مغبة السّهو عن الطريق

كانت مغبّة السهو عن الطريق، أن ضاع موعدي ضياعا لا أسف عليه، قياسا على مرارة ساعات الاستدراك المضنية بحثا عن مخارج أخرى.
الأحد 2019/04/14
شوارع القاهرة المزدحمة

سهوت ولم أهبط من المخرج المناسب، نزولا من “كوبري 6 أكتوبر” إلى وسط القاهرة، لكي أصل إلى نقابة الصحافيين حيث يكون موعدي. معنى ذلك أنني سأظل على الجسر، حتى أصل إلى المخرج التالي، على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات من الحركة شديدة البطء. هناك، سأكون قبالة محطة قطارات “رمسيس”؛ وبعد مسافة أخرى، سيصبح أمرنا بين يدي العليم الخبير. فمن يُضيّع فرصته عليه أن يتحمّل شقاء الوصول إلى بدائلها.

ارتجلنا طريقا بديلا، بالانعطاف يمينا إلى حي “الفجالة” القديم، لعلنا نهتدي إلى مسالك وجهتنا، عبر ما يمكن أن يتيسّر اجتيازه من شبكة الشوارع الضيقة الزاخرة بالحياة الشعبية، وبضجيج الورش ومطارق الحرفيين، التي لا تغلبها سوى مكبرات صوت المآذن، وأجراس الكنائس الصغيرة.

في محاولة استعادة الطريق الصحيحة، وجدنا أنفسنا في حي باب الشعرية، عند تمثال الفنان محمد عبدالوهاب ابن ذلك الحي.

كان التوقف في نقطة رأس المثلث الذي يتبدى فيها التمثال المُغَبَّر، فتأكدنا أنه لم يُسرق مثلما أشاع المُرجفون. كنا في شارع الجيش الذي يقع شمال ميدان العتبة. هنا، يتدفق المواطنون إلى المكان بكثافة قلّ نظيرها، فينشأ زحام  استثنائي، استباقا لزحام رمضاني مُجرّب. فالناس يتعجلون التهيؤ للشهر الكريم بشراء حاجياته.

توقفنا تماما في طريق لا زالت فيه المركبات من كل الأحجام، تنتظر بدء الحركة، ومعها وبينها عربات صغار الفتية العتّالين، مجللة بالبضائع.

هو اختلاط مثير، لن يضجر العالق من تأمل تفاصيله، لاسيما إن كان قادما من أوروبا أو من أحد الأحياء الجديدة الباذخة. تمنيت أن يكون معي كتاب “مساجد مصر وأولياؤها الصالحون” للباحثة سعاد ماهر محمد، لكي أطالعه كاملا أثناء الانتظار. أو ربما ستكون هناك فرصة مغايرة بدل الضائعة، لو كان في حوزتي قرص مدمج فيه كل ما غناه عبدالوهاب في زمن الطرب الأليم.

 وفي الحقيقة لم تتحرك المركبات لخمس ساعات، سنحت خلالها بعض أشباه الفرص الأخرى، كتناول طبق كُشري على أحد جانبي الطريق، وإجراء اتصالات مؤجلة، وإسماع الشابين بعض قصص التاريخ ومفارقاته، ومن أطرفها ما يتصل بأسماء الشوارع في وسط القاهرة، إذ يختص التخليد، ذكرى أصدقاء الإنجليز وأحبابهم، فلا مكان هناك لسعد زغلول وأحمد عرابي وجمال عبدالناصر.

الوافد الجديد من الأخيار، على قائمة الأسماء، هو طلعت حرب، لأن اسم الشارع كان يتعلق بسليمان باشا، الضابط الفرنسي المتأسلم، وأول بناة جيش محمد علي!

كانت مغبّة السهو عن الطريق، أن ضاع موعدي ضياعا لا أسف عليه،  قياسا على مرارة ساعات الاستدراك المضنية بحثا عن مخارج أخرى.

24