محمد عبدالعاطي وزير يُبحر في مياه النيل لتفادي الأمواج العالية

وزير الري والموارد المائية المصري يمكن أن يصبح بطلا وطنيا إذا نجحت جولة المفاوضات المقبلة بشأن سد النهضة في التوصل إلى اتفاق نهائي.
الأحد 2020/01/19
عرّاب الواقعية المصرية بمواجهة إثيوبيا

لا يوجد ما ينغّص على المصريين حياتهم أكثر من قلقهم على مستقبلهم المائي الذي يعدّ مسألة وجودية مع ظهور بوادر شح مائي يسود العالم، ومن الممكن رؤيته بالعين بمجرد النظر إلى نهر النيل في القاهرة بعد أن انخفض منسوبه عن المعدلات الطبيعية التي كان عليها منذ سنوات، ما يجعل المفاوضات الماراثونية بين مصر وإثيوبيا والسودان تستحوذ على حيز كبير من اهتماماتهم.

كانت نظرة قطاع كبير من المواطنين لملف المياه سياسية واقتصادية، ومع الانخراط في مفاوضات متتالية بدأت تتطور إلى مناقشة بعض الأمور الفنية الدقيقة، حول منسوب المياه، وحصة كل دولة، والسنوات التي يستغرقها ملء سد النهضة، ومدى تأثيره على بحيرة السد العالي بجنوب مصر، وما إلى ذلك من أسئلة حرجة.

وزير الضرورة

ساعد وجود وزير الريّ والموارد المائية المصري، محمد عبدالعاطي، في تقريب مثل هذه الأمور المعقدة ومناقشتها، ونجح الرجل في شرح وتبسيط رؤية بلاده، وطمأنة المواطنين بأن الحفاظ على حصتهم من المياه لن تتأثر عقب ملء السد وتشغيله.

حققت الاستراتيجية التفاوضية التي يشارك فيها تقدماً مهماً في المفاوضات بعد البيان الختامي الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء الـ15 من يناير الجاري، عقب أربع جولات تفاوضية بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، واجتماعين في واشنطن.

وقد عبّر البيان الأميركي عن توافق بشأن ملء سد النهضة على مراحل وتنفيذه بطريقة تعاونية، تأخذ في الاعتبار الحفاظ على رغبة إثيوبيا لتوليد الكهرباء في أقرب فرصة، وتضمن حقوق مصر المائية عبر إطار قانوني مُلزم للجميع.

عندما أقدمت القاهرة على توقيع إعلان المبادئ بينها وبين إثيوبيا والسودان في مارس 2015  في الخرطوم، كان لزاماً أن تغير استراتيجية تعاملها مع سد النهضة، لأنها قامت منذ الشروع في أول خطوات تشييده عام 2011 على توجيه خطابات طغت عليها نبرة تصعيدية لكسب ثقة المواطنين في فترة اتسمت بعدم الاستقرار السياسي.

تطلّب الأمر تغييراً على مستوى الفريق التفاوضي، والبحث عن شخصية تقود الإدارة الفنية ولديها خبرات تؤهلها للسير على أشواك الاعتراف بأحقية إثيوبيا في التنمية، مع ضمان عدم الإضرار بالأمن المائي لمصر.

وقع الاختيار على عبدالعاطي قبل أربع سنوات، وهي أطول فترة يشغلها مسؤول عن هذه الحقيبة منذ اندلاع أزمة سد النهضة، وتعاقب 6 وزراء على المقعد، ما أثّر سلبا على الموقف المصري الذي خسر وقتاً طويلاً في ترتيب البيت الداخلي قبل التفرّغ للمفاوضات الحاسمة.

ضرب تولّي عبدالعاطي، عدة عصافير سياسية وفنية بحجر واحد، وبرهن على تغير التوجه نحو إثيوبيا، واستغلت الدولة علاقاته القوية بالخبراء الإثيوبيين لتقريب المسافات وإذابة الجليد الذي نجم عن استخدام سياسة وصفت بـ“الاستعلائية” وظفتها أديس أبابا على اعتبار أنها تواجه عدوانا خارجيا.

كسبت الحكومة مزيداً من الوقت، لأن الرجل عمل من قبل رئيساً لأول وفد جرى تشكيله للتباحث مع إثيوبيا بشأن بناء السد في أثناء فترة توليه منصب رئيس قطاع مياه النيل، ما جعل البعض يصف توليه الوزارة بأنه “وزير الضرورة”، لأنه لم تكن لديه الرفاهية لعدم ملاحقة الوتيرة السريعة لمراحل بناء السد.

عبدالعاطي يواجه اليوم مهمة صعبة تتعلق بتنفيذ سياسة مائية تقشفية لمواجهة التبعات المتوقعة لسد النهضة حال فشل المفاوضات أو عدم الحصول على النتائج المرجوة، أو ضاقت الحلول أمامه. لذلك عليه أن ينشر ثقافة ترشيد المياه في مصر
عبدالعاطي يواجه اليوم مهمة صعبة تتعلق بتنفيذ سياسة مائية تقشفية لمواجهة التبعات المتوقعة لسد النهضة حال فشل المفاوضات أو عدم الحصول على النتائج المرجوة، أو ضاقت الحلول أمامه. لذلك عليه أن ينشر ثقافة ترشيد المياه في مصر

لدى الوزير المصري علاقات ممتدة مع خبراء المياه في القارة الأفريقية وداخل إثيوبيا خصوصا، لأنه كان مسؤولاً عن الدراسات الفنية المتعلقة بتنمية موارد مياه النيل الأزرق، وشارك في الدراسات المتخصصة بشأن إمكانية بناء أربعة سدود على النيل منها “سد الحدود” الذي تغير اسمه إلى “سد النهضة”، وعمل خبيراً دولياً في مبادرة حوض النيل وترأس مكتب التعاون الفني بين دول حوض النيل الشرقي، وهي: مصر والسودان وإثيوبيا.

حقق العديد من المكاسب لبلاده، لأنه كان واحدا ممن وضعوا الوثيقة المصرية التي جرى على أساسها توقيع إعلان المبادئ في الخرطوم، ومن ثمّ فهو مقتنع بأن الخطوط العريضة التي حملها الإعلان وتقوم على التعاون والتنسيق مع الجانب الإثيوبي هي الضمانة الوحيدة للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف.

نجح في تنفيذ رؤية مصر الخاصة بالتعامل مع الأزمة بهدوء على أساس أنها أزمة تقنية، وساعد استمراره في منصبه فترة طويلة في ترسيخ مفهوم يقوم على أن السد أصبح أمراً واقعاً، ويجب التعامل معه وفقاً للمصالح المشتركة بدلاً من الرؤية التي كانت تسير باتجاه إقناع المواطنين أنه لن يكون هناك وجود للسد أصلا.

وسط أجواء التشاؤم التي سادت فترة طويلة، حملت البيانات التي أصدرها السنوات الماضية نظرة إيجابية لعملية المفاوضات، ورسّخ فكرة أن مصر ماضية في طريقها نحو تحقيق أفضل تسوية ممكنة عبر مراحل التفاوض المتعددة، وصدّ محاولات قوى معارضة للتشكيك في ذلك، والتي وصفت سياسته بأنها تنمّ عن ضعف.

المكسب الأكبر الذي حققه الرجل هو الحوار مع الكثير من خبراء المياه في مصر وخارجها، وحرص على الاستماع إليهم والاستفادة من علمهم، ونجح في جذبهم كداعمين لتوجهاته، وأعاد تشكيل الفريق التفاوضي وأدخل عليه تعديلات كبيرة. اجتمع حوله عدد من وزراء الريّ السابقين وخبراء المياه، وبدت المسألة أشبه بالمعجزة، لأن كلاً منهم كانت له طريقته التي يراها ملائمة للتعامل مع الملف. كانت السنوات الماضية شاهدة على العديد من الاتهامات بشأن الخمول والغموض والتقاعس في ظل التقدم الإثيوبي في بناء السد، مقابل عدم قدرة الخطوات الفنية والدبلوماسية المصرية على تحقيق تقدم على الأرض وظلت الخلافات كما هي.

نجح عبدالعاطي في أن يحظى بإشادات عدة ممن سبقوه في منصبه وأيضاً داخل الوزارة لدرجة أن وزير الريّ الأسبق محمد نصر علام، اعتبر الوفد المصري في المفاوضات هو “الأفضل على الإطلاق من خلال الخبرات الكبرى الذي يمتلكها”.

زادت الثقة لدى وزير الريّ، وبات مفاوضاً ناجحاً. وبحسب بعض المقربين منه، فهو يتمتع بهدوء في إدارة المفاوضات، ولا يتنازل بسهولة عن مطالبه ويستخدم عبارات صريحة ومباشرة لا تسمح للطرف الآخر بأن يوجه إليه تهمة المراوغة، ولم تحد خطواته عن ترديد العبارة التالية “بناء سد النهضة بما يضمن لإثيوبيا توليد الكهرباء باستمرار وبكفاءة عالية في فترات الجفاف الشديد دون الإضرار بالمصالح المائية المصرية”.

في الوقت الذي مضت فيه المفاوضات مع الجانب الإثيوبي دون تحقيق نتيجة ملموسة لفترة طويلة، انصب تركيز عبدالعاطي على الترويج للدراسات الفنية التي تثبت أحقية بلاده في مطالبها بشأن ضوابط ملء السد وطريقه تشغيله. ومع ذلك كان مثار انتقادات داخلية واتهامات بأنه كان سبباً مباشراً في منح أديس أبابا المزيد من الوقت، لكنه مصمّم أن الحل في النهاية لن يكون سوى بالتوافق.

لم ينشغل كثيراً بالتصريحات الإثيوبية الصاخبة والتأكيد المستمر على التقدم في عملية بناء السد، وانشغل بتوظيفها لصالح الرؤية المصرية التي تركت أديس أبابا تواصل خطاب الحشد الشعبي، وذهب إلى أبعد من ذلك بعد أن سوّق لضرورة استغلال السد في أن يصبح منشأة جديدة في نظام حوض النيل الشرقي للحفاظ على مرونة المنظومة المائية، ومواجهة شح المياه بسبب تغيرات المناخ.

بين المرونة والحسم

الاستراتيجية التفاوضية التي يشارك فيها عبدالعاطي حققت تقدماً مهماً في المفاوضات بعد البيان الختامي الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء الماضي، الـ15 من يناير الجاري.
الاستراتيجية التفاوضية التي يشارك فيها عبدالعاطي حققت تقدماً مهماً في المفاوضات بعد البيان الختامي الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء الماضي، الـ15 من يناير الجاري.

تمكن الوزير المصري من الاستفادة من تريثه الشديد، وكان ينتقل بسهولة بين اتخاذه مواقف حاسمة والتلويح بالتنازل في مرات أخرى، وأعلن صراحة في إحدى جولات المباحثات في أديس أبابا أن القاهرة “على استعداد لإعادة النظر في جوانب معينة من مواقفها بشأن بناء السد لمعالجة المخاوف الإثيوبية”، وعدم ممانعتها في إقامة سدود بالقارة، وشاركت في بناء العديد منها خلال العشرين عاماً الماضية.

بالرغم من أن وزارة الريّ منفذة لتوجهات الحكومة في مصر التي تضع تصوراتها أجهزة مختلفة، فإن عبدالعاطي استطاع أن يتحول إلى “حمامة السلام” يمكن الارتكان إليها، إذا تعقدت المشكلات السياسية بين البلدين. وظهر ذلك من خلال عدم استخدامه تقريبا عبارة “فشل المفاوضات”.

تعمد كثيرا عدم الإفصاح عن تفاصيل ما يجري في الغرف المغلقة، وظلت السياسة المائية غير معروفة لجموع المواطنين الذين واجهوا الأمر بامتعاض في البداية، ما انعكس سلباً على صورته التي اهتزت عندما كانت إثيوبيا تتحكم في سير المفاوضات قبل لجوء القاهرة إلى تسييس الأزمة وطرحها أمام الجمعية العام للأمم المتحدة، والقمة الأفريقية – الروسية، وطلب مشاركة الولايات المتحدة كطرف رابع.

في الفترة التي سبقت عرض القاهرة إمكانية دخول وسيط بين الدول الثلاث نشط عبدالعاطي على المستويين الإقليمي والدولي، وجرى تحديد موعد انعقاد أسبوع المياه الثاني في شهر أكتوبر الماضي، بالتوازي مع تحركات مصرية حثيثة دفعت الولايات المتحدة والبنك الدولي للتدخل كمراقبين للمفاوضات.

قام وزير الريّ بما يشبه الحشد الخارجي على مستوى الخبرات الفنية، واستضاف 150 خبيراً وباحثاً في شؤون المياه للحصول على أكبر دعم للأبحاث المصرية التي تثبت أن بناء سد النهضة وفقاً للرؤية الإثيوبية سوف يؤثر سلباً على الأمن القومي، ويخفّض حصة مصر من المياه بنسبة 2 بالمئة، ما يهدد ببوار 200 ألف فدان، وحدوث مشاكل لما يوازي مليون أسرة تقريبا. أمام عبدالعاطي مهمة صعبة تتعلق بتنفيذ سياسة مائية تقشفية لمواجهة التبعات المتوقعة لسد النهضة حال فشل المفاوضات أو عدم الحصول على النتائج المرجوة، أو ضاقت الحلول أمامه. لذلك عليه أن ينشر ثقافة ترشيد المياه في مصر. ويسير في هذه المهمة التي يعتبرها العديد من الخبراء بأنها الأصعب، بخطوات معقولة لكنها مازالت غير ملموسة على أرض الواقع، بعد عامين من إعلانه الخطة القومية لإدارة الموارد المائية، 2017 – 2037، لمواجهة عجز المياه المتوقع.

تشمل الخطة تحسين نوعية المياه المستخدمة وإعادة تدوير 33 بالمئة من المياه المتجددة، وترشيد استهلاك المياه من خلال عدة وسائل في الزراعة، مثل إدخال نظام الري الحديث وتقليل مساحة زراعة الأرز إلى 30 بالمئة، وتنمية الموارد المائية من خلال تحلية مياه البحر، وحصاد كمية الأمطار القليلة في أماكن متفرقة، وأخيرًا إدارة الملاحة النيلية مع انخفاض المناسيب.

يتولى عبدالعاطي مهمة إقناع الرأي العام بسياسات ترشيد المياه، ويبذل جهودا على مستوى الوصول إلى الفلاحين الذين يخطط لمنحهم قروضا قصيرة الأجل، مقابل تنفيذ الانتقال للريّ الحديث الذي يوفر حوالي 30 بالمئة من كمية المياه المستخدمة، ودشّن مؤخرا العديد من الحملات الإعلامية بهدف التوعية من أخطاء شح المياه.

استعان وزير الري بالخبرات الدولية في مجال تحلية المياه والزراعة بالمياه المالحة، ووجه قبلته إلى الصين التي زارها أكثر من مرة، ووقّع معها اتفاقية تعاون مشترك للاستفادة من خبراتها. ولكن ما يأخذه البعض عليه أن الخطوات الإجرائية التي أقدم على اتخاذها للتعامل مع مشكلات المياه لم يجر التسويق لها بما يضمن نجاح خطته المستقبلية. بل إن الحملات الإعلامية التي دشنها تمّ تفسيرها على أنها مقدمة للتنازل عن حقوق مصر المائية عبر اتخاذ قرارات لا تتماشى مع ثقافة المواطنين.

يمكن أن يصبح عبدالعاطي بطلا وطنيا، إذا نجحت جولة المفاوضات المقبلة بشأن سد النهضة في واشنطن يومي الـ28 والـ29 من يناير الجاري في التوصل إلى اتفاق نهائي وإنهاء الأزمة تماما، ما يعيد الاعتبار للدور الذي لعبته وزارة الريّ في نقل مصر إلى مرحلة متقدمة عندما تمكنت من وضع نظام للريّ الحديث قبل نحو قرن ونصف.

8