لغة السينما تتحدى كل لغات الفنون الأخرى وتتماثل مع الحلم

"أفلام الدراما النفسية والباراسيكولوجي" كتاب يفكك الدراما الجديدة وما لها من أثر كبير على الجمهور لارتباطها بالتغيرات الاجتماعية والثقافية المختلفة.
الجمعة 2019/05/17
الشخصيات السينمائية تخرج من الأحلام

نجحت السينما في أن تسيطر بشكل كبير على مختلف الفنون الأخرى لتطوعها إلى مجالها الذي يبدو مفتوحا على المطلق، وإن تمكنت من استقطاب فنون أخرى كالأدب والموسيقى والتشكيل وغيرها، فإنها كذلك نجحت في استقطاب العلم، ومن ذلك علم النفس الذي خلقت من خلاله عوالم جديدة من الدراما النفسية.

تقدم الباحثة والمخرجة السينمائية نادين إيهاب في كتابها “أفلام الدراما النفسية والباراسيكولوجي” دراسة نظرية وتحليلية في الظاهرة النفسية في السينما وما لها من أثر كبير على الجمهور لارتباطها بالتغيرات الاجتماعية والثقافية المختلفة بما في ذلك صناع الفيلم، مؤكدة أن مصطلح “التحليل النفسي” يعد أحد أهم المصطلحات المعنية بدراسة التجربة الفيلمية، بل هو الذريعة الأساسية التي شكلت كل الدراسات الحديثة في السينما.

وترى الباحثة أنه لا توجد وسيلة فنية تستطيع أن تترجم وتجسد التجربة السيكولوجية من ظواهر نفسية، مثلها في ذلك مثل الوسيط الفيلمي، وهو ما أدى إلى انبثاق نظريات نقدية متعددة محاولة تفسير وتحليل الظاهرة السيكولوجية في الأفلام، سواء من خلال المنظرين الأوائل الذين اهتموا بدراسة الفيلم كتجربة واعية، أو الدراسات الحديثة التي اهتمت بالتجربة اللاواعية من قبل المشاهد.

السينما والحلم

في كتابها الجديد حللت إيهاب أفلاما مثل “سطوع” و“البجعة السوداء” و“عقل جميل” و“نادي القتال” و“الآخرون” و“الحاسة السادسة” وغيرها، وانطلقت في دراستها من أن مصطلح “الباراسيكولوجي” يتداخل في علاقة شرطية مع الظاهرة السيكولوجية، حيث أن إضافة البادئة الإغريقية para- التي تعني: وراءـ إلى مصطلح “علم النفس” أنتجت مصطلحا محددا مشتقا من علم النفس يشير إلى بحث روحي من المحتمل أن يكون بحثا في العقل، لكن ليس بالمفهوم البسيط لعلم النفس، بل تلك القدرات المنسوبة إلى الإنسان والتي تتجاوز شروط الإدراك الاعتيادي الذي يقع موطنه في اللاوعي.

أفكار التحليل النفسي ساعدت السينمائيين في استخدامها لتغيير أشكال السرد التقليدي وألهمتهم أفكارا وطرقا مبتكرة

وأوضحت الباحثة أن العلاقة بين الظاهرة الباراسيكولوجية وفن الفيلم علاقة متداخلة وشرطية، فالطريقة التي يختبر بها الأشخاص المستبصرون تجاربهم مع الظاهرة غالبا ما يصفونها بمصطلحات سينمائية، إلا أن طبيعة الموضوعات الباراسيكولوجية تم تصديها بشكل نمطي في صناعة السينما من خلال نوعيات فيلمية محددة مثل فيلم الخيال العلمي، الرعب والجريمة، والتي ساهمت في تشكيل رد الفعل الجمعي عن القوى الباراسيكولوجية.

 وتلفت إيهاب إلى أنه قد تم استغلال الجوانب السلبية للظاهرة وتصوير الوسطاء الروحيين وأصحاب القوى الباراسيكولوجية على أنهم وحوش خطرة أو أقلية من الأفراد المنفصمين، حتى وصل الأمر لتصوير الفضائيين بصفات مقززة لتشويه حقيقة القوى الباراسيكولوجية، هذا من ناحية، بسبب طمع صناع هوليوود وشغفهم باستكشاف الدلالات الأكثر روعة للقوى الباراسيكولوجية والمبالغة فيها لجعلها درامية أكثر ولتوفير مساحة للمؤثرات الخاصة المبهرة، وعلى الناحية الأخرى فهذا أيضا تسبب في عدم ارتياح عام حول طبيعة القوى الباراسيكولوجية ونفيها نتيجة مجموعة المفاهيم الخاطئة والأساطير الضعيفة عن أصول وآثار الخبرات مع ما وراء الطبيعة والقوى الخارقة، ففكرة هذه القوى تتحدى منطقنا في فهم الحقيقة وتتحدانا على مستوى علم الظواهر وعلم المعرفة أيضا، هذه الحالة العقلية تنعكس بوضوح في مرآة السينما.

ورأت إيهاب أنه إذا كان الفن والحلم وجهين لعملة واحدة، فالسينما هي من أكثر الوسائل تعبيرا عن آليات عمل الحلم سواء كان ذلك من الناحية النفسية، أو من ناحية تصوير موضوعات حلمية داخل الدراما الفيلمية.

وقالت “الحلم يشبه صورا متحركة أو عرضا دراميا يكون دور الحالم بلا وجود مادي، إذ هو المشارك والمشاهد معا: ورغم أن الحلم هلوسة، ذلك لأنه ليس له وجود مادي حقيقي ملموس، فإن خبرة الحالم به هي أن يكون في وضع كأنه يرى شيئا حقيقيا، تبدأ هذه الحالة التي نجد فيها آلية الحلم مع آلية عمل السينما، عندما يغمر الظلام صالة السينما وينبعث الضوء من سطح الشاشة، هنا تظهر نقطة الانطلاق للفيلم، حيث تصبح السينما هنا ميدان سحر تتحد فيه العوامل السيكولوجية والبيئية لخلق أفق مفتوح أمام الدهشة والإيحاء، لتحرير العقل الباطن، إنها الموضع المقدس حيث الطقوس العصرية المتأصلة داخل ذاكرة تمتد جذورها إلى ماض سحيق ورغبات كامنة تحت نطاق الوعي، تمارس في الظلام وبمعزل عن العالم الخارجي”.

السينما ميدان سحر تتحد فيه العوامل السيكولوجية والبيئية
السينما ميدان سحر تتحد فيه العوامل السيكولوجية والبيئية

وأكدت أن لغة السينما تتحدى كل لغات الفنون الأخرى في القوى التأثيرية التي تتماثل فيها مع الحلم، فالفيلم يؤثر على الحواس أكثر بكثير من الفنون الأخرى، فهو يخاطب مباشرة اللاوعي، فلغة الأحلام ليست شكلا مجردا من الاتصال مثل السرد، ولكنها لغة الصورة التي تحمل المعاني الخفية على المستوى الكامن والتي تتماثل مع لغة الفيلم التي تتشكل من خلال الصور والأصوات والتي تحتوي على مضامين تخاطبنا على المستوى البدائي أو اللاواعي.

إن الحركة الديمومية للصور التي لا نستطيع أن نوقفها ونحن نشاهد الفيلم والتي تسمح لنا بأن نستوعبها على مستوى اللاوعي فقط؛ لأنه من المستحيل التركيز على كل معلومات الصورة التي تظهر على الشاشة في وقت واحد، وسيكون علينا دائما أن نتجاهل جزءا مما نراه مقابل التركيز على جزء آخر، ولكن ما لا نراه بشكل واع مازلنا نراه بشكل “لاواع” لأن ما نعتقد أننا لم نره أو لم نركز عليه تتأثر به الـ“هو” أو اللاشعور.

الدراما النفسية

مرآة السينما
مرآة السينما

نبهت نادين إيهاب إلى أن هناك فرقا بين أفكار التحليل النفسي التي ألهمت كثيرا من مبدعي السينما لتقديمها في أفلامهم وبين “علم نفس الأمراض” وذلك نتاج نمو علم النفس في الخمسين سنة الأخيرة نموا كبيرا.

وهذا الأخير يبحث في دراسة ظواهر السلوك المنحرف واضطرابات الشخصية والوصول إلى معرفة الأسباب التي أدت إلى نشأتها، وتحديد طرق تفاعلها وما يترتب عليها من آثار في طريقة حياة الشخص وأسلوب تعاونه مع الآخرين.

ومن هنا جاءت السينما بإسهامة فعالة في قدرتها على تقديم اضطرابات المرض العقلي والنفسي، وأن يكون لها تأثير فعال في تشكيل وعي المشاهد لإدراك وفهم المرض العقلي؛ خاصة أن كثيرا من الناس على غير علم أو دراية بمشكلات هؤلاء الأشخاص الذين يعانون كل يوم، وهم ليسوا بالقلة.

وأوضحت أن أفكار التحليل النفسي ساعدت كثيرا من السينمائيين في استخدامها لتغيير أشكال السرد التقليدي، وألهمتهم أفكارا وطرقا مبتكرة، وأساليب غير تقليدية وحديثة لسرد قصصهم ومكنون شخصياتهم. بالتبعية أدرك نقاد الفيلم أن النجاح الجماهيري لبعض الأنواع الفيلمية له علاقة وطيدة بما تقدمه هذه الأفلام لسيكولوجيا مشاهديها وذلك بأعمال قلق اللاوعي المتأصل في التركيبة السيكولوجية لنا جميعا، ليأتي التصنيف “السيكولوجي أو النفسي” معلنا عن نفسه في نظرية “النوع” مرتبطا بنوعيات أفلام بعينها، معبرا عما تقدمه تلك الأفلام لمشاهديها، من استخدام للظاهرة السيكولوجية في الدراما الفيلمية.

وفي هوليوود استخدم مصطلح “الدراما النفسية” ليجمع بين أكثر من نوع فيلمي متلاعب بالظاهرة النفسية لجذب أكبر عدد من الجماهير لشباك التذاكر، بينما اتخذ صناع الأفلام الأجانب ذلك المصطلح لتصوير العالم الداخلي للشخصيات، تلك الحالة النفسية المعقدة التي تدور حول الشخصية الرئيسية وتضعها على حافة الجنون، إنه نضال غامض ومعقد بين عالم الشخصية الداخلي والواقع، وجاء التصنيف النفسي معلنا عن نفسه على مستوى أفلام “الإثارة” التي تعد واحدة من أوسع التصنيفات للأفلام وأكثرها غموضا.

السينما تحرر العقل الباطن
السينما تحرر العقل الباطن

 وتعتمد أفلام الإثارة على التشابك والتعقد في الحبكة الفنية وأغلبها ذات “الحبكة التشويقية” أفلام التشويق، وذلك لخلق الخوف والرهبة للمشاهد أو عرض المواقف الدرامية بأقوى حدة ممكنة، وهو ما أوضحه هتشكوك في حواره مع تروفو: بأنه يجب إشراك المتفرج في الجريمة وكيفية حدوثها؛ لأن هذا الإشراك هو الذي يولد عنصر الإثارة، وهي ليست نوعا مستقلا بذاته، بل تشمل أفلاما تابعة لأنواع واضحة مثل أفلام الرعب، الجاسوسية، العصابات والخيال العلمي، ويفرض علينا النظر لهذا النوع من ناحية جانبه الانفعالي، كفيلم الرعب حيث تم تصنيفه على أنه يعتمد على عنصري الفزع والخوف.

وأشارت إيهاب إلى أنه قديما كان الفارق الأساسي بين أفلام الرعب والإثارة هو الخصم الأساسي، في أفلام الرعب عادة ما يكون وحشا؛ أي كائن مغاير للإنسان، مما يجعل الخصم في أفلام الرعب بعيدا عن التعاطف والتوحد، بينما في أفلام الإثارة نجد أن الخصم يمكن أن يثير التعاطف بل يصبح جذابا ومثيرا للدهشة والإعجاب، أما اليوم فقد أخذ أبعادا أخرى، لم يعد الخصم في أفلام الرعب ذلك الكائن المغاير بل التحم بالذات، إن أفلام الرعب قريبة الشبه من أفلام الإثارة ولكنها لا تندرج تحتها.

ورأت أن فيلم الرعب هو شكل أقرب إلى كابوس وبينما الظلام الذي يتميز به فيلم الإثارة هو كابوس واقعي نعيشه بالفعل، فالعالم المظلم الذي يصوره “الفيلم الأسود” الذي يندرج تحت أفلام الجريمة أو الإثارة، هو تعبير نقدي فرنسي أطلق على الأفلام المثيرة.

15