محاكمة كوشيب تنكأ الجراح بين دارفور والخرطوم

المحاكمة تحظى برمزية مهمة لدى أهالي دارفور، فصدور أحكام بحقه يشكل انتصارا معنويا، ويحصن الإقليم من تكرار ارتكاب مجازر جديدة.
السبت 2021/05/29
خطوة تهدئ من الغضب إلى حين

الخرطوم – نكأت تطورات محاكمة محمد علي عبدالرحمن “كوشيب” القيادي في نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير جراحا قديمة بين السلطة الانتقالية في الخرطوم وأطراف مختلفة في إقليم دارفور، حيث بدأت المحكمة الجنائية الدولية أولى جلسات محاكمته بارتكاب جرائم حرب.

ومن المتوقع أن تزور المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا إقليم دارفور الأسبوع المقبل، في خطوة تستهدف الوصول لتفاهمات مع السلطة الانتقالية بشأن طريقة محاكمة باقي المتهمين عبر تشكيل لجان مشتركة تتضمن قضاة سودانيين وآخرين من المحكمة الجنائية الدولية، أو تسليمهم بشكل نهائي إلى المحكمة في لاهاي.

ووظفت أطراف في دارفور بدء المحاكمة باعتماد 31 تهمة تمهيدا لمحاكمته بشأنها، بالضغط على السلطة الانتقالية لتسليم الرئيس المعزول وباقي المتهمين إلى المحكمة الجنائية، والدفع نحو تثبيت أركان السلام في الإقليم على وقع عثرات يواجهها اتفاق جوبا بين الحكومة والجبهة الثورية الموقع في أكتوبر الماضي.

الصادق علي حسن: الامتناع عن تسليم بقية المتهمين يضر بصورة الخرطوم دوليا
أبوالقاسم إبراهيم آدم: البشير وباقي المتهمين يستهدفون تشويه صورة الحكومة الانتقالية

وحمّلت القيادة العسكرية للحركات المسلحة المشاركة في مسار دارفور ضمن اتفاق جوبا في بيان لها الجمعة السلطة ممثلة في المكون العسكري مسؤولية انهيار الاتفاق بسبب عدم تنفيذ الترتيبات الأمنية، واتهمته بتعقيد المشهد الأمني وتخريب السلام وتكرار أساليب النظام السابق بهدف إعادة البلاد إلى مربع الحرب.

وجاء بيان الحركات المسلحة عقب يوم واحد من تجديد المنسقة العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين مطالبتها بضرورة بتسليم بقية المتهمين في جرائم دارفور إلى المحكمة الجنائية، وعلى رأسهم الرئيس المعزول عمر البشير.

وقال الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن إن السلطة الانتقالية تجد نفسها مرغمة على تسليم باقي المتهمين للمحكمة، لأن امتناعها عن القيام بذلك سيعرضها للمسؤولية أمام المحكمة بتهمة الامتناع عن تسهيل مهام المحكمة، إذا ثبتت إحدى التهم على “كوشيب” وسيضر ذلك بموقف السودان الحالي أمام المجتمع الدولي.

وتوقع في تصريح خاص لـ”العرب” أن تسير محاكمة “كوشيب” بصورة سليمة وصحيحة ومرضية لكافة الأطراف عبر توافر الفرصة الكافية للاتهام والدفاع، وربما يكشف عن بقية معاونيه وقد يكون بعضهم الآن في مناصب حساسة بالدولة.

ولعل ذلك ما يشكل أحد أبرز التحديات في علاقة السلطة الانتقالية وعلى وجه التحديد المكون العسكري وبين إقليم دارفور، في ظل إدراك اللاجئين والنازحين بأنهم لم يستفيدوا من الحراك السياسي الحاصل في السودان، وأن حقوقهم على المستوى الجنائي بعد سنوات طويلة من الحروب لم تُفض إلى شيء في ظل تجميد محاكمات نظام البشير في الداخل والتباطؤ في تسليمه للجنائية الدولية.

وتواجه الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا ضغوطا شعبية تصاعدت الفترة الماضية بعد أن تولى عدد من قاداتها مناصب عليا في إدارة المرحلة الانتقالية من دون أن يحصل أصحاب المصلحة الحقيقيون على مكاسب.

وبدت التحركات التي جاءت على مستوى القادة العسكريين وليس السياسيين المشاركين في السلطة الانتقالية كأنها تريد أن تساير حالة الغضب الشعبية وتبرئة ذمتها من فشل تطبيق اتفاق جوبا، حيث طالتها اتهامات بالتخلي عن الضحايا وذويهم بفعل خفوت صوتهم الذي نادى سابقا بضرورة محاسبة المتهمين على الجرائم التي ارتكبوها ولم تصدر عن القيادات مواقف علنية للضغط على السلطة في هذا الإطار.

ويعد تسليم المتهمين للمحكمة الجنائية من بين بنود اتفاق السلام، وورقة تمسك بها الحركات المسلحة في مواجهة تعثر تطبيقه، ويحظى هذا المطلب بدعم شعبي واسع في السودان، وتحقيقه قد يعوض أي فشل على مستوى إنجاز التنمية في الإقليم المضطرب وسط الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها السودان وعدم قدرة السلطة على الالتزام بتخصيص مبلغ 700 مليون دولار بشكل سنوي على مدار عشر سنوات.

المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية ستزور إقليم دارفور الأسبوع المقبل
المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية ستزور إقليم دارفور الأسبوع المقبل

ويرى مراقبون أن محاكمة “كوشيب” تحظى برمزية مهمة لدى أهالي دارفور، فصدور أحكام بحقه يشكل انتصارا معنويا، ويحصن الإقليم من تكرار ارتكاب مجازر جديدة، حال لم تكن السلطة بمكوناتها المختلفة جادة في تنفيذ السلام، وأن أي طرف لديه مصلحة في إثارة الفوضى بالإقليم سيضع أمامه مصير القيادي السابق الذي سلم نفسه طواعية في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ نحو عام.

وبدأت جلسة اعتماد التهم من قبل الدائرة التمهيدية الثانية بالمحكمة الجنائية الاثنين، حيث منح الادعاء زمن كاف لتقديم الأدلة التي تثبت تورط كوشيب في الجرائم المتهم بها على أن يصدر قرارها القضائي مكتوبا خلال 60 يوما.

وأوضح الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن لـ”العرب”، “أن اعتماد التهم بالرغم أنه لا يعني الفصل فيها، لكنه يوفر البينة الكافية لإحالة الدعوى للدائرة الابتدائية بالمحكمة التي تفصل في التهم، وتؤكد توافر البينة ما يمثل انتصارا لأسر الضحايا في هذه المرحلة من الإجراءات، لأن عدم الاعتماد يعني عدم وجود البينة الكافية للإحالة للدائرة الابتدائية”.

وكما توظف الحركات المسلحة محاكمة “كوشيب” للضغط على السلطة الانتقالية، فإن البشير وأعوانه المتهمين الذين يقبعون داخل سجون سودانية يمارسون ضغطا من نوع آخر لتسريع محاكمتهم والتخلي عن تسليمهم للمحكمة، وهو ما ظهر واضحا في تصريحات أطلقتها هيئة الدفاع عن البشير التي قالت إنه “سيكشف في هذه الحالة عن متهمين كثر تورطوا في جرائم دارفور”.

وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم أبوالقاسم إبراهيم آدم أن البشير وباقي المتهمين يستهدفون تشويه صورة الحكومة الانتقالية، والتأكيد أنهم يواجهون قضاء مسيسا، ويؤكدون قدرتهم على جر قيادات في السلطة الحالية للمحاكمة إذا لم تتراجع عن تلك الخطوة، بما يزيد الضغوط على المكون العسكري الذي لا يُفضل أن يحاكم البشير وباقي المتهمين في لاهاي، ويدفعون باتجاه تشكيل محكمة مشتركة.

وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن محاكمة “كوشيب” قد تكون سببا في تسريع محاكمات البشير ورموزه بالداخل على جرائم الفساد والانقلاب على السلطة الشرعية، والتي تشكل مطلبا شعبيا في المقام الأول على أن يجري إرجاء التحقيقات المتعلقة بجرائم دارفور انتظارا لما تسفر عنه تحقيقات الجنائية الدولية، ما يضع السلطة الانتقالية في مأزق أمام أهالي دارفور يضاعف من وتيرة التوتر في الإقليم.

2