مصير المبادرة الألمانية لحل الأزمة في ليبيا في يد دول الفيتو

مؤتمر برلين يواجه معضلة مزدوجة: الخلافات داخل مجلس الأمن والانقسام الليبي.
السبت 2019/11/02
مصير مجهول

القاهرة – تشير رغبة ألمانيا في عقد مؤتمر لحل الأزمة في ليبيا، إلى عدم وجود ممانعة دولية لمبدأ التسوية السياسية وظهرت في التجاوب من حيث المبدأ، لكن الغوص في تفاصيل اللقاءات التحضيرية التي عقدت على مدار ثلاث جولات، وبانتظار الرابعة نهاية نوفمبر الجاري في برلين، يشير إلى أن هناك تباينا في تقديرات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين) بما يجعل مصيره غامضا.

فرنسا، وهي أكثر الدول الخمس اهتماما بالأزمة، جرّت إلى صفها إيطاليا، من خارج الأعضاء الدائمين، بعد أن دخلت معها سابقا فاصلا مريرا من المنافسة، وتخشيان أن يضع نجاح مؤتمر برلين مؤتمري باريس وباليرمو في خندق الفشل التام.

تفاوت في التقديرات

تجتهد فرنسا وإيطاليا حاليا في طرح قضايا وإخفاء أخرى، كي لا يهتز دورهما التاريخي في ليبيا، وهو ما أرخى بظلال سلبية على الأصوات التي أرادت تسويق مؤتمر ألمانيا على أنه رؤية أوروبية خالصة، فبعض التصريحات ذهبت إلى أن دوره مكافحة الإرهاب ووقف تغول الكتائب المسلحة التي تهدد أوروبا، دون أن تلتفت إلى أن إيطاليا لها مستشفى عسكري في مصراتة يستقبل متشددين ويقدم لهم العلاج اللازم.

إذا كانت الولايات المتحدة تعمل لمساعدة ألمانيا على تقديم رؤية لحلحلة الأزمة، وبريطانيا موقفها يدور بحذر في الفلك الأميركي، وفرنسا تحاول فرض منطقها، فإن هناك دولتين من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، لم ينتبه كثيرون إلى موقفهما من مؤتمر برلين، الذي يعتبره المبعوث الأممي غسان سلامة علامة مهمة للتسوية السياسية، لأنه يسعى إلى إيجاد تفاهم بين القوى الكبرى، التي حملها، دون أن يسمها، مسؤولية العقم الحاصل في الأزمة، وصعوبة تحقيق إنجاز حقيقي قبل تذويب الهوة.

أغفل سلامة بعض التدخلات الإقليمية السافرة التي لا تقل أهمية في إطالة عمر الأزمة، خاصة من جانب تركيا، ربما لأنه يعتبرها هامشية، أو يريد غض الطرف عن الجهات السياسية والميليشيات المسلحة التي تتلقى الدعم من أنقرة، ومنح أولوية للقوى العظمى التي تمتلك في رأيه مفاتيح الحل، إذا أرادته. وهو الاتجاه الذي بدأت تسلكه ألمانيا، لكنها لم تحرز تقدّما ملحوظا، حيث لا تزال المسافة بعيدة بين الدول الخمس، والإرادة تكاد تكون غائبة.

إيطاليا اضطرت إلى مجاراة فرنسا، بعد أن دخلت معها سابقا في فاصل مرير من المنافسة على الملف الليبي، خشية أن يضع نجاح مؤتمر برلين مؤتمري باريس وباليرمو في خندق الفشل التام.

ويرى البعض أن الأجواء ليست ناضجة حتى الآن للحديث عن فصل جديد من فصول التسوية الجادة. كل هذه العوامل ظهرت تفاعلاتها في لقاءات برلين، وبدت ملامحها في التحركات الخارجية التي تقوم بها ألمانيا، وتعزز من صعوبة التوصل إلى رؤية عاجلة للتسوية. وإذا تمكنت من ذلك، ونجحت المناقشات المتعددة في تقديم صيغة للحل، بصرف النظر عن قناعة الأطراف المعنية به، فإنها متوقع أن تصطدم بفيتو في مجلس الأمن، من روسيا أو الصين، أو كلاهما، فخلال 14 جلسة داخل المجلس لم يتسن له تبني وتمرير قرار واحد، ما يشير إلى أن توفير غطاء أممي للحل الألماني سيواجه بحزمة كبيرة من التحديات.

تحتاج صيغة التسوية التي ترعاها ألمانيا إلى أن يتم التصديق عليها في مجلس الأمن الدولي، لتحصل على زخم وقوة دفع سياسية يمكناها من أن تأخذ طريقها للتنفيذ، على غرار اتفاق الصخيرات، لتقويض جزء من الخلافات المحتدمة بين القوى المحلية في ليبيا، وتستمد عنفوانها من تأييد بعض القوى الكبرى لها للضغط عليها.

وتتحاشى الرؤية المهترئة التي تبناها كل من مؤتمر باريس وباليرمو العام الماضي، حيث قدّما رؤية توافقية مقبولة في الظاهر من غالبية الأطراف، غير أنهما افتقدا إلى الآلية الدولية اللازمة لتنفيذ المخرجات، الأمر الذي فوت عليهما أي فرصة للتطبيق، وحصرهما في مربع الدعاية السياسية التي أرادتها فرنسا وإيطاليا في إطار واحدة من حلقات المكايدة بينهما.

غابت الصين عن الجلسات التحضيرية الثلاث التي عقدت في ألمانيا على مدار الشهرين الماضيين، ولم يحضر ممثل عنها للاستماع أو نقل وجهة نظر بكين للأطراف المعنية بالأزمة الليبية، وهو ما اعتبره كثيرون رفضا حاسما لمسار برلين، ودلالة قاطعة على أن الصين غير مرحبة بالدعوة، ولديها ممانعات عديدة على النتائج التي سيتبناها، لأنها تملك رؤية سياسية للتعاطي مع الأزمة لا تفضل أن تكون مرهونة بآخرين، ما يرجح أن تستخدم الفيتو، حال مضى المؤتمر إلى نهاية المطاف ولجأ إلى مجلس الأمن لمباركته، كما هو مخطط له.

تحتفظ الصين برؤية خاصة بها في إدارة الكثير من الملفات الإقليمية، مكنتها من إحراز تقدّم على صعيد حضورها العالمي، ولها توجهات تخلط السياسة بالاقتصاد وأحيانا بالأمن، وجنت من ورائها مكاسب عديدة في أقاليم مختلفة، وهو الطريق الذي تريد أن تسلكه في التعامل مع الأزمة الليبية، ولا تريد أن تكون مقيدة بأجندات بعض الدول، وإذا جاءت توصياته ضد مصالحها يمكنها استخدام الفيتو.

ترقب بكين وموسكو

مهمة في ليبيا
مهمة في ليبيا

قال تقرير نشرته مجلة “ذي دبلومات” الأميركية في يوليو الماضي، إن الصين تسعى إلى تجديد عقودها مع ليبيا وتعمل على الاحتفاظ بعلاقات قوية، بغض النظر عمن يدير طرابلس، ضمن استراتيجية ملء الفراغ في شمال أفريقيا، وتعتبر جزءا في أجندتها العالمية.

ودعا التقرير، الولايات المتحدة وأوروبا إلى الانخراط بشكل أكبر مع المنطقة المغاربية (المغرب وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا) والاستثمار في العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية هناك، خشية أن تواصل الصين الاستفادة من التراجع الغربي هناك. وفي هذا السياق، لا تجد بكين ضرورة ملحة إلى التجاوب مع مؤتمر ألمانيا الذي يضع على كاهلها عبئا سياسيا هي في غنى عنه في هذه المرحلة، وهي قادرة على فرملته وتفريغه من مضمونه في مجلس الأمن. وتقف روسيا على أعتاب

مرحلة فارقة بشأن ليبيا، حيث تتبنى رؤية منفصلة عن الغرب في إدارة ملفات كثيرة. ولم ترحب بمؤتمر ألمانيا، لكن لم تقاطعه مثل بكين، واكتفت بالتجاوب معه في الحدود الدنيا التي لا تفرض عليها التزامات سياسية محددة. وتجد موسكو في ارتباك المواقف الغربية وتضاربها، فرصة مناسبة لتذليل الكثير من المطبات أمامها للاقتراب من الملف الليبي.

ونجحت في نسج شبكة قوية من المصالح مع قوى متعددة، أهمها قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، وربما تتهيأ الأجواء للإعلان عن مقاربة سياسية لامعة تعتمد على القواسم المشتركة في مكافحة الإرهاب.

وهي القضية التي لا تزال رؤية مؤتمر ألمانيا غير واضحة بالنسبة لها، لأنها تتقاطع مع مصالح قوى غربية لها روافد مع التيار الإسلامي النشط في ليبيا، والمطلوب أن يظل رقما رئيسيا في المعادلة السياسية الدائمة، بينما ترى موسكو ضرورة وضعه في إطاره الصحيح.

تحتفظ موسكو لنفسها بمسافة خاصة بها في الملف الليبي، وتراقب تطورات مؤتمر برلين عن كثب، وتفاعلها الهامشي مع تحضيراته لا يعني أنها غير عابئة به، لكن يؤكد أن مساره النهائي ستكون لها كلمة فيه، إذا جاءت نتائجه بعيدة عن أهدافها، من واقع امتلاكها حق النقض في مجلس الأمن الدولي الذي يعتبر الملهم للمؤتمر ومن دونه يتحول مسار برلين إلى رقم يضاف إلى أرقام مبادرات سابقة أخفقت في منح الأزمة الليبية حيوية سياسية تخرجها من العقم الذي تعيش داخله منذ حوالي ثمانية أعوام.

7