"مسرح المواجهة" يجسد خطط التنوير بمصر

تجارب الشباب وعروض مسرح الدولة تستفيد من هامش الحرية لتفجير القضايا الشائكة.
الاثنين 2019/10/21
إلقاء أحجار مثيرة في الماء الراكد

انطلق في مصر منذ أيام قليلة قطار “مسرح المواجهة” في موسمه الثاني، في إطار منظومة تنويرية للتصدي للعنف والتطرف وتحقيق العدالة الثقافية وبناء الإنسان وتطوير المجتمع. ويعزى الفضل للجهود الأهلية والمستقلة في تعزيز دور المسرح واستعادة مكانته كفن فاعل مؤثر له حضور جماهيري، الأمر الذي أغرى المؤسسة الرسمية لاستثماره في استراتيجياتها وخططها.

القاهرة – تبقى “المواجهة” هي السمة الأبرز في عروض المسرح المصري الجريئة والمتمردة في الآونة الأخيرة، إذ يعي المسرحيون الجدد أدوارهم الفنية والاجتماعية والإشعاعية، ومن ثم فإن الفعاليات التي تتبناها وزارة الثقافة المصرية تكاد تبدو إعلانا لما هو قائم بالفعل في المشهد المسرحي المعاصر.

وتتعلق الآمال بفن المسرح لفتح آفاق فكرية وثقافية وفنية مبتكرة، وتعزيز منظومة القيم والأخلاق، ومجابهة طيور الظلام وجماعات العنف والإرهاب بمصابيح التنوير.

المجد للمغامرين

يحمل الموسم الثاني لمسرح المواجهة شعار الوصول إلى المتلقّي أينما كان، والذهاب بالمبادرة إلى جميع المحافظات المصرية لتغذية الوعي وتشكيل الوجدان من خلال الإبداع، حيث تضافرت الجهود الرسمية مع الجهود الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني من أجل دعم المشروع، الذي ينهض في الأساس على ما أحدثه المسرح الحر والمستقل والجامعي من إنعاش للفن الرابع.

ويتصدر فن المسرح بشكل فعلي في الوقت الحالي قائمة الألوان الإبداعية الحديثة والتقليدية في مصر، فهو الأكثر عراقة من جهة، والعلبة الجامعة للفنون البصرية والصوتية من حركة ودراما واستعراض ورقص وتشكيل وموسيقى وشعر وغناء وغيرها من جهة أخرى، بالإضافة إلى قدرته على التأثير في الجمهور، واستغلاله الواعي هامش الحرية المتاح، لتفجير قضايا ساخنة، بهدف الإسهام في حل الأزمات والمشكلات والتصدي للمخاطر المحدقة.

وتطمح الحكومة المصرية إلى استثمار هذه الخصائص الفريدة لفن المسرح بصفة عامة، والإنجازات التي حققتها عروض الفرق الأهلية والمستقلة بشكل خاص، لبلوغ التغيير الإيجابي في الفكر والسلوك، ومثل هذه الأهداف والطموحات تبدو متحقّقة بوضوح في الكثير من العروض المسرحية التي شهدتها مصر مؤخرا، وأثبتت أن سلاح المسرح الأمضى في ترسانة القوة الناعمة الفاعلة، سواء انطلقت فعاليات رسمية بشأن المسرح، أو لم تنطلق.

وتعد “المواجهة” كلمة السر في عروض المسرح اللافتة، التي قدّمتها مسرحيات الشباب والفرق الحرة والمستقلة والجامعية، فمن خلالها طرق المسرح قضايا الفساد والقهر والفقر والعنف والإرهاب والتفكك الاجتماعي واغتراب الشباب وسطوة العالم الافتراضي وغيرها، كما أوصلته الجرأة إلى ميدان السياسة المحظور، دون أن يتخلى عن شجاعته وإقدامه واقتحامه خطوطا حمراء، لا يبلغها فن آخر على هذا النحو الجسور.

وتمكن المسرح الحر، دون غيره، من تخطي أسوار المنع والرقابة، وتمردت عروضه على السائد المجتمعي الراكد أملا في تغييره وتجاوزه إلى الأفضل، بالقدر ذاته الذي ثارت فيه هذه العروض على المفاهيم والآليات النمطية للثّيمات المسرحية الموروثة، مقدّمة رؤى طليعية وابتكارات تقنية مبهرة، خصوصا في عروض الشباب والأجيال الجديدة.

المسرحيات المقدمة نجت من حقول الألغام بلجوئها إلى الأقنعة والتاريخ والإسقاط الرمزي وامتطاء عجلة الزمان والمكان

وفي خوضه معاركه المتعددة المشتعلة، ضد الجمود والرجعية والعنف والإرهاب والقمع والقهر والتسلط والفساد والخلل الاجتماعي وغيرها من القوى المدمّرة، لجأ المسرح إلى كل الأدوات والآليات المتاحة ليتفادى التضييق والكبت والمنع والممارسات القمعية المشهرة في وجه المعارضة وأقلام النقد الجاد في الفنون والآداب ووسائل الإعلام، سواء بقصفها وتحطيمها أو بتقييدها أو بتشويهها وتخوينها، وفي هذا المسلك على وجه التحديد برزت فرادة المسرح واستثنائيته.

نجا المسرح من حقول الألغام بلجوئه إلى الأقنعة والتاريخ والإسقاط الرمزي غير المباشر وامتطاء عجلة الزمان والمكان، معتمدا على الإيحاء والإشارة والأساطير لتمرير الرسائل الذكية إلى جمهور واع جرى تدريبه بفعل العروض المتكرّرة، والمهرجانات والمؤتمرات المنعقدة على مدار العام، التي تثري ذائقته وتشحذ خياله بأفكار وامضة والتماعات فنية من كل حدب وصوب، وهي فعاليات مستقلة عادة، تنظمها مؤسسات المجتمع المدني، والمنظمات الأهلية، والجماعات الأدبية، إلى جانب المراكز الثقافية التابعة للدول الأجنبية، مثل فرنسا، ألمانيا، روسيا، إسبانيا، اليونان، الولايات المتحدة وغيرها.

وأبلى المسرح الحر المستقل بلاء حسنا في مضمار المواجهة والتنوير، وصار له رصيد معتمد من الثقة والطاقة الإيجابية الخلاّقة لدى الجمهور، الأمر الذي لفت انتباه المؤسسة الرسمية إلى هذا المارد، ذي العصا السحرية، فكانت فكرة “مسرح المواجهة” لمختلف الشرائح العمرية والاجتماعية، بخاصة الشباب، اتكاء على ما أنجزته عروض الشباب والفرق الخاصة من نجاحات.

اللعب بالنار

 تتعدد نماذج العروض الحرة الجريئة التي لعبت بالنار بخوضها في مناطق شائكة، خلال الفترة الماضية، فمنها على سبيل المثال لا الحصر، مسرحية “اسكوريال” في فبراير الماضي لفرقة تجارة جامعة عين شمس، التي تلمّست عبر الإسقاطات والأقنعة قضايا الواقع الراهن، راصدة توغّل السلطة وتوحّشها، وزيفها وخواءها في الوقت ذاته، وانسحاقها أمام الغوغاء والحرافيش.

كما شكّلت مسرحية “أوبرا بنت عربي” لفرقة مسرح الشمس التي عرضت في الصيف تهديدا لعروش السلاطين الجائرين ونافذة للإطلال على انتفاضات الشعوب وإبراز صراعات الحُكم من خلال دراما ملحمية أوبرالية في إطار فانتازي، يستلهم التاريخ والأسطورة.

وطرحت مسرحية “ماما” للمؤلف والمخرج أحمد العطار قضايا مثيرة، منطلقة من الممارسات الأسرية والعائلية لمناقشة وضعيات النساء، وصولا إلى خلخلة مفاهيم الأبوية والذكورية، والسلطوية على وجه العموم.

وأثارت مسرحية “الأدهم” إمكانية أن تطرح الأرض ثورة ومقاومة، بمعالجة جديدة لأسطورة أدهم الشرقاوي، وعُرضت في مارس الماضي بأكاديمية الفنون. كما جاءت مسرحية “الرجال لهم رؤوس” التي عُرضت مؤخرا في هيئة “ديودراما” تسعى إلى تحرير الوعي والانتصار لإرادة الإنسان، وذلك عبر تفجير الهزل من قلب المأساة. وانحازت مسرحية “سينما 30” للشعب البسيط، ضد القوى السياسية والدينية، في تجربة مثيرة بالأبيض والأسود لفريق تجارة عين شمس.

وشنّت مسرحية “علي الزيبق” غارة على الفساد والعنف في مصر ومناوشة السلطة بمؤازرة الشباب وبالاستعانة بالمكر الفني وانتقاد الأوضاع الاجتماعية والسياسية من خلال الإسقاط والترميز والأقنعة، وإحلال الأساطير والعوالم الخيالية والأزمنة الماضية والافتراضية محل الواقع.

ومن الأمثلة على عروض المعارك والمواجهات كذلك مسرحيات “سيمفونية القطة العمياء”، “أبوكبسولة”، “تسجيل دخول”، “تصبح على خير”، “جاري التحميل”، “خلل”، “شباك مكسور”، “طريق طروادة”، “مدينة الثلج”، “مفاوضات الاختلاف”، “نوح الحمام”، “رايات الأندلس”، “بهية”، “رادوبي الجميلة” وغيرها.

وتطرقت هذه المسرحيات، الشبابية في أغلب الأحوال، إلى نفض الغبار عن التاريخ بحكاياته وملاحمه وأساطيره، وتعزيز ثورات الشعوب ضد الحكّام المتسلّطين، ووضع حد لصمت المقهورين المطحونين، وحل مشكلات الفقر والجوع والظلم الاجتماعي وفوضى العلاقات الأسرية والتربية الخاطئة للأبناء كبذور للإرهاب، وأزمات الشباب المستلبين المعزولين عن الواقع، بالإضافة إلى تقييم حصاد الثورات المصرية والعربية وتعزيز إرادة البشر والرغبة في التغيير والتطوّر.

ومن هناك خاض المسرح المصري المعاصر ولا يزال يخوض غمار المواجهات والتحديات بقوة واقتدار، وفرض نفسه كفن فاعل قادر على التأثير في الجمهور وإلقاء أحجار مثيرة في الماء الراكد.

17