مراجعة إجراءات التأشيرة تدعم جهود تطبيع العلاقات بين فرنسا والجزائر

ماكرون يستبق زيارته إلى الجزائر بمنح التأشيرة لمنتسبي السلك الدبلوماسي والرسمي الجزائريين وللمكلفين بمهام على التراب الفرنسي.
السبت 2022/08/13
ماكرون قاد جهود تحسين العلاقات مع الجزائر

الجزائر- راجعت السلطات الفرنسية إجراءات منح التأشيرة للجزائريين في خطوة تمهيدية لتطبيع منتظر بين البلدين سيعلن خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرتقبة نهاية الشهر الجاري إلى الجزائر.

وقد عدلت السلطات الفرنسية إجراءات منح التأشيرة لمنتسبي السلك الدبلوماسي والرسمي وللمكلفين بمهام على التراب الفرنسي قبل زيارة منتظرة للرئيس الفرنسي إلى الجزائر نهاية شهر أغسطس الجاري، بحسب ما أعلن عنه قصر الإليزي مؤخرا.

ويأتي القرار كخطوة لتهدئة الأجواء بين البلدين خلال الأسابيع الأخيرة، ففي مقابل زيارة ماكرون المنتظرة، تم اعتماد السفير الجزائري الجديد في باريس سعيد موسى خلفا لمحمد عنتر داود، وهو المنصب الذي توليه الجزائر أهمية قصوى قياسا بوزن وأهمية العلاقات الجزائرية – الفرنسية.

ودعا الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بلاده إلى مراجعة سياستها تجاه المنطقة المغاربية، وهو ما اعتبره مراقبون يصب في وعاء بلورة رؤية جديدة في علاقات باريس مع دول المنطقة.

◙ مسألة تنقل الأشخاص بين فرنسا والجزائر ظلت أحد أثقل الملفات المطروحة بين البلدين خاصة مع تزايد أعداد المهاجرين

وكان تقليص عدد التأشيرات الفرنسية الممنوحة للجزائريين من بين الأسباب التي أدت إلى التوتر الدبلوماسي بين البلدين خلال الأشهر الماضية، حيث رفضت السلطات القنصلية الفرنسية أكثر من 32 ألف طلب تأشيرة من الجزائريين العام الماضي، كما أدرجت منتسبي المؤسسات الرسمية ضمن قرارها، وهو ما أثار غضب الطرف الجزائري.

وظلت مسألة تنقل الأشخاص بين فرنسا والجزائر أحد أثقل الملفات المطروحة بين البلدين، خاصة مع تزايد أعداد المهاجرين غير النظاميين من الجزائر إلى فرنسا، وهو ما قابلته السلطات الفرنسية برغبتها في ترحيل أكثر من سبعة آلاف مهاجر لكن ذلك اصطدم برفض جزائري بدعوى التغافل عن تأكيد الهوية الحقيقية لهؤلاء، وإمكانية تسلل أشخاص مشبوهين ضمن المرحّلين.

ومرت علاقات الطرفين بتوترات مركبة خلال الأشهر الماضية، قابلتها الجزائر بسحب سفيرها من باريس، وغلق مجالها الجوي أمام الطيران الفرنسي العسكري العامل في مالي، قبل أن يعود الطرفان إلى مسار التهدئة المتبادلة التي ينتظر أن تتجسد أكثر خلال الزيارة المرتقبة للرئيس ماكرون إلى الجزائر.

ودخل الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند على خط التهدئة بدعوة النخب الفرنسية الحاكمة في بلاده إلى ضرورة مراجعة سياستها تجاه الدول المغاربية، على ما تشكله من أهمية لفرنسا، وعلى الروابط التاريخية والاجتماعية التي تربطهما.

وذكر هولاند في مقال نشرته صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية أن “انتهاج سياسة متوسطية تخدم الشراكة مع المنطقة المغاربية بات أكثر من ضرورة، نظرا إلى أهمية المنطقة والروابط التاريخية والاجتماعية لشعوب المنطقة”.

وانتقد المتحدث سلطات بلاده على خلفية قرار تخفيض عدد التأشيرات الممنوحة لمواطني دول شمال أفريقيا، واعتبر أن ذلك “طريقة غير فعالة في ضبط الهجرة غير النظامية”، في إشارة إلى عدم جدوى المقاربة الإدارية في التعاطي مع الظاهرة الاجتماعية التي أخذت أبعادا عابرة للقارات وللمجتمعات.

وقال “يؤسفني أكثر قرار السلطات الفرنسية بالحد بشكل كبير من عدد التأشيرات، فهذه الطريقة تضر بلا داع دون أن تكون فعّالة في السيطرة على الهجرة غير النظامية”.

وأضاف “تحتاج أفريقيا ككل إلى مغرب كبير مزدهر وقوي لدعم التغييرات التي يتطلبها تعاقب الأزمات الصحية والأمنية والبيئية، ناهيك عن الأزمة التي تصيب بصمت العديد من العائلات في القارة التي تواجه نقصا في الغذاء”.

ويبدو أن النخب السياسية الفرنسية غير مرتاحة لخيارات قصر الإليزي في السنوات الأخيرة، حيث تسببت السياسات المنتهجة تجاه الهجرة وتنقل الأشخاص بين فرنسا ودول المنطقة خاصة الجزائر، في فتور في العلاقات الثنائية، ولذلك ترتفع الأصوات لمراجعتها، خاصة وأن التطورات الدولية وأزمة أوكرانيا باتت تحتم على باريس إرساء علاقات هادئة مع دول المنطقة والمستعمرات السابقة تحديدا.

◙ تقليص عدد التأشيرات الفرنسية الممنوحة للجزائريين كانت من بين الأسباب التي أدت إلى التوتر الدبلوماسي بين البلدين خلال الأشهر الماضية

وحمل مقال فرانسوا هولاند مخاوف فرنسا على مصير سوقها المحلية للطاقة لاسيما خلال الشتاء القادم، ولذلك دعا الرجل سلطات بلاده إلى ضمان إمدادات ثابتة من خلال إرساء علاقات تعاون دائم مع مصادر الطاقة وأقربها إلى فرنسا هي الجزائر.

ولفت المتحدث الى أنه يتوجب أن “تفهم فرنسا وأوروبا أن القوة الآن في البحر الأبيض المتوسط، والتي تتكون من استثمارات مفيدة للطرفين، وابتكارات بيئية، وشراكات متعددة من حيث الصحة والتدريب والبحث، وأخيرا التضامن السياسي في ما يتعلق بالاحترام، من توجهات كل منهما”.

وشدد على أن “الاضطرابات الدولية ولاسيما الحرب في أوكرانيا لها تداعيات لا هوادة فيها على الاقتصاد العالمي، مما تسبب في ارتفاع عام في الأسعار والذي يؤثر على مستوى معيشة السكان على جانبي البحر الأبيض المتوسط، ونحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تعميق هذه العلاقة وإعادتها إلى معناها الكامل”.

ولم يفوت الرئيس الفرنسي السابق الفرصة ليوجه رسائل غزل إلى الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون من خلال الإشادة بما أسماه “العمل على ضمان استتباب الأمن في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل بشكل عام، ودعواته المتواصلة للقادة الماليين من أجل العودة إلى الشرعية في أقرب وقت ممكن”.

ويرى مراقبون أن من مصلحة فرنسا والجزائر على حد سواء تحقيق الاستقرار في مالي ومنطقة الساحل الأفريقي وذلك لتفويت الفرصة على تدخلات قوى دولية على غرار روسيا.

4