مشروع الانفصالية الإسلاموية يجمع الأزهر بالإخوان

الأزهر اختار الوقوف في الجانب المضاد لتحالفات القاهرة الإقليمية واصطف من خلال بياناته مع الجبهة التي تمثل الغطاء الفكري والديني لمشروع التكفير والإرهاب في المنطقة.
الثلاثاء 2020/10/13
فخاخ الإخوان تحاصر مشايخ الأزهر

أظهر رد فعل مؤسسة الأزهر على خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن مشروع مكافحة الانفصالية الإسلاموية، عمق التناقض بين توجهات الدولة المصرية وتحالفاتها الإقليمية وقناعات وأفكار المؤسسة الدينية الرسمية التي تناغمت مع موقف الذراع الدينية للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين في نفس القضية، ما يطرح تساؤلات بشأن ازدواجية المعايير المتبعة لاتخاذ المواقف والتي وضعت المؤسسة الدينية المصرية في صف تركيا الحاضنة للتنظيم ضدّ فرنسا التي تواجه أجنداته الإقليمية والدولية كما مصر.

بدا رد فعل الأزهر، الذي وصف تصريحات ماكرون بالعنصرية وبأنها اتهامات باطلة للإسلام وتنسف الجهود المشتركة للقضاء على التنمر ضد الأديان وتؤجج مشاعر ملياري مسلم، متسقة مع ردود متزامنة لعلي محيي الدين القرة داغي أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذراع الدينية للتنظيم الدولي للإخوان، الموكول له صبغ الشرعية الدينية على الخلافة العثمانية الجديدة، مستخدما توصيفات تقليدية شبيهة بالتي استخدمها الأزهر للهجوم على الرئيس الفرنسي.

وندد مجمع البحوث الإسلامية للأزهر الشريف، بالتصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والتي قال فيها إن فرنسا ستعمل على مكافحة “الانفصالية الإسلامية”.

وجاء في بيان صدر عن المجمع أنه أكد “رفضه الشديد لتلك التصريحات التي تنسف كل الجهود المشتركة بين الرموز الدينية للقضاء على العنصرية والتنمر ضد الأديان”، مؤكدا أن “مثل هذه التصريحات العنصرية من شأنها أن تؤجج مشاعر ملياري مسلم ممن يتبعون هذا الدين الحنيف”.

وشدّد مجمع البحوث على أن “إصرار البعض على إلصاق التهم الزائفة بالإسلام أو غيره من الأديان كالانفصالية والانعزالية، هو خلط معيب بين حقيقة ما تدعو إليه الأديان من دعوة للتقارب بين البشر وعمارة الأرض وبين استغلال البعض لنصوص هذه الأديان وتوظيفها لتحقيق أغراض هابطة”.

ودعا المجمع هؤلاء الذين يدعمون هذه التهم إلى “التخلي عن أساليب الهجوم على الأديان ووصفها بأوصاف بغيضة، لأن ذلك من شأنه أن يقطع الطريق أمام كل حوار بناء، كما أنه يدعم خطاب الكراهية ويأخذ العالم في اتجاه من شأنه أن يقضي على المحاولات المستمرة للوصول بهذا العالم إلى مجتمع يرسخ للتعايش بين أبنائه ويقضي على التفرقة والعنصرية”.

وأثار التناسق في طبيعة الردود بين الأزهر كمؤسسة دينية يُفترض أنها تعبر عن توجهات النظام الحاكم، وكيان ديني يعبر عن مشروع التوسع التركي والقطري في المنطقة العربية، مجموعة كبيرة من التساؤلات بشأن الطريقة التي تدار بها الحرب على التطرف والإرهاب في مصر، حيث وضح حجم التناقض في توجه عام معلن ومترجم من خلال صراع ضار تخوضه الأجهزة الأمنية على الأرض ضد التشكيلات المسلحة للإرهابيين في سيناء وغيرها.

ويصطف الأزهر من خلال بيانات منسوبة لشيخه وصادرة عن مجمع البحوث الإسلامية مع الجبهة التي تمثل الغطاء الفكري والديني لمشروع التكفير والإرهاب في المنطقة، ممثلة في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 تناغم فاضح

الأزهر اختار عبر تناغمه مع موقف القرة داغي الوقوف في الجانب المضاد لتحالفات القاهرة الإقليمية
الأزهر اختار عبر تناغمه مع موقف القرة داغي الوقوف في الجانب المضاد لتحالفات القاهرة الإقليمية

اختار الأزهر عبر تناغمه مع موقف القرة داغي الوقوف في الجانب المضاد لتحالفات القاهرة الإقليمية، حيث تلعب فرنسا دورا حيويا في مواجهة تمدد الجماعات التكفيرية والإرهابية في المنطقة العربية، وفي أفريقيا، وهو ما دعمته باريس في الكثير من مواقفها القوية المناهضة لتوسع تركيا في ساحات عدة.

وتتسق فرنسا في تحركاتها ومواقفها مع استراتيجية مصر، ليس فحسب للدفاع عن مصالحها في مناطق نفوذها التقليدية بل دفاعا متقدما عن المجتمع والدولة، بالنظر إلى أن مشروع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي طال دول أوروبا من خلال نشر الاضطرابات الطائفية والانفصالية الإسلاموية، بغرض خلق بيئة حاضنة للمتطرفين في الغرب ضمن سياق مشاريع أسلمة الغرب.

وتحرص باريس على حرمان قادة النظام التركي من امتلاك أدوات بث الانقسام والكراهية والانفصالية داخل المجتمع الفرنسي، فضلا عن امتلاك أدوات التمويه على هذا النشاط وتمكينه من الاستمرار والرسوخ على مدار سنوات من المناورات والخداع والضخ المالي المُوَجّه، ما يعني تجريدهم من أوراق ضغط وابتزاز تستغلها أنقرة في إدارة ملفات الصراع والمنافسة مع فرنسا في ملفات مختلفة، سواء في شرق المتوسط أو الملفين الليبي والسوري، أو التنافس الضمني حول مناطق النفوذ في أفريقيا.

تعد الانفصالية التي سعت جماعة الإخوان لتكريسها في مصر، انطلاقا من هيمنة الجماعة على آلاف الجمعيات الخيرية والمدارس والمستشفيات، هي ذاتها التي يواجهها ماكرون في فرنسا، ما عكس ازدواجية معايير رضا الأزهر بما اتخذه النظام المصري من إجراءات ضد انفصالية تنظيم الإخوان، مقابل مهاجمته إجراءات فرنسا الشبيهة التي تهدف بشكل رئيسي إلى مكافحة خطط الفصل بين المسلمين المقيمين في فرنسا ومجتمعاتهم ودولهم وتحويل المساجد والمراكز الإسلامية التي يديرها بعض الأئمة الأتراك إلى أداة لتنفيذ مشروع الخلافة الأممي.

الأزهر

هجوم القرة داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي تموله قطر على الرئيس الفرنسي بعبارات حادة، متهما إياه بمعاداة الإسلام، هو دفاع عن مشروع أردوغان في الغرب، خاصة فرنسا التي ينظر إليها قادة النظام التركي ووكلائه من أئمة ووعاظ وأعضاء في جماعة الإخوان بوصفها ساحة للقيام بالجهاد الكبير للقضاء على الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل وفق المقولات الإخوانية التي يتبناها أردوغان.

وتدير أنقرة من خلال المدارس والمراكز والجمعيات أنشطة طائفية تحض على الكراهية وعلى انفصال المسلمين عن مجتمعاتهم في الغرب، والترويج لمناهج تكفيرية انعزالية يبثها النموذج الفرانكو – تركي من أنصار أردوغان وممثلي الإسلام التركي، من الذين يديرون عشرات المساجد والجمعيات في فرنسا.

وأسهم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تنفيذ هذا المخطط من خلال نشر التطرف في المساجد والمراكز الإسلامية التي تسيطر عليها جماعة الإخوان وأئمة أتراك في بعض دول أوروبا، لتنشئة جيل يزعم الجهاد دفاعا عن تلك الإمبراطورية الافتراضية والاستسلام لفرضية تمثيل تركيا بقيادة أردوغان لمسلمي العالم، وترك العلاقة بين المسلمين المقيمين في الغرب ودولهم ومجتمعاتهم لعبث جماعات تعتنق صراع الحضارات.

وتهدف خطط إخراج المسلمين في فرنسا من سياق الاندماج المجتمعي ومن حالة المواطنة تحت سقف التعايش والقيام بالمسؤولية الوطنية واحترام مصالح دولهم والحفاظ على أمنها، إلى رفض المحيط المجتمعي والتمرد على القوانين بحجة عدم توافقها مع الشريعة والانعزال عن مكونات المجتمع الأخرى.

ويقود ذلك إلى مطالبات بتأسيس نظم تعليمية واجتماعية وثقافية وقضائية خاصة بالمسلمين في الغرب، وبطبيعة الحال ستكون جماعة الإخوان بمن معها المشرفة والمهيمنة عليها لتخطو نحو تأسيس دولة موازية.

 أنظمة موازية

القره داغي: مستميت في الدفاع عن تركيا وقطر
القره داغي: مستميت في الدفاع عن تركيا وقطر

هناك دولتان وُضعت بشأنهما علامات استفهام حول أجندتهما بخصوص الشأن الديني الفرنسي، الأولى: قطر التي أظهرت وثائق مسربة نشرت مؤخرا عبر كتب ومقالات استقصائية تمويلَها الكثيف لجمعيات دينية ترفع شعار العنف والتطرف، والثانية: تركيا التي تبعث سنويا بأئمة ثبت بعد تحريات وتقصّ أنهم ينفثون في عقول الشباب الفرنسي المسلم سموم العنف والتطرف الديني، وهما ذاتهما اللتان اضطلعتا بنفس الأدوار في مصر ودول عربية عديدة في سياق مشروع عالمي.

وتصدي فرنسا للانفصالية الإسلاموية بفرض احترام القيم الجماعية داخل المجتمع وحرمان المتطرفين من مبررات دفع الناس إلى معاداة أوطانهم وحضارتهم، ما يعني التمكين لشركاء مسلمين يحترمون قوانين ودساتير وهويات الدول التي يقيمون بها.

كما يكمل هذا التصدي جهود بعض الأنظمة العربية في مكافحة انفصالية الجماعات والتنظيمات التكفيرية المتطرفة وتيار الإسلام السياسي لفرض قيم المواطنة والتعايش المجتمعي والقضاء على مسببات الانقسام والفتن الداخلية والصراعات الطائفية.

في هذا السياق، تحتاج الجهود الغربية والعربية إلى مؤسسات إسلامية تملك المبادرة والمشروع المجهز لمساعدة فرنسا ودول أوروبا، فضلا عن دولها في إعادة التعريف بالمسلمين في المجتمعات الغربية والعربية، وكون هذا المشروع دافعا لهم ليندمجوا ضمن هويتهم وانتمائهم الديني، وتقديم نموذج المسلم المحب لوطنه والمندمج في مجتمعه، بخلاف الصورة السائدة التي كرسها المتشددون بغرض تخفيف حدة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين.

الأزهر

وكشف الطرح الفرنسي عن مسارات بديلة ومختلفة بصحبة إسلام نقي من الأغراض السياسية، إلى جانب عدم منح المزيد من الفرص لمن يحمل مشروعا مناهضا للقيم الأوروبية طمعا في نجاح مشروع ديني خاص به، من خلال وضع تصور ثقافي فكري يُهيئ الأحياء الموبوءة بنسخة إسلام الجماعات المتطرفة وممارساتها الانعزالية للاندماج ولاعتناق المفاهيم الصحيحة للإسلام.

لذلك يتوخى فرض قواعد ومعايير جديدة من شأنها إدماج مسلمي فرنسا، والحيلولة دون أن يسقطوا في مستنقع التطرف والعنف وجرّ الدين إلى انحرافات طائفية لا تحمد عقباها. وهو ما يجب أن يلتفت إليه الأزهر عندما يريد الاشتباك مع هذه القضية الحيوية.

ويرمي مشروع ماكرون ضد الانفصالية الإسلاموية إلى الحد من المقاطع الخطيرة في مسألة الإسلاموفوبيا التي طالما وظفها قادة في الأزهر للهجوم على الغرب، من خلال خلق صيغة تعايش بين مختلف الأديان والانتماءات ومناهضة كيانات التطرف والانعزال، وتقود إلى تضييق المسالك على المتطرفين من الجهتين.

ويفتح المجال العام الفرنسي أمام ممارسة دينية ليست مستقاة من النسخة الدينية للمتطرفين والجماعات الراديكالية، بشكل يفرض على المجتمع احترامها وعدم كراهيتها أو استهدافها.وارتبط تزايد الإسلاموفوبيا بخطط أسلمة أوروبا على طريقة دعوة جماعات الإسلام السياسي إلى الخلافة العالمية، وخاصة أن تضاعف عنف المجموعات اليمينية العنصرية وخطاب كراهية الإسلام جاءا على وقع صعود يمين انفصالي متطرف يكفر الغرب، ويعتنق خطط غزو بلدانه من الداخل، ويرفض احترام القيم والمبادئ الدستورية والقانونية الغربية.

الأزهر

 

12