مشغل فرنسي يعيد الحياة إلى أجراس عمرها مئات السنين

ثلاثة أجراس قديمة تستعيد صوتها الأول بفضل مهارة العاملين في مشغل "بوديه" وإصلاح أكثر من 1100 جرس منها ما يعود إلى المئات من السنين وصولا إلى القرون الوسطى.
الأحد 2019/01/13
إحياء الروح في الأجراس

باريس - تُقرع في فرنسا يوميا الآلاف من الأجراس القديمة التي يعود بعضها إلى القرون الوسطى، معلنة المناسبات الدينية والاجتماعية، ومشكّلة جزءا من المشهد التراثي والتاريخي في هذا البلد، وتتولى ورشة حرفية إصلاح ما كُسّر منها أو تعطّل لتبقى شاهدا حيّا على تاريخ عريق حافل بالأحداث.

وينكبّ العاملون بمؤسسة “بوديه” على تقديم العناية لما يحتاج إلى ترميم من هذه الأجراس القديمة الثقيلة، ويتعاملون معها كما لو أنها أرواح حيّة أعياها الزمن.

ومن العبارات التي تتردّد في هذا المشغل “هذا الجرس أذنه مكسورة”، و”هذا رأسه مشعور”، وذلك “صوته مُتعب”.

وقال جان لوك فيران، المدير العام للمشغل، إن “هذه الأجراس تقوم بالحركة نفسها عقودا تلو الأخرى لذا تتآكل وتفقد رنّة صوتها”.

وأضاف “يقوم عملنا على أن نعيد لها مظهرها الأول وصوتها الأصلي” الذي كانت تصدح به منذ عقود وقرون فوق الكنائس والأبراج والجبال، مشيرا إلى واحد من هذه الأجراس البالغ وزنها 750 كيلوغراما، وقال “لقد فقد أذنه”.

واستعادت ثلاثة أجراس قديمة تحمل اسم ماري جوزفين ومارغريت وفيوليت بعد أسابيع من العناية، صوتها الأول بفضل مهارة العاملين في هذا المشغل وطريقة خاصة في العمل نال عنها المشغل براءة اختراع في العام 1991. وينتظر في إحدى زوايا المشغل، الجرس “ميلاني مورنيلي” المصنوع في العام 1890 دوره للعلاج، وهو يخضع لفحص لكشف الشقوق فيه، وإلى جانبه جرس آخر يخضع لتصليحات في جوفه.

وتابع فيران “في المرحلة الأولى، ننزع الطبقة المتضررة لتبقى الطبقة المعدنية السليمة”. وبعد ذلك يوضع في الفرن في درجات حرارة تصل إلى بضع مئات من الدرجات، لكن الأمر دقيق جدا، فأي ارتفاع إضافي في الدرجات من شأنه أن يذيب الجرس.

أما باقي التفاصيل المتعلقّة بالترميم والإصلاح، فلا يكشف المشغل عنها على اعتبار أنها من أسرار المهنة. وتكون بعد ذلك، أمام الحرفي 45 دقيقة فقط للقيام بعمله قبل أن يبرد المعدن، ثم يتعيّن عليه العمل على أن يأخذ الجرس شكله الصحيح من حيث الانحناءات والنقوش، ومن ثمّ صقله ليستعيد بريقه.

ويتطلب العمل في الجرس الواحد أسبوعين على الأقل.

وأتمّ المشغل حتى الآن إصلاح أكثر من 1100 جرس منذ العام 1991، ومنها ما يعود إلى المئات من السنين وصولا إلى القرون الوسطى. وأفاد تانغي، أحد عمال المشغل، “نظرا للحال التي تكون عليها الأجراس، نحن فخورون بأننا نعطيها شبابا جديدا”.

ويرتفع على الأبراج والكنائس والمرتفعات في فرنسا 150 ألف جرس، تشكّل مشهدا موسيقيا وفنيا فريدا من نوعه، وتحمل في ترددات أصواتها عبق التاريخ. ودمّرت الحرب العالمية الثانية عددا كبيرا من الأجراس، فلم يبق سوى بضعة آلاف منها تعود إلى ثلاثة قرون أو أكثر.

وقال فيران “حين نقرأ أسماء العائلات على الأجراس، نتمكن من تتبع تاريخها”، ومنها جرس صنع في العام 1239 ورُمم في العام 2000، وهو أقدم أجراس فرنسا.

.وأضاف “هذا التراث قيّم وينبغي أن نحافظ عليه.. وإذا كان الفرنسيون أقل إقبالا على الممارسات الدينية، لكنهم أكثر تعلّقا بالمشهد الصوتي لبلدهم، الذي يعطيهم إيقاعا لحياتهم اليومية”.

24