معرض تشكيلي بالقاهرة يقوم على لغة السينما

أعمال الفنانة رانيا علام تطرح ثيمات وموتيفات ثرية تهدف بحيويتها إلى تمكين الإنسان العصري من هويته الإنسانية الخصبة.
الأربعاء 2020/09/23
التعاطي مع الحروف العربية بمنظور مغاير

يبقى الفن ارتحالًا دائمًا غير قانع بالثبات في مكان. فالثبات بالنسبة إلى الفنان يشبه الموت والنهاية. لذا فالتنقل بحد ذاته غاية ومغادرة الإحداثيات الثابتة والوضعيات المستقرة ضرورة لبلوغ التدفق، وتفكيك الجمود المحيط. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع الفنانة المصرية رانيا علام التي دأبت على فعل ذلك في كل معرض من معارضها، باقتحامها تجربة وعوالم أخرى جديدة في كل مرة.

لا يكفي شريط واحد لاختزال الشفرات الإنسانية المعقّدة، وإن كان شريطًا سينمائيًّا متحركًا بين لحظتي الميلاد والموت، فالحياة شبكة عملاقة من الحالات المختلفة المنفلتة والأحداث العريضة المتناقضة.

وسّعت التشكيلية رانيا علام رؤيتها الفنية وتصوّراتها البصرية حول مفهوم الشريط السينمائي وطبيعته وأبجديته ولقطاته، وحاولت تطويره ودمجه بأشرطة أخرى داخلية ونفسية تدور في أعماق الإنسان، وذلك في لوحات معرضها الأخير “شريط”، الذي اختُتِم  أخيرا في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة.

شهيّة التغيير

إلى جانب ما قد توحي به الحركة الدائرية من تعزيز للاستمرارية والقدرة على مواجهة الفناء، فإن ما تحققه من انتظام نسبي يسمح للذات الحائرة بلقاء متعمق مع الأفكار المتصارعة بداخلها، وهذا ما توسّلته الأشرطة الآدمية الدائرة بنشاط وحماس فوق مسطّحات اللوحات في المعرض.

وواصلت رانيا علام (42 عامًا) في معرضها “شريط” ما بدأته في معارضها السابقة؛ “لقاء”، “الحالة والطلسم”، “عودة الأرض”، “إبداعات روحانية”، من طرح ثيمات وموتيفات ثرية تهدف بها إلى تمكين الإنسان العصري من هويته الإنسانية الخصبة، من خلال الدينامية الحيوية والعناصر والمفردات التفاعلية وبقع الألوان المتوهجة الثائرة، حيث يجد المتلقي نفسه في قلب الدراما والصراعات الساخنة مباشرة، فليست هناك مقدّمات وحوافّ للمَشَاهد المُحرّضة على الانخراط فيها.

رانيا علام

أتاحت فلسفة الأشرطة المتداخلة واللغة السينمائية المدعومة بالتقنيات التشكيلية المركّزة جُملة من الصور الذهنية والمرئية والإحالات التجريدية والأحداث والمواقف التي يشترك فيها المتلقي كأحد أبطال التكوين أو العرض البصري.

وسعت الأضواء والظلال باشتعالها وحميميتها، والخامات بطواعيتها، والتكنيك بقدرته على الحشد والتكثيف، إلى توجيه الانفعالات والمعتقدات إلى بؤر تأثيرية محددة. وازنت رانيا علام، أستاذة الفنون التطبيقية، من خلال حيلة الأشرطة الحقيقية والوهمية، بين شروط الواقع ومتطلبات الخيال.

وتوضح الفنانة لـ”العرب” أن الشريط السينمائي هو أحد أعمدة اللوحات، لكنه ليس الشريط الوحيد بطبيعة الحال، فله حضوره الخاص وسحره، كونه يدور محلقًا في البعيد، خارج حدود الزمان والمكان، ومع تشغيله “تستثير حكاياته وذكرياته حكاياتنا وذكرياتنا في معركة الحياة، ومهما بلغت مأساويته في بعض مناطقه المعتّمة، فإن دورانه يبعث التفاؤل والحلم، ويوجّه الشهية والرغبة والعزيمة صوب التغيير، وتخطي المطبّات الصعبة والأوضاع السيئة”.

وتشير علام، الحاصلة على الدكتوراه حول “الهندسية الرمزية في إبداعات فن الغرافيك المصري”، إلى أن الإنسان في جوهره هو حصيلة مجموعة من الشرائط والشرائح والعلاقات الدائرية والأنسجة المتشابكة.

وتقول لـ“العرب” “هذه النقاط الحسّاسة، والوحدات الدائرية، والخطوط المتوازية والمتقاطعة، والأشكال الهندسية، ذات الإمكانات الترميزية، بداخلنا ومن حولنا، بإمكان الفن تركيبها وفكها وتحليلها، وتوصيلها للرائي بلغة مبسّطة تحوّل التعقيد الذي يغلّف العالم إلى مذاقات صافية بريئة”.

صارعت الفنانة في أعمالها دوّامات الغرق في عصر طغت فيه الرقمنة والبرمجيات على الإرادة والانطلاق، وتصدت للميكنة في المنظومة الصناعية بانفجارات لونية حُرّة صاخبة تختزن وقود الأمل.

اشتملت لوحاتها على تمثيل للكائن البشري في هيئة روبوت، لكنّ ما هو إنساني فيه ينتصر على ما هو آلي، كذلك صوّرت من خلال التروس وخلايا النحل وكُرات الدم وفايروسات كورونا وغيرها من الأشكال والمساحات المنتظمة، الصراعات والتناقضات والأزمات التي تتهدد الإنسانية في هذه المرحلة، وبلورتها في هيئة أشرطة قاتمة وخانقة.

عن مواجهة هذه الكوارث والمخاطر الظاهرة والخفيّة تقول علام “أمام الكثير من الأشرطة الدامية والسوداء، يبقى للفن دور في تمرير رسالة، مفادها أن على البشر التشبث برصيدهم الروحي وحيويتهم وتاريخهم في مواجهة سائر الأمراض التي تصيب الأبدان والنفوس، ومن أخطرها فقدان سيطرة الفرد على ذاته، وتحوّله إلى تابع يتلقى الأوامر، حيث يزول في هذه الحالة رحيق الأيام المثمرة، وتحلّ مرارة الجدب والذبول والخواء. وإن الفن لا ييأس من مخاطبة الحواسّ ودق أجراس الخطر لتنبيه الإنسان، فإلى جانب المتعة الجمالية يبقى الفن فعل مقاومة وتسلل إلى ثقوب المستحيل”.

لعبة التوازن

أثبتت الفنانة التشكيلية في أعمالها مسارات قادرة على النفاذ من الحوائط وتجاوز الحواجز، لتقود إلى استشعار السلام الداخلي واستحضار الشخصية واستعادة الذات المفقودة. فمن أحلام البشر التي لا تنقضي أبدًا بلوغهم التصافي والمنزلة العليا التي كانوا عليها يوم وطئت أقدامهم الأرض للمرة الأولى قبل الحروب والأدخنة والملوثات والأوبئة والنفايات.

وفي مساعيها إلى الاقتراب من هذه القيم والمعاني الرامية إلى سبر الأغوار لجأت في الكثير من لوحاتها إلى التجريد، الذي يحيل إلى الجوهر متجاوزا الملامح الصارمة والتفاصيل الزائدة، وتؤكد ذلك بقولها لـ”العرب” “التجريد، شمعة الخصوصية المتوهجة، التي تضيء المشاعر الكامنة، وتمنح الاختزال الفرصة لقول ما لا تتيحه الجداريات”.

تشكيل

لم يمنع اصطباغ تكويناتها بالحداثة والتقدمية ومراوغة القوانين المدرسية والمذهبية من ذلك الحضور المرن للتوازن الشكلي واللوني والإيقاعي في أعمالها، التي تصالحت كذلك مع الموروث البصري والخطوط العربية والجذور الفرعونية والقبطية والإسلامية.

وأوضحت أن تكوينها الأكاديمي غير متعارض مع نزعتها إلى التلقائية، وحرصها على التجديد ليس معناه قطع الصلة مع التراث الخصب، خصوصًا في الفن الإسلامي، حيث وجدتْ براحًا في الاشتغال على الحروف العربية، منفردة وموصولة، دون أن تتحول إلى كلمات مكتملة، فهي رموز وإشارات موحية وليست دلالات خانقة للمعاني والاحتمالات.

هذه الحروف، بحد تعبيرها “هي تاريخنا وهوّيتنا وحضارتنا، هي كرات دمائنا وخلايانا الجسدية وخارطتنا الروحية، هي الأصالة التي تحمي المعاصرة من التغريب والارتماء في أحضان التقليد والنقل الأجوف عن المذاهب الوافدة”.

وتؤكد الفنانة المصرية لـ”العرب”، حرصها على التواصل مع المتلقي إلى أبعد الحدود، فبغيره لا تكتمل دائرة الإبداع. وتقول “لا يقلل من شأن الفنان اعترافه بمدّ الجسور والتحلي بقدر من الوضوح، وأتصوّر أن التعالي والإفراط في الغموض من أبرز آفات المشهد الراهن”.

15