منازل الأمازيغ تعكس مفهوم الشرف

المعمار ليس مجرد بناء إنه رؤية فلسفية وجمالية تكشف خصائص الشعوب وثقافاتها.
الجمعة 2019/10/04
الفن التشكيلي يتأثر بالمعمار ويؤثّر فيه

لا شيء من حياة الإنسان يخرج عن دائرة الثقافة في مجالها الموسع، الأكل، المشرب، العلاقات، الطرقات، البناءات والمدن، كلها تنبع من ثقافة الشعوب التي تنشئها، هي ثقافة يتداخل فيها الديني والأخلاقي مع العادات المتوارثة منذ القديم، وهكذا، فمثلا إن البيوت ليست منشآت تنشد الجمال فحسب، بل هي أيضا ثقافة متجذرة.

وأنا في الطابق الأرضي بمكتبة فويلز الشهيرة، الواقعة في قلب مدينة لندن، لفتت انتباهي رفوف كثيرة منسقة تنسيقا جيدا، قد خصصت للمؤلفات المكرسة للدراسات المعمارية النظرية والتطبيقية، وحينما قمت بمسح كامل لعناوين تلك الكتب توقفت عند سلسلة تديرها دار النشر الأكاديمية البريطانية الكبرى “روتليج”، وكانت هذه السلسلة تحمل عنوان “مفكرون للمعماريين”.

ثم لاحظت أنها تتميز بخاصيتين اثنتين وهما: أولا، إسناد الإشراف عليها إلى نخبة من أساتذة متخصصين في تدريس ونقد المعمار والبحث في شؤونه المختلفة، وثانيا، تكليف مهندسي ونقاد المعمار من ذوي الاختصاص والشهرة الأكاديمية والعلمية والفنية بمهمة إنجاز تلك المؤلفات.

المعمار والفكر                        

 لقد تبين لي أن تلك الكتب تتناول بالتحليل والعرض والنقد الجوانب المعمارية في أعمال فلاسفة ومفكرين ونقاد كبار أمثال دولوز، وغتّاري، وهيدغر، وإريغيري، وهمي بابا، ودريدا، وغدامير، وفوكو، وبيير بورديو، كما أدركت بعد قراءة نصّ بيان هذه السلسة عن أهداف وبرنامج مشروع “مفكرون للمعماريين” أن اللجنة المشرفة عليها سوف تكلف عددا كبيرا من أساتذة المعمار والتصميم لإنجاز كتب أخرى مبرمجة، وبذلك يوسعون فضاء الدراسة ليشمل أبرز الفلاسفة والمفكرين والنقاد في الغرب قديما وحديثا وراهنا.

في هذا السياق تساءلت مع نفسي “ما علاقة الفلاسفة ونقاد الثقافة والأدب الكبار بالمعمار سواء تعلق الأمر ببناء العمارات، أو البيوت المنفردة، أو المحلات، والمسابح والملاعب أو اتصل بتصميم الطائرات، والبواخر، والصواريخ، وهلمّ جرا؟ ثمّ كيف يمكن للدارس أن يستخرج، مثلا، العناصر المعمارية من فكر أفلاطون، وأرسطو، وجورج فيلهلم وهيجل أو هنري لوفيفر أو جاك دريدا، أو فرانز فانون، إلخ.؟

في تلك اللحظات شعرت بالحسرة تجتاحني جراء غياب مثل هذا التوجه النقدي الأكاديمي الرائع في مؤسساتنا التعليمية بمختلف مستوياتها وكذلك لدى المسؤولين على دور النشر الخاصة أو العمومية في المنطقة المغاربية أو في الشرق الأوسط.إنه بسبب إهمال تدريس المعمار وفق أحدث المناهج وأكثرها قدرة على الكشف عن تأثير الفضاء على بناء الشخصية الفردية والجماعية، وعلى تشكيل النفسية لدى الأجيال قد تحوّلت مدننا وقرانا وما يسمى بفضاءات المجال العمومي إلى مصادر تفرّخ مختلف أشكال العنف المادي والرمزي والسلوك التخريبي وبؤس الكآبة.

العمارة لها علاقة بتكوين الذوات (لوحة للفنانة ريم ياسوف)
العمارة لها علاقة بتكوين الذوات (لوحة للفنانة ريم ياسوف)

ولا شك أن الانتباه إلى الدور الحاسم الذي يلعبه المعمار وتصميم البيئة في التأسيس للهوية الحضارية، أو في هدمها هو الذي دفع، منذ سنين طويلة، بمفكرين كبار من طراز غاستون باشلار إلى تطوير النقاش حول ما يسمى بفقه جماليات المكان في الشعر بشكل خاص في كتابه جماليات المكان، وهو العامل الذي حفز أيضا شخصية فكرية محورية في تاريخ فرنسا الثقافي المعاصر وهو فرنان بروديل الذي قام بعمل فكري جليل في كتابه الموسوعي “هويّة فرنسا” الذي ما فتئ يؤثر بقوة في مسارات الدراسات الحضارية والثقافية التي ترصد بالتحليل النقدي الأثر المتبادل بين الفضاء الجغرافي من جهة وبين والتاريخ وتكوين الشخصية الوطنية من جهة أخرى.

في الحقيقة إن الجامعات الأوروبية/ الغربية لم تبق تدور في أفق علم الاجتماع الكلاسيكي بل طورت دراسات العلاقة السلبية والإيجابية بين المكان وبين التاريخ الفردي والاجتماعي والسياسي حيث تمكنت، خاصة، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، من إضافة بعد أساسي ومهم جدا آخر وهو التحليل النفسي من أجل سبر، ما يدعوه الطبيب النفسي كوزيمو شينايا “كيف يقوّي ويزيد التحليل النفسي والمعمار حظوظ الاحتواء العقلي”، ويعني بذلك احتواء المشكلات النفسية تحديدا التي يعاني منها الإنسان أو يتسبب فيها انعدام ما يدعوه المحلل النفسي البريطاني بالفضاء الممكن الذي يوفر البيئة التي يزدهر فيها مناخ الإبداع.

لا شك أن تدخل التحليل النفسي لسبر ما يترتب عن المكان العازل والمعزول وعن كدمات المنفى والمعتقلات، وغبن مواقع التهميش الاجتماعي، مثلما هو الأمر في نموذج ضواحي باريس التي يحشر فيها المهاجرون، قد ساعد ولا يزال يساعد على علاج الرجات المختلفة التي تنشأ وتحطم بنية الشخصية وتشوه كيانها وتحرف سلوكها كما قدم وجهات نظر إيجابية بموجبها يمكن تعميم الحريات والعدالة والمساواة وبناء الثقافة الديمقراطية على أسس صحيحة.

مسرح الذكورة

لكي نتأكد من أهمية دراسة الفضاء كمكون للسلوك والقيم الذاتية الفردية وللشخصية الاجتماعية في تجارب أخرى فإنه ينبغي علينا أن نتأمل بسرعة جزءا صغيرا من عيّنات التجربة التي تميزت بالإنتاج الفكري الذي وظف مخطط الفضاء الجغرافي فيعمليات اختراع قالب توضع فيه شخصية الفرد وشخصية المجتمع لضمان فهمهما أولا، ومن ثم التعامل معهما ثانيا، على نحو ينتج علاقات الهيمنة لصالح المستعمر كما حدث، مثلا، في التجربة الكولونيالية الفرنسية بالجزائر.

 في السنوات التي مهدت فيها فرنسا لاحتلال الجزائر قامت بتفعيل عدة مراكز بحث وكثفت نشاطها البحثي في مجال دراسة الجغرافيا الجزائرية وخصائص الذهنية السائدة في المجتمع الجزائري، كما واصلت هذا العمل بعد الاحتلال حيث كلفت عددا من المثقفين الفرنسيين البارزين منهم هانوتو على سبيل المثال فقط، وبعد ذلك بفترة زمنية طويلة إلى حد ما سخّر كل من بيير بورديو جهوده للكشف عن العناصر المشكلة للأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية واللغوية للشخصية الجزائرية في منطقة القبائل الكبرى والصغرى خاصة بما في ذلك عنصر المعمار وعلاقته بنفسية الجزائري، فضلا عن علاقة الذكر بالأنثى وكذلك تقسيم الفضاء والمهام بينهما، وزيادة على ذلك فقد حلل بورديو أساليب تعامل كل منهما مع الزمان والإنتاج الفلاحي والزراعي وهلمّ جرا.

بنية الفضاء ليست مجرد تشكيلات خارجية وداخلية محايدة بل هي بنية ذات صلة عضوية بإنتاج الرأسمال الثقافي

من الواضح أن العمل الفكري الأنثروبولوجي والإثنوغرافي الذي أنجزه بورديو يتمحور أساسا حول شقين مهمين، وكلاهما مرتبطان بالجغرافيا والمكان باعتبارهما مكونين ومحددين أيضا للشخصية الفردية ولشخصية المجتمع ككل في المجتمع الذي أخضعه للدراسة. في هذا السياق وجدنا بورديو يرصد العلاقة المتبادلة بين معمار المنزل الأمازيغي وبين خصوصية مفهوم وقيم الشرف عند الإنسان الجزائري الأمازيغي (البربري).

وفي هذا الخصوص بالضبط، نجده قد درس في مقاله المهم ذي الشهرة العالمية في حقل الدراسات المعمارية الإثنية وهو “المنزل القبائلي أو العالم معكوسا” وفي كتابه “مختصر نظرية الممارسة”، الطقوس والأعراف والسلوك وشخصية المجتمع الأمازيغي في منطقة القبائل. ففي دراساته هذه وغيرها أبرز بورديو أنّ قواعد تصميم المنزل الأمازيغي بمنطقة القبائل، الذي كان يراعى فيه بالضرورة تخصيص أماكن جلوس معينة للذكور وأخرى للإناث، وباب خاص للضيف الذكر، تعتبر بحق جزءا من القواعد التي ينظر إليها المجتمع التقليدي أنها تصون الشرف وتنتج معنى ذلك الشرف في آن واحد.

وهكذا ندرك أن بنية الفضاء ليست مجرد تشكيلات خارجية وداخلية محايدة أو مجرد تزيين جمالي، بل إنها بنية ذات صلة عضوية بإنتاج الرأسمال الثقافي، وبتكريس آليات تثبيت قيم الشرف حسب وجهة نظر بورديو. على هذا الأساس فإنه يمكن لنا أن نفهم أن الفضاء المعماري له دور حاسم في إنتاج المعنى والقيم والهوية الفردية والاجتماعية وكذلك هذا النمط أو ذاك النمط من العلاقة بين الناس.

15