لماذا لا يهتم الغرب بما نكتب

مخيف أن تكون رواية "أولاد حارتنا" وبقية روايات محفوظ هي الاستثناء.
الأحد 2020/11/08
نجيب محفوظ نقل أحياء القاهرة إلى قارئ غربي

تقريبا عدا نجيب محفوظ لم يحقق كاتب عربي انتشارا عالميا كبيرا. قد تتعدد الأسباب ويتفاقم معها الجدل، لكنها تبقى ظاهرة محيرة ومليئة بالمفارقات، فمثلا ازدادت ترجمات الأدب العربي إلى اللغات الأخرى، ولو بنسق بطيء، لكنها لم تحقق النجاح والانتشار المطلوبين، رغم أن العوالم العربية مغرية لجل قراء العالم لاكتشافها. إنها معادلة معقدة تحتاج إلى تفكيك صارم وجاد.

أحب أن تتعرفوا على البروفيسور ريتشارد فينتر. هو أستاذ هندسة منظومات السيطرة المثالية في جامعة بريطانية مهمة. في منتصف عام 1989، كان لديّ موعد معه لمناقشة شأن بحثي. غرف الأساتذة في الجامعات البريطانية تخلو من أيّ فخامة وصغيرة نسبيا. أكوام من الأوراق البحثية ومكتبة جانبية لأهم الكتب في تخصصه، ومنها كتبه، وعدد من كتب قراءاته الخاصة.

لفت نظري الكتاب أعلى المجموعة، لأنها مكدسة على جانب المكتب. كان رواية نجيب محفوظ “زقاق المدق”. نسيت البحث وانطلقت أتحدث عن نجيب محفوظ الذي فاز قبل أشهر بنوبل للآداب. اكتشفت أن فينتر قرأ عددا من روايات محفوظ من قبل نوبل. روايات محفوظ المترجمة فيها ما يقرأ. إذا أسعفتني الذاكرة فإن “زقاق المدق” ترجمت في الستينات.

نجيب محفوظ الاستثناء

الآلاف من المثقفين العرب في المهجر كانوا قادرين على تعلم اللغة ونقل إحساس الكاتب إلى عالمهم الجديد

في طريق العودة إلى البيت دخلت إلى مكتبة محطة القطار. ذهبت إلى قسم الروايات، فوجدت عددا معتبرا من روايات محفوظ المترجمة. المكتبات تتابع ما يحدث في عالم الأدب ولا تضيع فرصة نوبل.

بعد سنوات مررت على نفس الرفوف، فوجدت أن روايات محفوظ لا تزال معروضة مما يعني أنها مطلوبة. عدد الأرفف في مكتبات محطات القطار ليس بالكبير، وهم يبقون الكتب التي تباع أكثر من غيرها. مرة أخرى استنتجت أن في روايات محفوظ المترجمة ما يقرأ.

في معرض إشادتها بمحفوظ، ذكرت لجنة نوبل أنه نقل الحياة في أحياء القاهرة إلى قارئ غربي تثيره مصر، رمز الشرق في مخيلة الأوروبيين. القدرة الوصفية للروائي كانت متينة حتى عندما تنقل أعماله إلى لغة أخرى. هذا ما جعل من الوارد الإقبال على ترجمة محفوظ مبكرا.

هل أفادته الترجمة للوصول إلى نوبل؟ لا شك أنه كان لها دور. ولكن لو نتخيل أن رواياته كانت ضعيفة وركيكة. ماذا بوسع المترجم أن يفعل لها حتى لو كان مأمورا بترجمتها؟ المثل الإنجليزي يصف هذا النوع من الأعمال ببساطة. يتخيل عملية الترجمة بصندوق ميكانيكي أو إلكتروني. “غث يدخل.. غث يخرج”.

نهم للترجمة

الغرب نهم لترجمة الأعمال من لغات أخرى. نهم متبادل بين اللغات الأوروبية، ونهم حاضر للترجمة من اللغات الأخرى خصوصا من شرق آسيا وشبه القارة. ثمة سوق حقيقية لهذا الإنتاج الأدبي. حتى من دون نوبل، تستطيع روايات صينية ويابانية وهندية وتركية أن تسجل حضورها الملموس في عالم الأدب المترجم. شعر الهايكو صار يقلد غربيا (وعربيا) بسبب الترجمة.

سأترك كل التفسيرات لأصحابها. سأتمسّك بفكرة السوق. لو وجدت السوق للإنتاج العربي الأدبي والشعري المترجم، لكان هناك من يهتم ويترجم. ولانعدام السوق ثمة أسباب نفسية وثقافية وما يتعلق بمستوى الإبداع. السبب السياسي لصالح المنتج الأدبي العربي المترجم لأن العالم يريد أن يفهم ما يدور في عقل العربي ولماذا كل هذا الغضب من نفسه وعلى الآخرين.إلا العربية. لا تنتهي شكاوى الأدباء والشعراء العرب من إهمال العالم لهم وعدم ترجمة أعمالهم. وتزدحم التفسيرات. من تراجع المستوى لإنتاج الأدباء والشعراء، إلى المؤامرة لمنع وصول “الإبداع” إلى اللغات الأخرى، وصولا إلى تراجع استثنائي في عدد المترجمين من العربية إلى لغات أخرى.

فلنأخذ أعمالا تمت ترجمتها بعد أن فازت بجوائز ثقافية وأدبية عربية. تتم الترجمة كجزء من احتفاء المؤسسات المانحة بالعمل الفائز. وهي بالعموم مؤسسات غنية تتبع دولا ثرية. لا تكتفي هذه المؤسسات بالترجمة، بل حريصة على الحضور في كل معارض الكتب العالمية، من فرانكفورت إلى لندن. الطباعة فاخرة والترجمة جيدة والتسويق حاضر. ولكن النتيجة ضعيفة. ينتهي الأمر بإهداءات هنا وهناك، وتتحير المؤسسات المشاركة في المعارض في النسخ الباقية وكيفية إعادة شحنها. ثمة مشكلة حقيقية.

صدمة المحلية

رمز الشرق في مخيلة الأوروبيين
رمز الشرق في مخيلة الأوروبيين

الأمر ليس محصورا بالترجمة إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية. هذه لغات مغرورة لأسباب تاريخية. نفس المشكلة تتكرر مع الإسبانية. قارة ونصف من دول العالم الثالث تتحدث الإسبانية. من حدود تكساس وفلوريدا وأريزونا وكاليفورنيا في الولايات المتحدة مرورا بأميركا الوسطى ووصولا إلى تشيلي في جنوب أميركا اللاتينية.

مئات الآلاف من شعوب بمئات الملايين من الفقراء والبسطاء الناطقين بالإسبانية سيكونون مهتمين بمطالعة ما يكتبه مسحوقون مثلهم باللغة العربية. تنصدم بعدد ما ترجم وما نشر أو بيع بالإسبانية في تلك الدول. تنصدم أكثر عندما تعرف أن عشرات الملايين من مواطني هذه الدول هم من أصول عربية هاجروا أو هاجر آباؤهم وأجدادهم على مراحل وصاروا ناطقين بالإسبانية. الفضول موجود، لكن الإنتاج الأدبي العربي وترجمته هما المشكلة.

ينبغي أن نشير إلى مترجمين غربيين “فدائيين” وناشرين أكثر فدائية. يترجمون ويتحملون الكلفة ويراهنون على المكتبات العامة وعلى التزام من المؤلف أن يشتري عددا معقولا من النسخ. هذه تنتمي إلى أعمال الصدقة.

نقص المترجمين أيضا مشكلة. من الصعب العثور على تفسير لتواجد الآلاف من المثقفين العرب في المهجر على مدى عقود من دون أن يكلّفوا أنفسهم تعلم لغات أوطانهم الجديدة. كانوا هم الأكثر قدرة على نقل إحساس الكاتب إلى عالمهم الجديد. تصبح محبّا لترجمة غوغل الآلية الركيكة عندما تقرأ ترجمة لمترجم
عربي ينقل لغته إلى لغة بلد الإقامة.

مخيف أن تكون رواية “أولاد حارتنا” وبقية روايات محفوظ هي الاستثناء. مخيف بنفس المستوى أن لا نصل إلى السبب لفهم كل هذا الانقطاع عن الوصول إلى العالمية.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الثقافية اللندنية

10
مقالات ذات صلة