مصر في حاجة إلى مقاربة مختلفة لمشاكلها

الحكومة وصلت إلى مفترق طرق إما أن تصرّ على مواصلة الاستبدال وتتغاضى عمّا أوجدته هذه السياسة من تداعيات، أو تتخلى عنها وتتعامل وفقا للظروف الطبيعية التي كانت سائدة من قبل.
الجمعة 2022/08/05
بحاجة إلى مراجعة جذرية

اجتهدت الحكومة المصرية الحالية كثيرا في وضع حلول ناجعة للمشاكل التي ورثتها عن حكومات سابقة. نجحت وأخفقت، وتقدّمت وتأخرت، وحققت أهدافا وفشلت في أخرى، عندما قام النظام الحاكم منذ حوالي ثمانية أعوام بتطبيق سياسة الاستبدال وتعميم الحلول الموازية واتخاذها أداة رئيسية لتجاوز أزمات مستحكمة.

بعد مرور هذه السنوات تشير ملامح عديدة إلى أن مشاكل القاهرة لن تنتهي لمجرد تأسيس عاصمة إدارية جديدة، وأن البيروقراطية الحكومية والترهل الإداري المعروف والعقم الوظيفي لدى شريحة كبيرة من المدنيين لن يتم تخطّيه بإسناد الكثير من المهام إلى قيادات تنحدر من مؤسسة عسكرية مشهود لها بالانضباط.

لم تتوقّف مشاكل الإعلام في مصر بعد تأسيس قنوات ومواقع إلكترونية جديدة وإهمال القديمة، وقد صبّ مسؤولون كبار غضبهم على أداء إعلاميين لأنهم فشلوا في أن تعكس برامجهم ومقالاتهم التطورات الحقيقية على الأرض، ومنح الضعف الظاهر في العديد من المعالجات فرصة للإعلام المضاد ليجذب إليه شريحة واسعة من المواطنين.

إذا كان التخلص من نفوذ الإخوان والتوسع في شركات الجيش وبرامج الحماية الاجتماعية والتصحر السياسي أجهض مخططات الجماعة في السيطرة على مفاصل الاقتصاد والأحزاب والقاعدة الشعبية في البلاد، فقد أثار ذلك بعض الغضب وسط رجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني وبعض القوى السياسية، حيث وجد المنتمون إليهم أنفسهم في منافسة غير عادلة، تصل إلى مستوى العجز في إحداث أيّ تغيير.

مهما كان الاستحواذ مريحا للحكومة أو لطبقة معينة تهيمن على مؤسسات حيوية سوف يحمل داخله خسائر وربما فناء سياسيا لمن يرعونه ويعملون على تثبيته كخطة ممنهجة في إدارة الدولة

كما أن مشاكل التوريد الغذائي لا تحل بوعود من روسيا بدلا من أوكرانيا، أو عبر التمادي في الحصول على قروض من صندوق النقد لسد العجز في الموازنة العامة، أو مناشدة الدول الصديقة لمد يد المساعدة الاقتصادية. مصر تحتاج إلى مقاربة جادة لحل المشاكل المزمنة بطرق أفضل. فالإصلاح شيء وسياسة الاستبدال شيء آخر.

اتبعت القاهرة سياسة شاملة للإصلاح الهيكلي في السياسة والاقتصاد والأمن وغالبية المناحي التي تمثل ركنا أساسيا في عصب الدولة، لكن لم تصل إلى المستوى العلمي المطلوب، وربما تكون هناك عراقيل مفاجئة ظهرت، مثل انتشار فايروس كورونا والأزمة الأوكرانية، أرخت بظلالها على عدد من خططها ومشروعاتها.

لا تقتصر هذه النوعية من العراقيل على مصر، أو تنحصر في دولة فقيرة وتبتعد عن الغنية، فقد أثرت على جميع دول العالم وانعكست نتائجها في شكل موجة عالية من غلاء الأسعار والتضخم والبطالة وتوابع مختلفة عطّلت عجلة الإنتاج في بعض الدول، وجاءت تداعياتها متفاوتة حسب قوة الاقتصاد وآليات إدارته وحنكة قيادته وكانت النتائج الأشد قتامة دليلا على ضعف البُنى والقواعد التي يعتمد عليها.

كشفت الأزمات التي تعصف بالاقتصاد المصري حاليا، وقد تجعله خاملا بعد أن كان واعدا، عن وجود مجموعة من العيوب في سياسة الاستبدال التي بدت مريحة للحكومة في مرحلة معينة وحققت أغراضها الآنية، غير أن عيوبها الإستراتيجية سوف تتوالى.

ليس كافيا قذف الكرة في ملعب العواصف المفاجئة التي هبّت على العالم ولم تستثن أحدا تقريبا، لكن كل دولة تمتلك من الأدوات ما يمكّنها من تخفيف الوطأة والتكيف مع المستجدات وتطبيق سياسة الاحتواء بلا هزات هيكلية إلا الحكومة المصرية أرجعت جُلّ همومها إلى عوامل خارجية قد لا تمكّنها من مواصلة طريق الاستحواذ.

يصلح الاستبدال أو الاستحواذ كعملية تكتيكية في بعض المجالات بعد تجربته بصورة محدودة وقياس مدى نجاحه في مصر على نماذج معينة، بكل ما تتضمنه من مزايا وعيوب اقتصادية وخصال اجتماعية وبنية سياسية وحصيلة تاريخية وتحديات خارجية وأجواء استثمارية، فمراعاة هذه النقاط تحدد الوسائل التي يجب اتّباعها.

أغفلت الحكومة المصرية اختبار صلابة هذا الخيار وقدرته على مواجهة واقع ظل متكلسا فترة طويلة وطبقت سياستها الفوقية التي حققت نجاحات في المدى القريب، لأنها انطلقت من عقدة مباشرة تتعلق بالتخلص من الهواجس السياسية للإخوان والرواسب الأمنية والمخاوف الاقتصادية التي خلفتها تجربة الجماعة في الوصول إلى الحكم، وكان هذا التوجه مقبولا في البداية لتجفيف المنابع الإخوانية.

هناك حاجة ماسة إلى مراجعة شاملة وتصحيح للأخطاء وتعديل في المنهج قبل أن تتسع العيوب بما يصعب معه اللجوء إلى حلول عاجلة ومنتجة

يصعب التعويل على إجراءات الاستبدال التي تتبعها الحكومة على المدى البعيد حتى ولو تمكنت من تحقيق مردودات سياسية تفوق التوقعات، فالعيوب الناجمة عنها تؤدي إلى احتقانات ومخاوف لا تتوقف عند طبقة رجال الأعمال وشواغلهم الاقتصادية، إذا افترضنا أن صعود الإخوان لن يتكرر بعد أن كان سببا رئيسيا في اتباع هذه السياسة.

لم يفض الاستبدال إلى تقوية واضحة في الصناعة والزراعة وانتعاش الأسواق أو عودة الريادة للإعلام المصري أو حتى حل المشاكل المزمنة نهائيا في الإسكان والمواصلات والسياسة الخارجية وغيرها، فالنتيجة الواضحة أن ثمة فجوة ذات وجوه متعددة تتصاعد ملامحها في صفوف المصريين، وما لم تقم الحكومة بإعادة النظر فيها سوف تتمدد وتتجذر ويصعب الحد من تفاقمها في المستقبل.

وصلت الحكومة إلى مفترق طرق، إما أن تصرّ على مواصلة الاستبدال وتتغاضى عمّا أوجدته هذه السياسة من تداعيات في الواقع المصري، أو تتخلى عنها وتتعامل وفقا للظروف الطبيعية التي كانت سائدة من قبل، وفي الحالتين لن تحصل على نتيجة إيجابية، فالإصرار يحمل مخاطر، والتراجع بلا حساب يتسبب في هزة كبيرة.

هناك حاجة ماسة إلى مراجعة شاملة وتصحيح للأخطاء وتعديل في المنهج قبل أن تتسع العيوب بما يصعب معه اللجوء إلى حلول عاجلة ومنتجة، لأن التقدم في أيّ مجال يتطلب وجود منافسة حقيقية، وهي التي تمثل عنصرا مهما وقاسما مشتركا بارزا في غالبية التجارب الناجحة في العالم.

مهما كان الاستحواذ مريحا للحكومة أو لطبقة معينة تهيمن على مؤسسات حيوية سوف يحمل داخله خسائر وربما فناء سياسيا لمن يرعونه ويعملون على تثبيته كخطة ممنهجة في إدارة الدولة، ويمكن أن تظهر عيوبه في أيّ لحظة وفي محكات متباينة.

ينطلق الإصلاح من مراعاة الخصوصية التي تتمتع بها الدولة المصرية في المجالات المختلفة والعصف بها لن يمر بهدوء كما يتصور البعض، فلكل دولة نسيج ومكونات وتجارب وإرث من الواجب مراعاته لتحقيق أهداف مبهرة تصب في صالح الجميع.

ويؤدي التغول في سياسة الاستبدال إلى تهيئة الأوضاع أمام خلل مركب قد ينفجر ويمنع التوصل إلى ما تصبو إليه الحكومة المصرية، فالنوايا الحسنة والبراءة السياسية والتصورات التي تنطلق من دوافع وطنية لا تكفي لإصلاح ما يفسده الدهر.

9