ممدوح قشلان رسام عاطفة عصية على النسيان

آخر الآباء المؤسسين للحداثة الفنية في سوريا يرحل تاركا مئة معرض حصيلة حوالي سبعين سنة من العطاء الفني.
الأحد 2022/09/18
المشتت بين دمشق والأمومة

بوفاة الرسام والأكاديمي ممدوح قشلان يكون الفن التشكيلي السوري قد فقد آخر فرد من جيل الآباء المؤسسين للحداثة الفنية في سوريا. مئة معرض هي حصيلة حوالي سبعين سنة من العطاء الفني إضافة إلى أنه قضى الجزء الأكبر من حياته في تدريس الفن في إطار عمله التربوي.

رسم دمشق، المدينة التي أحبها وعاش فيها فكانت رسومه عبارة عن نزهة مرحة بين شوارعها وحاراتها وحدائقها وآثارها من غير أن ينسى ناسها.

أغنته دمشق بالموضوعات والأفكار وكانت تتحداه مثل لغز بجمالها الذي يعيد من خلاله اكتشاف قدرته على استخراج الشيء الخفي من موهبته وقدرته على اختراق ما يراه وصولا إلى عاطفته التي تصل به إلى المناطق التي يتجلى فيها سحر المكان.

رسم مئات من اللوحة عن الأمومة. ومن غير ذلك الموضوع لا تكتمل علاقته بدمشق التي هي بصورة أو بأخرى بمثابة أم. يقول قشلان "تجذبني دمشق بكل أحيائها القديمة، فتزيدني هياما في رسمها عن الواقع أولا ثم صياغتها لونيا بأسلوبي ورؤيتي. أحدد أبعادها وأشكالها بألوان متناقضة، لكنها مدروسة ومهيأة لتكون مجموعة لونية منفردة تأخذ المتأمل في نزهة بصرية إلى عالم الألوان والإشراق بكل درجاته ومشتقاته. وهو ما يبدو واضحا مثلا في لوحتي ساحة 'باب الجابية' وبانوراما منطقة 'باب توما' وغيرها من الأعمال".

سبقته عاطفته إلى المكان

◙ الفنان الراحل لا يرسم مواضيعه بطريقة محايدة. إنه ينقب في ذاكرته عن الجذور العاطفية للموضوعات
◙ الفنان الراحل لا يرسم مواضيعه بطريقة محايدة. إنه ينقب في ذاكرته عن الجذور العاطفية للموضوعات 

رسمُ المدينة بالنسبة إلى قشلان، وهو رسام تجريبي، لم يقتصر على محاولة نقل تفاصيل المشاهد المرئية بل يتجاوز تلك المحاولة إلى البحث في الأسلوب عن إمكانية إعادة صياغة الصورة بما يتناسب مع طريقة حديثة للتفكير في الفن باعتباره معادلا للواقع لا تابعا له.

الفن يعيد خلق المدينة مثلما تستفز المدينة مواقع قوته.

حينها يكون علينا أن نفكر في قدرة الرسام على أن يرسم المكان عينه عشرات المرات كما فعل الانطباعيون الفرنسيون مع المشاهد الطبيعية. في كل لوحة هناك طريقة في النظر تتبع فكرة راودت الرسام وعبثت بمخيلته. سيكون المكان خياليا. وهو ما فعله قشلان بدمشق تماما.

رسمُ المدينة بالنسبة إلى قشلان، وهو رسام تجريبي، لم يقتصر على محاولة نقل تفاصيل المشاهد المرئية

لم يكن الرسام في حاجة إلى أن يذيل لوحاته بأفكاره. أولا لأنه لا يقف على الهامش الذي يرسمه فهو يقيم في أعماق ذلك المشهد، وثانيا لأن اللوحة تكتفي بذاتها، انتهت ووقعها الرسام لتواجه مصيرها من غير أن يؤكد أحد أن رؤية الرسام للمشهد المرسوم قد انتهت.

رسم قشلان دمشقه بالطريقة التي أحب. فهي تاريخ عاطفته الشخصية التي يود أن ينسج من حريرها مواقع ترفه البصري.

ولد في دمشق عام 1929. تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة، قسم الرسم بروما عام 1957 ثم أكمل دراسة فن الحفر الطباعي فيها أيضا. عمل مدرسا للتربية الفنية ثم مفتشا في وزارة التربية إلى تقاعده.

كان أستاذ شرف في جامعة نورمانا بروما، وساهم في تأسيس نقابة الفنون الجميلة بدمشق واُنتخب رئيسا لها عدة مرات. عام 1958 أقام قشلان أول معارضه الشخصية وذلك في المتحف الوطني بدمشق إلى أن وصل عدد معارضه إلى حوالي المئة.

ألّف عددا من الكتب في تاريخ الفن ونقده منها "محمود جلال"، "لؤي كيالي"، "نصف قرن من الإبداع الفني" و"رسالة لونية من الشرق إلى الغرب". في سنواته الأخيرة أقيمت له معارض استعادية تعرفت من خلالها الأجيال الفنية الجديدة على جزء من تراث الحداثة الفنية في سوريا.

الفنان الذي يكتشف الأشياء

قشلان رسم دمشق بكل أجوائها الاجتماعية وطقوسها الاحتفالية ناهيك عن أنساقها المعمارية
قشلان رسم دمشق بكل أجوائها الاجتماعية وطقوسها الاحتفالية ناهيك عن أنساقها المعمارية

رسم قشلان دمشق بكل أجوائها الاجتماعية وطقوسها الاحتفالية ناهيك عن أنساقها المعمارية التي تعود إلى عصور مختلفة وبالأخص "حي القنوات"، وهو يسمّي دمشق "معشوقتي"، أما الآخرون فإنهم يجدون أنه يرسم دمشق كمَن يكتب قصيدة.

لا يرسم قشلان مواضيعه ومنها دمشق بطريقة محايدة. إنه ينقب في ذاكرته عن الجذور العاطفية للموضوعات التي يرسمها في ذاكرته. لذلك احتل موضوع الأمومة الصدارة بحيث نافست الأمومة دمشق التي هي أمه الثانية أما أمه الأولى التي فقدها وهو صغير فقد كانت المفتاح لأكثر من 300 لوحة كانت مسرحا للأمهات.

◙ ملامح الأشخاص الذين يرسمهم مهمة بقدر ما هو مهم الإيحاء الذي يمارسونه. فلم يكونوا مقصودين لذاتهم بقدر ما كانت حركتهم هي التي تشكل إيقاع اللوحة

يقول "أمي هي مصدر إلهامي الأول والأخير"، ويضيف "صورتها المطبوعة في ذاكرتي تركت فراغا روحيا لدي ومنحتني طاقة تعبيرية متجددة". وبالرغم من أنه رسم ذلك العدد الهائل من اللوحات التي تحتفي بالأمومة، فإنه يشعر أنه لم يصل إلى مرحلة الإشباع.

بالرغم من أنه رسم موضوعات تقليدية، فإن أسلوبه في الرسم لم يكن واقعيا. لم يرسم ليصف ما رآه. الرسم بالنسبة إليه وسيلة للوصول إلى عاطفته بكل ما يتحرك فيها من مناطق روحية وحسية. لذلك جرّب أن يلامس تلك المناطق بأساليب حديثة استفاد من خلالها من تأثره بفنانين عالميين عديدين ليصل إلى أسلوبه الشخصي الذي يعتمد على تبسيط الخطوط بحيث يغلب التعبير على التشخيص.

بالنسبة إليه لم تكن ملامح الأشخاص الذين يرسمهم مهمة بقدر ما هو مهم الإيحاء الذي يمارسونه. فلم يكونوا مقصودين لذاتهم بقدر ما كانت حركتهم هي التي تشكل إيقاع اللوحة. تلك الموسيقى التي تترك أثرها البصري قويا بعد أن يكون الرسام قد أنهى عمله. حين رسم دراويشه كان قد أفصح عن غايته الجمالية. وهي غاية تقع بعيدا عن الموضوع المباشر.

آخر الشهادات

◙ قشلان كان يفاجئ مشاهدي أعماله بأنهم لم يروا من قبل تلك المشاهد المدينية والشخصيات التي صورها
◙ قشلان كان يفاجئ مشاهدي أعماله بأنهم لم يروا من قبل تلك المشاهد المدينية والشخصيات التي صورها

رسام مدينة ورسام شخصيات كان قشلان غير أنه في الحالين كان يفاجئ مشاهدي أعماله بأنهم لم يروا من قبل تلك المشاهد المدينية والشخصيات التي صورها بالرغم من أنهم كانوا يمرون بها يوميا وهي جزء من حياتهم الشخصية. الفنان هنا يعيد تعريف المرئيات بحيث تبدو كما لو أنها قادمة من مخيلته. لا يحتاج الفنان إلى أن يقول "لقد اخترعتها" فهو لم يخترعها ولكنه اكتشفها بطريقته الخاصة.

قشلان هو ابن جيل مضى. كان مؤسسا حقيقيا لطريقة حديثة في النظر إلى الفن ومن خلاله. ربما لن تتاح لدمشق فرصة أن تنعم بعينين ويد مثل عينيه ويده. ذلك لأن كل شيء تغيّر. تغيّر مزاج الرسامين الذين صاروا يمرون بحارات المدينة الجميلة من غير أن تترك تأثيرا عمقا في ذاكرتهم البصرية.

الرسم تغير بعد أن تغير العالم ويمكن أن تكون رسوم ممدوح قشلان هي آخر الشهادات الفنية التي نقبت في هواء المدينة بحثا عن لغزها الجمالي. تلك هي دمشق التي رسمها قشلان ونسج أفكاره من حرير جمالها. لقد وهبنا قشلان رسوما هي أشبه بهبات الياسمين التي لا يمكن القبض عليها.

 

9