مخرجون يكتشفون الواقع بالمغامرة والدهشة

الصورة البانورامية المتنوعة لأكثر المخرجين تأثيرا في تاريخ السينما تقدم لنا صورة ذلك التنوع في التجارب السينمائية.
الأحد 2021/07/18
التجريبية المدهشة تبقى علامة فارقة في مسار المخرج تيرنس ماليك

تُنشر في الكثير من المواقع ترشيحات متشابكة لأهمّ خمسين أو مئة مخرج -أو أكثر- في تاريخ السينما العالمية. بعضهم، وربما أغلبهم، مدعومون بتجارب سينمائية كانت مدعومة بإنتاج سينمائي ضخم ومؤسسات إنتاجية رصينة، بينما البعض الآخر اكتفى بإمكانات أقل وبالحفاظ على تقاليد السينما المستقلة وكون الخطاب السينمائي سوف يحقق النجاح المأمول إذا حقق المغامرة والدهشة بالدرجة الأولى، بينما هنالك معيار كم حقق الفيلم من إيرادات في شباك التذاكر.

تتنوع أعمال هؤلاء بين الإنتاج الضخم للأفلام الخيالية، كالصراعات الكونية وحرب النجوم والقصص الأسطورية وطابع الحركة والسرعة والمطاردات، وبين الأفلام الواقعية الأقرب إلى الذات الإنسانية والطبيعة البشرية والحياة اليومية والصراعات المألوفة والأقرب إلى المشاهد في يومياته وحتى من ناحية الاهتمامات الأكثر ذاتية، وهي تصطبغ بصبغة واقعية ولها امتداد حياتي.

ليس مستغربا مثلا أن اختيارات صانعي المغامرة والدهشة هؤلاء يختلط بهم المخرج سبايك لي، رئيس لجنة تحكيم مهرجان كان لهذا العام، والذي يواصل منجزه السينمائي ليصطف في قائمة صانعي الجمال مع الإيطالي روبرتو روسيليني المتوفى قبل 50 عاما أو مع مواطنه الراحل الشهير فيوتوريو دي سيكا بل ومع الروسي سيرغيه ايزنشتاين المتوفى في العام 1948 وصولا إلى الياباني يازوجيرو أوزو ومواطنه كيروساوا ثم الإيراني الراحل عباس كياروستامي ثم هيتشكوك وجون فورد وبيلي وايلدر وأورسون ويلز وانتهاء بمارتن سكورسيزي وريدلي سكوت وفرنسيس فورد كوبولا وغيرهم.

والحاصل أن هذه الصورة البانورامية المتنوعة لأكثر المخرجين تأثيرا في تاريخ السينما تقدم لنا صورة ذلك التنوع في التجارب السينمائية إلى أقصاها إنتاجيا في أعمال سبيلبيرغ كريستوفر نولان وريدلي سكوت وبيتر جاكسون وجيمس كاميرون وغيرهم.

التجارب السينمائية هنا تنشغل بمستويات غزيرة من السرد الفيلمي المختلف الذي يضع في اعتباره أولا وقبل كل شيء إثارة الأسئلة وترك مساحة ما للمغامرة لكي تفصح عن الحقيقة الواقعية في مقابل الدهشة والإحساس الجمالي الذي يسيطر على جمهور المشاهدين.

قوة الإدهاش والإقبال على إثارة الأسئلة يتحدث عنها المخرج المجدد تيرنس ماليك في ذلك التأنّي المدهش في إعادة مناقشة القضايا الإشكالية التي تمس الذات البشرية، وهي تتلقى ثقل الواقع المشتت المتشعب، وتسعى لإيجاد مسار لنفسها وسط فوضى الحياة.

التجريبية المدهشة تبقى علامة فارقة في مسار تيرنس ماليك مثلا، فهنالك على الدوام ما هو مختلف عما هو سائد من إعادة إنتاج الواقع، وهو ما تنضح به أفلامه حتى آخرها فيلمه “حياة مخبّأة”؛ سردية شاعرية مؤثرة تحتاج صبرا وتأملا عميقا إبّان المشاهدة تلك التي تتدفّق تباعا وعفويا ولا تعرف لها حدودا للإشباع، أو أنك لا تستطيع بالضبط أن تفهم أين ومتى يمكن أن تبدأ اللقطة أو المشهد، فالطبيعة تدور بمواسمها المتعدّدة والإنسان يدور معها، وهو يشقى فيما إسطوانة النار التي تمثلها الحرب تدور وتتنقل من بلد إلى بلد وتحرق في مسيرة انتقالها كل شيء.

والحاصل أن تلك التعبيرية الشاعرية القائمة على فكرة الاكتشاف والدهشة تتجلى أبلغ صورها في متانة المشهد وقوته وطبقاته السردية وترابطاته العميقة مع السياق الفيلمي والحبكة الفيلمية، وهذه كلها تتكامل من خلال رؤية عميقة ومختلفة للواقع وإعادة قراءة الأحداث وإعادة إنتاجها بصريا.

15