محمد روراوة مسؤول مخضرم أُخرج من النافذة ويُستعاد من الباب الواسع

رجل مطافئ السلطة لإخماد نيران السلم الرياضي.
السبت 2022/06/18
مخلّص الكرة الجزائرية

سُلّطت الأضواء مجددا على شخص محمد روراوة كمخلّص للاتحاد الجزائري وللكرة الجزائرية من الأزمة التي تتخبط فيها، لاسيما بعد فشل سلفه في حمايتها من نفوذ اللوبيات في الهيئة القارية والدولية، خاصة وأن إجماعا يسود الساحة الرياضية والشارع الكروي على أن التأهل سُرق من المنتخب في عقر داره، بسبب عدم تحكم الاتحاد في إدارة لعبة الكواليس، ولا يمكن للهيئة أن تستعيد أمجادها إلا بعودة الرجل المخضرم، ولذلك يتم الدفع بالتطورات إلى بسط السجاد الأحمر أمامه، فلا منافسة ولا اعتراض وفوق ذلك تزكية خفية من السلطة، وتفعيل لرنة الهاتف على الأعضاء من أجل تزكيته وتمريره بالإجماع.

عراب الرياضة السياسية

رغم أنه مجرد هيئة رياضية يفترض بها إدارة وتسيير شؤون اللعبة، كغيرها من الهيئات الأخرى، إلا أن الاتحاد الجزائري لكرة القدم، ومن خلفه منصب الرئيس، هو عينة مصغرة من صراعات السلطة؛ فمنذ تأسيسه مطلع ستينات القرن الماضي لم يحدث أن خضع للممارسة الديمقراطية ومبدأ التداول والانتخاب النزيه، وظل منصبا سياسيا تديره السلطة من خلف الستار رغم العلاقة المحرمة بين السياسة والرياضة بالنسبة إلى الهيئات الدولية الوصية.

ولأن كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبية في البلاد، وتستقطب أعدادا غفيرة من الشارع الرياضي، فإن السلطة الجزائرية ظلت تضع يدها على الهيئة المسيرة، رغم المسافة الفاصلة التي حددتها الهيئات الدولية الوصية بين الحكومات وبين الهيئات المنتخبة الواقعة تحت وصايتها، لأنها تدرك أن أي إهمال لذلك الجمهور هو تفريط في عصب هام ينبض بالثورة والتمرد.

◄ روراوة هو الوحيد من بين رموز المرحلة السابقة الذي لم يطله التحقيق
◄ روراوة هو الوحيد من بين رموز المرحلة السابقة الذي لم يطله التحقيق

ومنذ الإقصاء الدراماتيكي لمنتخب “المحاربين” أمام “الأسود غير المروضة ” الكاميرونية في عقر دارهم بتواطؤ مفضوح من الحكم الغامبي بكاري غاساما، دخل القطاع في أزمة مركبة لم تكن السلطة تتمناها؛ فقد كانت تراهن على تأهل المنتخب إلى مونديال قطر لاستثماره في السياسة الداخلية وفي تنويم الشارع وإلهائه عن مشاغله الحقيقية المقلقة لها، لكن المفاجأة كانت مدوية والصدمة قوية عليها وعلى الشارع، ولذلك تريد الاستثمار مجددا في ورقة روراوة لاستعادة الأمجاد ومحو النكسة.

روراوة الذي بدأ مشواره المهني كقاطع تذاكر في إحدى صالات السينما بالعاصمة الجزائرية، صنعت منه التراكمات شخصية كاريزمية على قدر كبير من الدهاء والرزانة والهدوء، فقد شغل بعد ذلك عدة مناصب حساسة في مؤسسات الدولة، كمدير عام للوكالة الوطنية للإشهار، ومدير مركزي بوزارة الإعلام ومدير القناة التلفزيونية الحكومية، الأمر الذي مكنه من نسج شبكة من العلاقات القوية محليا وقاريا ودوليا، لذلك فهو يتوفر على مؤهلات رجل سياسي أكثر منه رياضيا، لكن إذا حدث وأن وصلت العلوم السياسية إلى إرساء مصطلح “الرياضة السياسية”، فمن المؤكد ستجد في شخص روراوة النموذج الحي للاستشهاد به.

هو الآن رجل مطافئ السلطة لإخماد نيران السلم الكروي في البلاد، ولا بديل له من الوجوه البارزة في المشهد الكروي؛ ولذلك يجري إعداد الأجواء والرأي العام لعودته من جديد إلى المنصب الذي يمثل إحدى الأذرع الحساسة في ضمان استقرار الشارع، ما دامت الكرة المستديرة والفريق الوطني شغله الشاغل، ولا تريد السلطة لأي انتكاسة أن تنقلب عليها لأنها تعلم أن ذلك الجمهور إذا لم يجد الفرجة والانتصارات سيتحول إلى خصمها الأول.

والسلطة التي تجتهد لطي مرحلة الحراك الشعبي والاحتجاجات السياسية، تدرك أن جزءا منها انطلق من ملاعب ومن مدرجات الكرة، وأكبر الأغاني التي ألفت ورددت ضد السلطة في شوارع وساحات البلاد، كان مصدرها جمهور المستديرة الذي كان ينتقل إلى الملاعب للفرجة وللتعبير السياسي عما يختلج في صدره من ظلم وتمييز وقمع وفقر ومعاناة.

أعصاب باردة

في عام 2017 أرغم الرجل على التنحي من منصبه واستخلف بالرئيس السابق للاتحاد خيرالدين زطشي، ومثل الرجلان حينها معركة بالنيابة بين جناحي السلطة المتصارعة (الرئاسة والاستخبارات)، ولما كان جناح المخابرات بصدد التهاوي وقتها فقد تهاوى روراوة بصفة آلية، وكما انتصر جناح الرئاسة انتصر زطشي وفُرض فرضا على رأس الاتحاد.

معركة قص الأجنحة وتقليم الأظافر في أركان الدولة الجزائرية تمتد إلى اتحاد الكرة، حيث عمت نفس أساليب الإقالة والإطاحة بالخصوم وتصفية الحسابات، الأمر الذي انعكس على مكانة البلاد في الهيئات الكروية

واليوم استدعت اللعبة ميكانيزمات جديدة، فإما أن الدولة العميقة عادت بقوة منذ رحيل قائد الجيش السابق الجنرال أحمد قايد صالح، فإن عودة روراوة طبيعية، أو أن المرحلة تتطلب تعايشا بين الطرفين، والكل في حاجة إلى الرجل الذي رغم مساوئه لا يختلف اثنان في أنه كفاءة مميزة يجتمع فيها الرياضي والسياسي، وهو مسير جيد ودبلوماسي رياضي محنك.

وبملامح شخصيته الهادئة وأعصابه الباردة، التي لا تستشف منها حالة الغضب ولا حالة السرور، استطاع الرجل تجاوز مراحل الضعف، بما فيها حين تم التخلي عنه وهو في أوج الصراع داخل الاتحادين الأفريقي والدولي عام 2017، ولما كانت الآلة الحاصدة تلاحق كل من هو محسوب على الدولة العميقة، وعرف كيف يظهر مجددا عندما شعر بأن الحاجة إليه في تصاعد.

وكما كان الصراع بين الرئاسة والاستخبارات مستعرا بين 2010 و2015، وفعلت معركة قص الأجنحة وتقليم الأظافر فعلتها، امتدت إلى اتحاد الكرة حيث ساد التشنج وتصفية الحسابات بين جناحي روراوة وزطشي، وعمت نفس أساليب الإقالة والإطاحة بالخصوم وتصفية الحسابات، الأمر الذي انعكس على مكانة البلاد في الهيئات الكروية رغم التتويج التاريخي بالكأس الأفريقية عام 2019 في القاهرة.

ورغم أن الرجلين قدما إلى السلطة نفس الخدمة إلا أن مصيرهما كان محزنا؛ فكما أجبر روراوة على الخروج من النافذة عام 2017، خرج بنفس الوضع زطشي الذي لم يُشرّف حتى بحضور حفل تكريم المنتخب في رئاسة الجمهورية لما توج بالكأس الأفريقية عام 2019، رغم أنه رئيس اتحاد، وهو الدرس الذي تلقياه متأخرين وأكدا لهما مصير من يخوض الحروب بالوكالة عن الآخرين.

روراوة الذي أدى دوره بامتياز في أزمة عام 2009 ضد المصريين، واستطاع أن يفتك تأهلا تاريخيا للمنتخب إلى مونديال جنوب أفريقيا عام 2010، يكون قد اعتقد حينها أنه صاحب الفضل في ترتيب الشارع الجزائري لصالح نظام عبدالعزيز بوتفليقة، وأنه الوحيد الذي قلب نفس الموازين على النظام المصري آنذاك، ولم يكن ينتظر المصير الذي لقيه وهو القائل “جعلت رئيس الجمهورية ينام مرتاح البال حين أخرجت للشارع 35 مليون جزائري يحتفلون بتأهل الفريق الوطني لمونديال 2010”، الأمر الذي كان يسر به لكل من يتساءل عن هذه العظمة التي يتباهى بها في وجه كل من يحاول مناكفته أو منازعته في الاتحاد.

الناجي الوحيد

◄ مشواره المهني بدأه روراوة كقاطع تذاكر في صالات السينما، فصنعت منه التراكمات شخصية على قدر كبير من الدهاء
 مشواره المهني بدأه روراوة كقاطع تذاكر في صالات السينما، فصنعت منه التراكمات شخصية على قدر كبير من الدهاء

وفي سيناريو مشابه تدرج غريمه زطشي في عالم المال والأعمال والكرة المستديرة؛ فهو الشاب الذي أسس فريقا ومدرسة للتكوين الكروي بالعاصمة، وقاد الفريق إلى قسم الاحتراف، فاستطاع التقرب من محيط السلطة ومن الرجل القوي فيها آنذاك سعيد بوتفليقة، وكان يمثل بالنسبة إليهم ورقة رابحة لإزاحة رجل الدولة العميقة روراوة، لكن عندما توج المنتخب بالكأس الأفريقية في 2019 حرم حتى من حضور حفل التكريم الذي نظمه الرئيس المؤقت الراحل عبدالقادر بن صالح، فكان إيذانا له بقرب الرحيل وبالشرب من نفس الكأس التي جرّعها لسلفه.

رغم ما يشوبه من شائعات فساد وتربح غير مشروع إلا أنه يبقى إدارياً ناجحا سواء على المستوى الشخصي أو العام، فهو الوحيد من رموز المرحلة السابقة الذي لم يطله التحقيق في ثروته الشخصية، في حين يقبع العشرات من رجال الأعمال والمسؤولين المدنيين والعسكريين في السجون بتهم الفساد.

وفوق ذلك كوّن ثروة معتبرة لخزينة الاتحاد خلال فترة إدارته له، فقد ترك خلفه خمسة ملايين دولار، وما يعادل 40 مليون دولار بالعملة المحلية، وكان قد تنازل عن مساهمة الدولة لصالح الاتحادات الرياضية.

السلطة التي تجتهد لطي مرحلة الحراك الشعبي تدرك أن جزءا منه انطلق من الملاعب، وأكبر الهتافات ضدها كان مصدرها جمهور الكرة

ولعل ما رفع أسهمه أكثر في الظرف الراهن هو أن التقرير المالي والأدبي المعروض من طرف الاتحاد الحالي يتحدث عن عجز بنحو 100 ألف دولار، وهو ما يعني أن الثروة التي كونها وتركها “الحاج” -كما يحلو لمقربيه مناداته- قد استنزفت والهيئة في حالة إفلاس ولا منقذ لها الا الرجل المخضرم، وذلك ليس بعسير عليه كونه رجل أعمال ومال متمرسا ومقنعا للمتعاملين معه والممولين.

انتصر على عناد الوزير الراحل للشباب والرياضة يحيى قيدوم، الذي أراد فرض الولاية الرياضية الواحدة على رؤساء الاتحادات الرياضية، وركز خلال سنوات قيادته للهيئة على المنتخب وعلى استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية، وهو يعد أحد الفاعلين في ما يعرف بقانون “البهاماس” الذي أتاح لهؤلاء إمكانية الالتحاق بمنتخبات بلدانهم الأصلية، وهو ما ألب عليه حينها الرأي العام المحلي، على خلفية إهماله للكرة المحلية وللاعبين والكفاءات المحلية، لاسيما وأنه أدار ظهره لكل الطاقات من تدريب المنتخبات الوطنية.

ولكن أبرز الأسئلة التي تلاحق أذهان المتابعين للشأن الكروي في الجزائر هي: ماذا استفاد روراوة من تجربته السابقة؟ وكيف سيعود الى مبنى ضاحية دالي إبراهيم بأعالي العاصمة؟ بنفس الاستراتيجية القديمة، أم أن الرجل الذي بلغ سن الـ76 سيكون مجددا للعبة التي عاث فيها الفساد كثيرا؟

صحيح أن المنتخب هو واجهة اللعبة والنجاح في الاستحقاقات الكبرى وهو هدف كل مسؤول رياضي، لكن إلى متى سيوفق الرجل في تكرار تجربة إرساء السلم الرياضي والاجتماعي وضمان المزيد من نوم الشارع عن انشغالاته الحقيقية في السياسة والاقتصاد والحريات والخدمات والديمقراطية؟ خاصة وأن ما حدث في أم درمان 2009 والأزمة مع مصر لن يتكررا في منظور الجزائريين الذين انتبهوا كما انتبه المصريون إلى أن السلطة الحاكمة في البلدين كانت تريدهم وقودا لصناعة نصر وهمي يكفل لرجال السلطة الاستمرار في مواقعهم.

12