مقتدى الصدر يفشل في احتكار الشارع وضبط حركة الاحتجاجات

زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر يفشل في احتواء غضب الشارع حيث يعتبره المنتفضون جزءا من النظام القائم الذي احتجّوا على فساده.
الاثنين 2020/11/30
شوارع العراق ليست جميعها ممهدة أمام أتباع الصدر

التظاهرات التي نظمّها التيار التابع لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لم تحقّق اكتساح الشارع الذي سعى إليه، ولا فتحت أمامه طريق الوصول إلى سدّة حكم البلد مثلما أراد، بقدر ما كرّست انفصال جزء مهم من الشارع عنه وأوقدت شرارة الغضب الشعبي ضدّ تذبذبه وتناقضاته، وانخراطه في قمع المحتجين الذين يخالفونه الرأي ولا يريدون الانصياع لرغباته.

الناصرية (العراق)- تحوّلت التظاهرات التي أرادها رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر أن تكون بمثابة “استفتاء شعبي” سابق للانتخابات العامة القادمة على أحقية تياره بتشكيل الحكومة التي ستنبثق عن تلك الانتخابات بحسب ما صرّح به الصدر نفسه، إلى دعاية سلبية ضدّه كرّست ابتعاد جزء كبير من الشارع الشيعي عنه، وصولا إلى بوادر تصدّع التيار الصدري بإعلان مجموعة من المنتمين إليه الانشقاق عنه وتأكيدهم أنّ التيار لم يعد يمثّلهم وأنّه لا يلبّي توقهم للإصلاح بعد تورّطه في إسالة دماء المتظاهرين غير المنتمين إليه في مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار بجنوب العراق.

وخرج أنصار الصدر الجمعة الماضية في تظاهرات حاشدة تأييدا لقرار زعيمهم التراجع عن قرار سابق له بعدم المشاركة في الانتخابات النيابية المبكرة المقرّرة لصيف العام القادم، وذلك بحجّة رغبته في الحصول على فرصة لإصلاح الأوضاع العراقية السيّئة من خلال تولّي تياره قيادة الحكومة القادمة، لكنّ الصدريين لم يستسيغوا حضور متظاهرين آخرين غير منتمين لهم في مدينة الناصرية أحد أكبر مراكز انتفاضة أكتوبر التي انطلقت خريف سنة 2019 وأفضت إلى سقوط حكومة عادل عبدالمهدي وإقرار إجراء انتخابات نيابية سابقة لأونها بهدف إعادة تشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وانخرط أنصار الصدر في أعمال عنف ضدّ معتصمين بساحة الحبوبي في الناصرية ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن سبعة أشخاص وجرح ثمانين آخرين سقط بعضهم بالرصاص، الأمر الذي خلّف موجة غضب عارمة ضدّ مقتدى الصدر امتدّت إلى داخل تياره.

وتداول نشطاء عراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي وثيقة منسوبة لحركة تدعى “أنصار الصدر الإصلاحية” (المقصود هنا والد مقتدى) تتهم الأخير بـ”التناقض والازدواجية والمخالفة الواضحة لنهج محمد الصدر، والسعي للمغانم والصفقات التي غلفت بعنوان الإصلاح”. وأعلنت الحركة انسحابها من إمرة مقتدى الصدر وعدم الالتزام بما يصدره بسبب اقتحام منتسبي سرايا السلام، الميليشيا الصدرية المسلّحة، لساحة الحبوبي وقتلهم المتظاهرين بدم بارد، وبسبب التحريض العلني على صفحة تويتر التابعة لزعيم التيار الصدري والتي تحمل اسما مستعارا هو صالح محمد العراقي، ضد المتظاهرين “دون أي ذنب سوى انزعاج مقتدى من هتافاتهم” بحسب بيان الحركة المنشقّة.

التظاهرات التي نظمّها التيار التابع لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لم تحقّق اكتساح الشارع الذي سعى إليه
التظاهرات التي نظمّها التيار التابع لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لم تحقّق اكتساح الشارع الذي سعى إليه

وفي وثيقة انشقاق ثانية عن تيار الصدر أعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم “تجمع أبناء المولى المقدس (محمد الصدر) في محافظات ميسان والناصرية والبصرة وبغداد “تجنب كل ما يصدر من الابن (مقتدى)” وعدم الالتزام بـ”الطاعة له من الآن”.

ووجّهت المجموعة ذاتها نقدها لزعيم التيار الصدري قائلة عنه إنّ تخبطاته كثرت وتعددت هفواته وازدادت مخالفاته، في إشارة إلى قَسَمه على عدم المشاركة في الانتخابات وعودته لاحقا عن قراره والتبرّؤ من ذلك القَسم. غير أنّ التيار الصدري أنكر على لسان ناطق باسمه وجود تلك المجموعات المنشقّة عنه قائلا إن بيانتها مزيّفة وتدخل ضمن سياق الحرب النفسية ضدّ التيار.

ويفسّر مطّلعون على الشأن العراقي نقمة مقتدى الصدر على المشاركين في انتفاضة أكتوبر أنّ المنتفضين شملوه بغضبهم باعتباره جزءا من النظام القائم الذي احتجّوا على فساده المستشري وفشله الذريع في إدارة شؤون الدولة ومواردها.

وكثيرا ما حاول زعيم التيار الصدري تسويق نفسه باعتباره استثناء عن مختلف القادة والزعماء السياسيين الذي قادوا العراق منذ سنة 2003 مصوّرا نفسه زعيما إصلاحيا وهو ما يعتبره الكثير من العراقيين متناقضا مع مشاركته في السلطة عبر وزراء وإداريين تابعين له، فضلا عن كونه دافع عن النظام أثناء الانتفاضة الأخيرة وحاول إنهاءها عبر اختراقها بادئ الأمر ثم باستخدام ميليشيا القبعات الزرقاء التي أنشأها للغرض وتورّطت في أعمال عنف ضد المحتجّين.

ومن المفارقات أن الصدر حاول في التظاهرات الأخيرة التي نظّمها أنصاره احتكار الشارع لكنّه فشل في ذلك ولم ينجح في تغييب التيار الشعبي القوي المناهض له والذي حضر في الناصرية عبر تمزيق صوره ورفع شعارات قوية ضدّه من بينها “لا إله إلا الله، مقتدى عدو الله”.

ومن النتائج العكسية التي أفضت إليها تظاهرات الجمعة، أنّها أثبتت مجدّدا لمقتدى الصدر عدم قدرته على التحكّم في حركة الشارع، وهي ميزة كثيرا ما ادّعى امتلاكه لها وجعلها وسيلة لمساومة خصومه ومنافسيه عندما كانت تتصاعد المظاهرات والاحتجاجات وتشكّل تهديدا للنظام الذي يقوده هؤلاء المنافسون والخصوم ويجدون لهم مصلحة كبرى في الحفاظ عليه وحمايته من غضب الشارع.

مجموعتان من أتباع التيار الصدري تنتقدان عنفه ضد المحتجين وتذبذب مواقف زعيمه وتعلنان انشقاقهما عنه والخروج عن طاعته

ودعا الصدر متظاهري ومعتصمي مدينة الناصرية إلى إنهاء احتجاجاتهم لكنّ هؤلاء تحدّوه بعد موجة القمع التي طالتهم من قبل أتباعه وعناصره المسلّحة وعادوا إلى الشارع مجدّدا رافعين شعاراتهم المناوئة له.

ويجد الخصوم السياسيون لمقتدى الصدر من داخل عائلة الأحزاب والتيارات الشيعية التي ينتمي إليها في اشتباكه مع الشارع فرصة للهجوم عليه ومحاولة إقصائه. ورفض ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي ما سماه “صدامات سياسية ومجتمعية”، داعيا حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لممارسة مسؤولياتها.

وكان الصدر قد مارس ضغوطا كبيرة على العبادي أثناء توليه قيادة الحكومة بين سنتي 2014 و2018 حيث انضمّ إلى المظاهرات الكبيرة التي خرجت ضدّ حكومته وشارك أنصارُه في عملية اقتحام المنطقة الخضراء في أفريل 2016 وصولا إلى مقرّ مجلس النواب (البرلمان) والعبث بمحتوياته، حيث دأب الصدر على ممارسة لعبة مزدوجة تتمثّل في مشاركته في الحكومات والقيام بدور المعارض لها في نفس الوقت وذلك في محاولة للتنصّل من المسؤولية عن فشلها وفسادها حفاظا على القدر الذي يمتلكه من رصيد جماهيري آخذ في التآكل باستمرار.

3