منشآت تخصب المشهد الثقافي وأخرى تكتفي بأحجارها ودعايتها

البلدان التي اكتفت بإرثها الغابر وأدارت وجهها للثقافة تتراجع بشكل مرعب.
الخميس 2022/06/23
المنشآت الثقافية استثمار مستقبلي

الثقافة ليست وسيلة ترفيه فحسب، بل هي محورية في دعم التنمية وفي تحقيق الرقي الحضاري، لذا لا يمكن لأي شعب أن يحقق نهضته الحضارية المتكاملة بمعزل عن الثقافة بكل فروعها وأشكالها. إنها كما بات يسميها الكثيرون “القوة الناعمة” التي من خلالها يمكن توفير حياة أفضل للفرد والمجموعة، ولذا فإن الاستثمار في الثقافة هو في الحقيقة استثمار في الإنسان.

“كثرة دور العبادة تحث وتشجع على الصلاة” مثل فرنسي أصبح اليوم بمثابة القاعدة التي يستند إليها في مجالات عديدة بدءا من مرابع السهر وكازينوهات القمار، مرورا بالرياضة والتعليم، ووصولا إلى الفن والثقافة.

وتنسحب هذه الافتراضية التي أثبتت صحتها في شتى مجالات الفكر والثقافة من حيث مساهمة المنشآت والبنى التحتية المتعلقة بالثقافة في إقدام الجمهور العريض على التهام شتى أنواع النشاطات والعروض الفنية في حال توفر وتعدد الفضاءات التي تحتضن تلك الإنتاجات الثقافية.

صحيح أن العمل الإبداعي وثيق الصلة بالمواهب والقدرات الفردية التي قد تقترب وتبتعد من محيطها الاجتماعي، وبمعزل عن عمارة المكان، لكن تهيئة شروط الفرجة والاستماع والقراءة، وغيرها من طرق التواصل مع الأثر الثقافي، كفيلة بضمان غزارة الإنتاج وجودته.

ويضاف إلى هذا، تمكين المبدعين من اللقاء والتشاور والتدريب والتحضير لضمان تلاقح الأفكار، إذ لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال التعويل على نهضة ثقافية دون منشآت حاضنة تمثل البنى التحتية لتلك الإنجازات الإبداعية.

منشآت للثقافة والفن

تهيئة شروط الفرجة والاستماع والقراءة، وغيرها من طرق التواصل مع الأثر الثقافي كفيلة بضمان غزارة الإنتاج وجودته

ربما يقول قائل إننا نتحدث في البديهيات، إذا ما وقفنا على منشآت ثقافية ضخمة خلّدها التاريخ وأصبحت معالم سياحية ذات قيمة ثابتة في العالم الغربي مثل دور الأوبرا وكبريات المسارح وقاعات السينما، لكن الأمر هنا لا يتعلق بالجانب المتحفي للمنشآت الثقافية بل بمدى فاعليتها في الحاضر وانخراطها في صنع المنجز الثقافي.

وقد يتحفظ البعض عن مدى المراهنة على المنشآت وحدها لصنع حراك ثقافي، وذلك تحت ذريعة أن الكثير من هذه المنجزات لا تخلو من دعاية سياسية وبروباغندا أيديولوجية على غرار ما أنجز في فترة الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية.

هذا صحيح ومعروف للعيان منذ حكم الفراعنة والبابليين والآشوريين، وحتى العرب الذين لم ينصبوا الخيام في سوق عكاظ في سبيل قرض الشعر ونقده والاستماع إليه وحده، ولكن على المثقفين أن يتعاملوا بنوع من البراغماتية الحميدة مع هذه المنشآت الثقافية والعمل على توجيهها نحو الأفضل.

دول عربية كثيرة حكمتها سلطات عسكرية وأنظمة شمولية في سبعينات القرن الماضي مثل العراق وسوريا وليبيا والجزائر، وعرفت بناء منشآت ثقافية على سبيل الدعاية السياسية، لكن ما زاد الطين بلّة لديها هو توظيف تلك المنشآت في سياقات لا تخدم فقط الثقافة بل تعاديها وتساهم في إقصاء المبدعين الحقيقيين لتكرّس ثقافة الجهل والتسطيح.

أما إذا توفرت النوايا الحسنة في تطوير الفنون والثقافة لدى جهات الإشراف وأصحاب القرار السياسي، فإن السؤال الأكثر وجاهة هو: ما حيلتنا مع هذه المنشآت الثقافية الوازنة، وكيف السبيل للاستفادة منها بدل أن نتركها للصدأ والتصدع والتآكل؟

الجواب الذي لا بديل عنه هو الحوكمة الرشيدة، ووضع الرجل (أو المرأة) المناسب (ة) في المكان المناسب، آخذين في الاعتبار أن الفن والثقافة ليسا فقط فنانين ومثقفين بل هما مشرفون وتقنيون وموظفون يتولون مهمة الحفاظ على تلك المنجزات من الدخلاء والمتطفلين.

المسألة إذن، تتعلق بذاك التوافق بين القرار السياسي وصدقية المسؤولين عن تلك المنشآت الثقافية ونزاهتهم من منطلق تضافر الجهود والالتزام باستراتيجية ثقافية تستثمر في الإنسان على المدى البعيد.

لنأخذ المملكة العربية السعودية كنموذج لدولة خصصت إمكانيات هائلة لإقامة مشروعها الثقافي الضخم ضمن خطة 2030، وأنجزت منشآت ثقافية ضخمة في وقت قياسي، وما زالت “الأيدي في الطين” كما يقال، أي أن ما تم إنجازه من عروض ونشاطات مذهلة يمثل جزء صغيرا مما ننتظره.

الاستثمار في الثقافة

Thumbnail

أدركت السياسة الثقافية في المملكة أن العقود الماضية لم تول الثقافة حقها كما ينبغي، واستشعرت ما يمكن أن ينجر عن ذلك على مستوى الفرد والمجتمع، فاستدركت الموضوع في خطوة جبارة أدهشت العالم، وتبشر بقطب ثقافي وفني فاعل على مستوى العالم بأسره.

من كان يظن أن السينما في المملكة سوف تمشي على السجاد الأحمر في أرقى مهرجانات العالم، وفي فترة وجيزة.

ومن كان يتوقع أن تنظم وزارة الثقافة مهرجان الأوبرا الدولي الذي أقيم على مسرح أبوبكر سالم في منطقة رياض بوليفارد سيتي، ويتضمن معرضا خاصا للأوبرا يحتوي على الفن الكلاسيكي والمقتنيات المرتبطة به مثل الأزياء وتاريخ الأوبرا بآلاته الموسيقية، مع وجود شاشات تفاعلية تسمح للزوار بمعرفة الأعمال الأوبرالية والمؤدين والممثلين حول العالم.

يقف خلف هذا الإنجاز الذي أبهر العالم بالفعل، وجعل المنطقة وجهة سياحية أيضا صندوق الدعم الثقافي في المملكة الذي تحتضنه وزارة الثقافة وجعلته يوفر الدعم المادي واللوجستي لكل المشاريع المقترحة.

تلخص هذه التجربة الناجحة فكرة أن يقع الاستثمار في الأموال والثروات من أجل ثقافة تستثمر في الإنسان كهدف مطلق وعلى مدى الأجيال القادمة كأنبل ما يمكن أن تنتهجه السياسات الثقافية.

أما البلدان التي اكتفت بإرثها الغابر وأدارت وجهها للثقافة والاستثمار فيها فها هي اليوم تتراجع بشكل مرعب، ولم يبق من معالمها الثقافية سوى الأطلال كما هو الحال بالنسبة إلى العراق وسوريا، إذ لا يكاد يبقى من مآثر بغداد الثقافية سوى شارع المتنبي.. وهو أمر محزن إلى حد الوجع.

يثبت ما سبق ذكره أن البنى التحتية الهائلة في الفن والثقافة، من شأنها أن تصنع إنجازات تقارب الحلم، وتختصر الزمن لتدارك ما تمت خسارته إذا ما توفرت الإرادة الحرة والنوايا الطيبة.

نعم، يمكن لدور الثقافة أن تصنع مثقفين وجمهورا من الذواقين لأن الإنسان بطبعه فضولي وتواق للاكتشاف والاطلاع.. ومن يمر كل صباح بمبنى دار الأوبرا فلا بد له أن يزوره يوما ولو على سبيل حب الاطلاع.

13