مارسيل خليفة يعيد تصور عالم الشاعر محمود درويش بطريقته

"مارسيل، محمود وأنا".. تكامل فني بين الشعر والموسيقى.
السبت 2022/08/13
محمود درويش الحاضر الغائب في عرض مارسيل

شكل اللبناني مارسيل خليفة والفلسطيني محمود درويش مشروعا فنيا ملتزما بقضايا الإنسان والوطن، وحتى وفاة الشاعر لم تضع حدا لهذا المشروع، وإنما ألهمت الموسيقي للاشتغال أكثر على نصوص صاحبه الشعرية، فيخلد ذكراه وذكراهما معا وكذلك ذكرى كل القضايا التي عبّر عنها درويش بالقلم بينما خلق منها خليفة نوتات موسيقية.

تونس - بين ثنايا اللحن والقصيدة التي شكلها الثنائي، الفنان اللبناني الملتزم مارسيل خليفة وشاعر المقاومة والجرح الفلسطيني الراحل محمود درويش (1941 – 2008)، وإحياء لذكرى وفاة الشاعر الكبير، اختار مارسيل ونجله بشار مار خليفة، تكريم ذاكرة موسيقية وشعرية خالدة تأبى النسيان عبر عرض موسيقي خاص بعنوان “محمود، مارسيل وأنا”.

وألف بشار مار خليفة الموسيقى وابتكر العرض في إعادة تصور لعالم محمود درويش ومارسيل خليفة غناء وعزفا على العود، بعد أن سبق عرض هذه الموسيقى للمرة الأولى في فيفري 2020، ثم انطلق سنة 2021 في جولة فرنسية ودولية، إلى أن حلّ ضمن فعاليات الدورة السادسة والخمسين لمهرجان الحمامات الدولي.

وفاء للقيم المشتركة

مارسيل ودرويش شكلا ثنائيا بين الموسيقى والشعر وكانا حالة تكامل فني مستمرة، لم تنته حتى برحيل الشاعر

بدأت حكاية العلاقة الفنية بين مارسيل خليفة ومحمود درويش بعد الحرب الأهلية في لبنان التي انتهت في العام 1990، حيث لجأ مارسيل إلى العزلة في بيته وكانت لديه دواوين محمود درويش.

حينها فكر الفنان في تلحين القصائد وأدائها، حيث يقول “أحسست بأن شعر محمود درويش قد أنزل علي فطعم خبز أمه كطعم خبز أمي وكذلك عينا ريتا ووجع يوسف من طعنة إخوته وجواز سفره الذي يحمل صورتي أنا وزيتون كرمله، رمله، عصافيره وسلاسله، محطاته وقطاراته، رعاة بقره وهنوده، كلها سكناه في أعماقه”.

وسرعان ما بدأ مارسيل خليفة بتلحين “وعود من العاصفة” من ديوان “عاشق من فلسطين” والذي كتبه محمود درويش في السجن ومن ضمنها قصيدة “أحن إلى خبز أمي” والتي كتبها على قصاصة ورق ليغنيها مارسيل لاحقا وتغدو نشيدا وطنيا للحنين إلى الأمهات أحياء كن أو أمواتا.

جاءت بعدها أغنية “ريتا” نشيد الحب المقتول في الحرب وهي أول قصيدة حب لدرويش لتصبح رثاء المتحابين في ظلال الحروب، ثم لحن مارسيل قصائد أخرى، إلى حين التقى بمحمود درويش بعد سبع سنوات من صدور أسطوانة “وعود من العاصفة” وقد أحيا عدة حفلات مشتركة بين الشعر والغناء في قاعات اليونيسكو وفي جرش وفي فاس وفلادلفيا.

ثم رحل الرفيقان إلى باريس وأكملا مسيرتهما الفنية، فجاءت غنائية “أحمد العربي” بعد أن لحنها مارسيل في باريس إثر خروجهما من لبنان في 1982 بسبب الحرب.

ويذكر أن درويش كان قد كتبها في عام 1977 وقت أحداث مخيم تل الزعتر في لبنان، لحقتها عدة أعمال «أمر باسمك، في البال أغنية» لكن ظل درويش يسأل عن قصيدة “يطير الحمام”.

شكل مارسيل ودرويش ثنائيا بين الموسيقى والشعر وكانا حالة تكامل فني، لم تنته حتى برحيل الشاعر، فالموسيقي قرر استمرار العمل على أشعار صاحبه، تخليدا لذكرها ووفاء للقيم والمشروع الفني المشترك.

يقول مارسيل في رثاء صديقه الشاعر "وحدك يا محمود أقمت في الضفة الأخرى من القلب لا معنى يشبعني إلا ما تبعث.. لم تكتب قصيدتك الأخيرة كي نهيئ أنفسنا للمراثي فلم تستعجل الغياب وأنت السؤال وأنت الجواب وأنت القضية".

شراكة ثلاثية

مارسيل اعتاد أن يغني درويش
مارسيل اعتاد أن يغني درويش

عزف الموسيقي اللبناني مارسيل خليفة، على مسرح الحمامات، وشدا بألحان الحب والحنين إلى الأرض والوطن والتوق إلى الحرية في ذكرى رحيل صديقه الشاعر، واستمتع الجمهور بأداء نجله بشار مار خليفة على آلة البيانو وساري خليفة على آلة الكمان برفقة أربعة عازفين على الغيتار والأكورديون والساكسفون والتشيللو.

واستهل الموسيقي اللبناني الليلة بأغنية “بيروت” تكريما لأرواح ضحايا انفجار المرفأ الذي هز العاصمة اللبنانية قبل عامين.

وغنى من روائع قصائد درويش “هذا البحر لي” و”نلتقي بعد قليل” و”خائف من القمر” و”أنا يوسف يا أبي” و”إلهي لماذا تخليت عني” و”نعرف الماضي ولا نمضي”.

الفنان اللبناني مارسيل خليفة منغمس منذ نحو عامين في كتابة موسيقى أوبرالية لقصيدة {جدارية} للشاعر محمود درويش

ويمكن القول إن مارسيل خليفة أوفى الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش حقه في هذا العرض الذي استحسنه الجمهور وصفّق له طويلا وبحرارة، وهو يترجم مقولة مارسيل الشهيرة متحدثا عن أشعار درويش “الله خلقني من أجل قصائده”.

وبإلحاح من الجمهور قدم خليفة أغانيه التي حفرت عميقا في ذاكرة الشعوب العربية “ريتا” و”في البال أغنية” و”يطير الحمام”.

وكشف خليفة في مؤتمر صحافي بعد العرض أنه منغمس منذ نحو عامين في كتابة موسيقى أوبرالية لقصيدة “جدارية” لمحمود درويش، مشيرا إلى أنه تخلى مكرها عن جزء كبير من الجدارية بسبب طول المساحة الزمنية.

وصدرت الجدارية، في طبعتها الأولى في عام 2000، وفيها تجربة مواجهة الشاعر للموت، عندما يعلن “هزمتك يا موت الفنون جميعها”.

وتقع القصيدة في 96 صفحة، تبدأ بلحظة وتنتهي في ختام القصيدة بتوكيدها، وتفصل بن هاتين اللحظتين مجموعة من الحركات تولد مجموعة من التحولات.

ويصوغ محمود درويش نسيج جداريته من نصوص ذات مرجعيات مختلفة على شكل اقتراضات وشواهد وإلماعات وقرائن، بما يعكس ثقافته واختياراته الجمالية.

ويعتبر بعض النقاد أن هذه الجدارية، تحكي بلغة الشعر والتجلي سيرة مواجهة حوارية بين الذات والعالم، بين الذات والموت، فهي مواجهة تستثير غبار الأسئلة الحارقة وتستبطن أقاصي الروح وأقاصي الكلام وتخوم الذاكرة القصية.

15