ظل فكرة أن “العراق ليس أولوية”، ووسط تساؤل: هل ستقبل واشنطن الهزيمة أمام طهران في العراق في ظل حكم الولائيين؟

قد يكون من المبكر الحديث عن سيناريوهات البديل الطبيعي الوطني لهذه التداعيات السيئة، فتلك أمور مرتبطة بتطورات جيوسياسية متوقعة في الأيام المقبلة تطال العراق والمنطقة.

9