ما الغاية من قراءة الروايات

قراءة الرواية الأدبية بين التسلية والفائدة الثقافية.
الأحد 2020/09/27
القراءة ليست متعة فقط (لوحة للفنان علي رضا درويش)

مع تطور التجربة الروائية صار بإمكاننا الحديث عن أكثر من رواية سواء التعليمية أو الفلسفية أو التاريخية أو البوليسية أو الفانتازية أو السياسية وغيرها الكثير، مما يلبي حاجيات القراء على اختلاف ميولاتهم. لكن يبقى لنا أن نتساءل عن جانبين في القراءة هما التسلية والاستفادة، أي بين ماهو عاطفي شعوري وبين ما هو فكري، لنخلص إلى سؤال الغاية من قراءة الروايات.

هل ثمة فائدة نرجوها من قراءة الروايات، أم أنها مجرد حيلة قديمة لتزجية الوقت، ووسيلة تسلية قد يعفو عليها الدهر خلال سنوات؟ تعثَّرتُ بأسئلة من هذا النوع عدة مرات، وأصابني في كل مرة إحباط مؤقت، سرعان ما أتخلّص منه بالمزيد من قراءة الروايات، كوسيلة سلمية، وسريّة أيضا، للانتقام من السائل.

يضع هذا السؤال الرواية في مواجهة غير عادلة ولا منطقية مع سائر أنواع المؤلفات، ويسعى السائل لأن يقول: طالما سوف نستقطع من حياتنا وقتا للقراءة، فلماذا لا نقرأ الكُتب عوضا عن الروايات، لمعرفتنا بما تحويه الكتب من فائدة معرفية ومعلوماتية أكيدة؟ ولو شئنا التسلية وقتل الوقت فالأجدر بنا أن نشاهد الأفلام والمسلسلات، لماذا نضيع أعمارنا في قراءة الروايات؟

لا أفترض سؤالا نظريا فحسب، رغبة في التنظير وفتح أبواب النقاش، ولا أنقل آراء استثنائية تخص شريحة محدودة من القراء، بل إنه سؤال يتكرر كل حين، كما أجد له انعكاسا واقعيا وملموسا في سوق الكتب في مصر، فقد شهدت السنوات الماضية، بشهادات عدد من أصحاب دور النشر ومسؤولي المكتبات، تراجعا ملحوظا في مبيعات الروايات، مقابل إقبال لا يمكن إغفاله على شراء الكتب من كل نوع، التاريخي والنفسي والتنموي، والاجتماعي الذي يعالج العلاقات العاطفية.

القارئ على حق

الشاهد أن السؤال مطروح بالفعل بين جموع القراء، ولهم حق أصيل بالطبع في طرح أسئلة من هذا النوع، كما أن لي حقا مكفولا كأحد أنصار الكتابة الروائية، في أن أشعر بالإحباط واللا جدوى، وأستشعر كروائي تلك الاستهانة المخزية من قبل القارئ الذي أتوجه إليه برواياتي، وأبذل في كتابتها سنوات كي يتلقّاها في ساعات.

حين يتأمل المرء الأمر في لحظات الصفاء النادرة، كالتي تحدث في أعقاب تلقي الإشادات من القراء، أو إثر مناقشة ناجحة مع مجموعة من محبي القراءة، في لحظات كهذه أعاود التأمل في جدوى قراءة الروايات، من وجهة نظر القارئ على وجه التحديد، وهنالك أتعاطف مع سؤال القراء، ولا يبقى في قلبي ضغينة تجاههم، بل أشفق عليهم من كثرة ما يتعثرون في روايات هي والهذيان سواء.

القارئ يصادق أناسا كانوا ليظلوا محجوبين خلف أسوار الزمان والمكان
القارئ يصادق أناسا كانوا ليظلوا محجوبين خلف أسوار الزمان والمكان

ثمة أعمال روائية تضيع أعمار قرائها بالفعل، ودون أدنى مبالغة، وكثيرا ما ضاعت مني الساعات والأيام في تصفح مثل هذا الهراء بحثا عن أي معنى، عن أي تسلية، عن أي جدوى لقطع الأشجار وفرم الجذوع وكبس الأوراق، فضلا عن إهدار الأحبار، دون أن أصل إلى نتيجة مرضية، ما يجعلني كروائي محصورا في دائرة الاتهام بإضاعة أعمار القراء، أستشعر المسؤولية إزاء الوصول إلى إجابة مقنعة لهذا السؤال المؤرِّق: هل قراءة الروايات مضيعة للوقت؟

أمضيت طفولتي في دولة الكويت، وكانت آنذاك بلدا صغيرا جميلا منعّما، غير أن له طقسا يحبس الناس داخل البيوت أكثر فترات العام، وكنا نملك في صالة المنزل جهاز تلفاز، صغيرا مكعب الشكل، له جهاز تحكّم (ريموت كونترول) يتصل به بسلك رمادي طويل، قابل للفرد والطيّ، وثمة زرّان في جهاز التحكم أو ثلاثة أزرار على أقصى تقدير، فإن لم نرغب في مشاهدة القناة الأولى في تلفزيون الكويت، فليس أمامنا سوى القناة الثانية، ومن ثم العودة إلى الأولى أو إغلاق التلفاز.

تحت وطأة خيارات شحيحة على هذا النحو، كنت أجد تسليتي الأكثر أهمية في الأرفف المحيطة بجهاز التلفاز، تلك المكدسة بكتب أبي؛ مجموعة متنوعة من الكتب كانت تمثل لي العالم الذي يمكنني الولوج إليه متى شئت، بمجرد سحب كتاب والشروع في تقليب صفحاته.

تشكلت معارفي من مطالعة هذه الكتب؛ روايات شتى، عربية ومترجمة، أذكر من بينها رواية إيطالية مخبأة بإحكام للكاتب ألبيرتو مورافيا، وعددا من مسرحيات توفيق الحكيم، والكثير من روايات طه حسين ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي، وكتبا فكرية ودينية وتاريخية، منها قصص الأنبياء لابن كثير، وعبقريات العقاد، وكتاب عنوانه “قشور ولباب” للدكتور زكي نجيب محمود، قرأت منه في صباي عدة صفحات كانت كفيلة بالحد من شعوري بالتميز والموهبة.

أتساءل اليوم عن أي من هذه الكتب ساهمت بدرجة أكبر في تشكيل وعيي وصياغة وجداني، أجدني أقول إن النصيب الأوفر منها ممهور بأسماء الروائيين.

الرواية ضرب من الفنون؛ والفن وعاء شامل للمعرفة الإنسانية، يسكب فيه البشر خبراتهم ومعارفهم من كل شكل ولون، ويتناقلونها جيلا بعد جيل.

والفن على النقيض من العلوم التطبيقية والنظرية يكره المباشرة، يعاف الوعظ والتلقين الصارم، ويميل لطرح التساؤلات أكثر من تقديم الإجابات.

تزوِّدنا التساؤلات كثيرا بوقود أفضل وأكثر كفاءة لمحركات البحث والمعرفة المثبتة في وعينا، إذا ما قارناها بما تقدمه الإجابات. فالإجابات، مهما أضافت لمعارفنا في صورة معلومات شتى ونظريات مثيرة للاهتمام، تبقى مؤقتة؛ المعلومات تسقُط بالتقادم والاكتشافات اللاحقة، والنظريات تتبدل وتعاد صياغتها مع تقدُّم الزمن، ولا يبقى شامخا مثل الفنون.

روافد متعددة

الكتب عالم من المشاهد الممتعة (لوحة للفنان علي رضا درويش)
الكتب عالم من المشاهد الممتعة (لوحة للفنان علي رضا درويش)

مع تراكم الفن لا يُدفن القديم، بل تتم بروزتُه بهالة من القداسة والتقدير الخاص، وتعليقه فوق حائط الكلاسيكيات، الذي يكتسب هيبة أكبر مع تقدم الزمن. فالفن أشبه بالنهر الجاري من مصبه البعيد، والذي ينساب دون توقف في مساره العام، وعبر روافد لا نهائية لا يقطعها سد ولا ينضبها جفاف، إنه كالشجرة التي تنمو وتتمدد باستمرار دون أن نلحظ نموها، ودون أن نملك توقعا مسبقا بالاتجاه الذي ستمضي الفروع نحوه في قابل الأيام.

بقراءة الروايات، يخوض القارئ تجارب ما كان ليخوضها لو أنه عاش فوق حياته الوحيدة عشر حيوات، حيث يمضي مرتديا أردية الشخصيات ليعايش أزمنة أطول كثيرا من عمره، يرى بأعينها عوالم ما كان ليذهب إليها مهما ارتحل، وينصت بآذانهاعبر فرجات الحكاية لما كان مستحيلا أن يصل إليه، مهما تسلل خلال ثغرات الحياة.

وبقراءة الروايات، يصادق القارئ أناسا كانوا ليظلوا محجوبين خلف أسوار الزمان والمكان، يتعرّف إليهم، ويدرك كم يشبهونه ويتشاركون الحيرة معه والمشاعر الدفينة، وهنالك يكتشف إلى أي درجة يتشابه معه الآخر غير المألوف، مهما تباينت الظروف واختلفت البيئات.

الرواية تثري الخيال وتشبع الشغف باكتشاف الحياة ومعايشة الشخصيات والتجارب
الرواية تثري الخيال وتشبع الشغف باكتشاف الحياة ومعايشة الشخصيات والتجارب

من كان باستطاعته التسلل إلى داخل الدير المهيب وتصفّح أسفاره المخبوءة في دهاليز مكتبته، دون أن يقرأ رواية “اسم الوردة”، رائعة الفيلسوف الإيطالي والناقد والروائي أمبرتو إيكو.

من كان ليتشمّم رائحة الدخان أسفل الجلود المحروقة بالشمس، ويتذوّق طعم التراب الممزوج برطوبة الأرض، ويعاين دهشة الجليد وحيل الغجر، دون أن يقرأ “مئة عام من العزلة”، درة روايات الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز.

هل كان لقارئ أن يعايش زمن المماليك، ويتسوّر جدرانهم ويتسلّل إلى داخل أروقتهم وحماماتهم بل وحريمهم، لولا أن يقرأ رواية “السائرون نياما” للمصري سعد مكاوي، أو أن يشم العرق الممزوج برائحة الغيطان، ويختبر المخاض المكتوم تحت أنفاس الخوف، دون أن يقرأ رواية “الحرام” لصاحبها يوسف إدريس..

كم من رواية أثرت خيالنا وأشبعت شغفنا باكتشاف الحياة ومعايشة الشخصيات والتجارب، بطريقة لا تستطيعها الكتب. إنها الميزة الأهم لكتابة الرواية، ميزة التخييل، أن ينسج الكاتب الروائيّ الحياة نفسها من خيوط الواقع والخيال، ثم يمنحها لقارئ الرواية لحافا يلتحف به ويعيش بداخله، كأنما يعايش حلما.

قد يصف لك الجبرتي بدقة المؤرخ العتيد، تلك الحوادث التي عاينها كشاهد عيان، لكنك ستظل بعيدا عن معايشة الحملة الفرنسية على مصر من قلب القرى ومن داخل البيوت، حتى تلقي بنفسك بين صفحات “تغريبة بني حتحوت”، للروائي والسيناريست المصري مجيد طوبيا.

ربما تشاهد عشرات الأفلام الوثائقية عن التهجير، وعن أولئك المتسللين عبر الأسلاك الشائكة في محاولة للوصول إلى قراهم المحاصرة، لكن أنّى لك أن تقطع بنفسك هذه الأسلاك، وتزحف ببدنك فوق صخور المغارات لأجل ساعة وصال مع محبوبتك، لن تفعل ذلك وتعيشه بحق دون أن تقرأ “باب الشمس”، للروائي اللبناني إلياس خوري.

إنها الرواية، عصا الساحر التي يمسك بها القارئ ويلقي تعويذته، فينفتح أمامه ألف باب وباب، يلج عبر أي منها ويخوض مغامرة محسوبة وآمنة، قبل أن يعود من جديد وقد عايش حياة تضاف لعمره، دون أن ينتقص شيء يُذكر من نصيبه من السنوات. كل ما عليك عزيزي القارئ أن تحسن الاختيار، أن تنتقي الروايات المكتوبة بفن، المغزولة بوعي وحرفية، وبحسّ صادق شفيف يلامس الحياة.

سرد يكشف خفايا الواقع والتاريخ (لوحة للفنانة جلناز فتحي)
سرد يكشف خفايا الواقع والتاريخ (لوحة للفنانة جلناز فتحي)

 

14