لحسن الداودي وزير مغربي يبرع في فعل الشيء ونقيضه

الداودي وزير نموذجي وقيادي سياسي تتوافر فيه مواصفات حزبه السياسية، من حيث تفاوت درجة المصداقية، والتناقض والتلاعب بالتصريحات والمواقف.
الأحد 2019/04/28
وزير ضعيف أمام جشع اللوبيات

يوصف بالوزير سريع النرفزة والغضب رغم بشاشة وجهه، يمتاز بكثرة الكلام دون فعل، وعوده غير مدروسة ولم يتحقق منها شيء لفائدة المجتمع والدولة، سواء عند توليه منصبه السابق كوزير للتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر أو موقعه الحالي.

لحسن الداودي وزير الشؤون العامة والحكامة المغربي المثير للجدل الذي يقول الشيء ويفعل نقيضه وخرجاته وتصريحاته كثيرا ما تجلب له انتقادات بالجملة. فهذا الوزير المنتمي إلى حكومة يقودها حزبه العدالة والتنمية بدل أن يبدع حلولا عملية بالنظر إلى صلاحياته، يجده المواطنون مثالا للتناقضات واللعب على حبال الجميع.

لا يعرف شيئا عن الفقراء

الدوادي ولد عام 1947 بفم أودي ببني ملال، صعد إلى مصاف القيادات المتحمّلة للقرار الاقتصادي والاجتماعي وهو متسلح بعدد من الشهائد الأكاديمية، دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية بكلية الحقوق بفاس، ودبلوم السلك الثالث بجامعة ليون بفرنسا، ودبلوم الدراسات العليا في العلوم الاقتصادية، إضافة إلى الإجازة في العلوم الاقتصادية بنفس الجامعة.

والواقع أن شخصية الداودي تجمع الكثير من المتناقضات، فهو نشأ في أسرة ميسورة ولم يعرف آفة الفقر والعوز، وخلال دراسته الجامعية في فرنسا كانت تطغى عليه النزعة الاشتراكية فكرا وممارسة وانخرط في فصيل الطلبة الاشتراكي داعيا إلى سلوك تحرري.

وبعد عقود من التحصيل الأكاديمي والممارسة السياسية دخل الداودي العمل السياسي بانضمامه إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، الذي سيتحول بعد ذلك إلى العدالة والتنمية، وانتخب عضوا للأمانة العامة بالحزب منذ 1996، ثم نائبا للأمين العام منذ 2001 إلى الآن.

نتساءل كيف يراه إخوانه داخل الحزب، لكن هذه المسألة تحكمها النسبية في الأحكام، فهناك من يجده خارجا عن التأطير، في حين يراه آخرون طبيعيا في تعامله. وعلقت القيادية أمنة ماء العينين أن الداودي وزير “من وزراء العدالة والتنمية الذين تجمعنا بهم علاقة إنسانية متميزة رغم الاختلاف الحاد في بعض الأحيان في وجهات النظر وزوايا مقاربة قضايا متعددة. وزير بشوش لا يحمل في قلبه أحقادا رغم تباين وجهات النظر. لا يلتقيك إلا مبتسما”.

صراع مع لوبيات المحروقات

جشع شركات الاستثمار في قطاع المحروقات في المغرب وفشل الحكومة في تسقيف ثمنها، يعودان كما يقول العارفون بخبايا الأمور إلى جبن الوزير الداودي في الدفاع عن مصالح المواطنين
جشع شركات الاستثمار في قطاع المحروقات في المغرب وفشل الحكومة في تسقيف ثمنها، يعودان كما يقول العارفون بخبايا الأمور إلى جبن الوزير الداودي في الدفاع عن مصالح المواطنين

سلّطت الأضواء مؤخرا على الداودي بخصوص ملف قطاع المحروقات في المغرب، حيث أن جشع شركات الاستثمار في القطاع وفشل الحكومة في تسقيف ثمنها، يعودان كما يقول العارفون بخبايا الأمور إلى جبن الوزير الداودي في الدفاع عن مصالح المواطنين رغم ما عرف عنه من سلاطة لسان في كل مناسبة ومكان وحتى تحت قبة البرلمان كلما ووجه من طرف المعارضة.

فمهما أرغى وأزبد ضد كل ما له علاقة بالغلاء والأثمان والفقراء، سواء عندما كان برلمانيا أو متحملا لمسؤوليته داخل الحكومة، فهو لم يقم بالكثير من أجل إنصاف المواطن المغربي من سطوة الشركات الكبرى خصوصا في هذا القطاع الذي ترتبط به عضويا الدورة الاقتصادية. ولو أنه قال إن “تسقيف المحروقات جاء من أجل المغاربة، وله مساطر ومراحل أهمها الحوار الذي جمع الحكومة مع باقي الفرقاء المعنيين بالأمر”.

الداودي الذي حصل على درجة أستاذ محاضر في الاقتصاد، لم تسعفه نظريات الاقتصاد مع تغول الشركات، وتأكيده على أن الحوار نجح مع هذه الشركات وأرباب المحطات الذين تفهموا ما جاءت به الحكومة في قضية تسقيف الأسعار، وأنهم سيخضعون للقانون وبالصيغة التي أصدرتها الحكومة، إلا أن شيئا على أرض الواقع لم يتحقق.

وبعدما كشف مجلس المنافسة رأيه بشأن طلب الحكومة، المتعلق بتقنين أسعار المحروقات السائلة، معتبرا اختيار الحكومة تسقيف الأسعار غير كاف وليس مجديا من الناحية الاقتصادية والتنافسية، وكذلك من زاوية العدالة الاجتماعية. صب الداودي جام غضبه على المجلس، معتبرا أنه يتدخل في اختصاصات الحكومة وغير ملزمة برأيه نهائيا.

تسقيف أسعار المحروقات يشكل تدبيرا تمييزيا، يمكن أن يطبق على كافة المتدخلين، مهما كانت أحجامهم وقدراتهم، وهذا الإجراء يمثل خطرا حقيقيا، حسب مجلس المنافسة قد يضر بالمتدخلين الصغار والمتوسطين الذين ستتصاعد هشاشتهم، لكن هذا لم يقنع الداودي مشيرا إلى أن قضية تسقيف الأسعار أصبحت ضرورة، لأنه سابقا، وفي غياب مجلس المنافسة، فإن الشركات رفعت هامش ربحها الذي فاق الدرهم الواحد.

العبء المالي للسكّر

قررت الحكومة الشروع في رفع الدعم تدريجيا عن مادة السكر، وذلك لتقليص الانعكاسات المحتملة على أسعارها، وكذلك لتخفيف العبء المالي لدعم هذه المادة عن ميزانية الدولة وجعل الأسعار تخضع بالتدريج لقانون العرض والطلب. وبطريقة استعراضية أخذ الداودي يصيح في إحدى جلسات البرلمان، ويدعم موقف الحكومة، حاملا كيسا من سكر سنيدة أفرغه بالكامل أرضا، معتبرا أن هذا الدعم لهذه المادة يستفيد منها أصحاب المقاهي والفنادق والمخابز والشركات الكبرى أكثر من المواطنين البسطاء.

ويقول الداودي إن الدعم يذهب إلى جيوب الشركات الكبرى كون الدولة تدعم من ميزانيتها مادة السكر بـ3 ملايير و700 مليون درهم سنويا، تستهلك منها شركة المشروبات والحلويات حوالي 40 بالمئة وتخضع هذه الشركات لنظام “غير واضح لاسترجاع الدعم لفائدة الدولة”.

شخصية الداودي تجمع الكثير من المتناقضات، فقد نشأ في أسرة ميسورة ولم يعرف آفة الفقر والعوز، وخلال دراسته الجامعية في فرنسا كانت تطغى عليه النزعة الاشتراكية فكرا وممارسة، وانخرط في فصيل الطلبة الاشتراكي داعيا إلى سلوك تحرري لينتهي عضوا في حزب العدالة والتنمية الإسلامي

لكن الكثير من المراقبين يرون أنه كان على الوزير امتلاك الجرأة اللازمة واسترجاع مبلغ الدعم من هذه الشركات، غير أنه شدد على أن الحكومة عازمة على رفع الدعم سواء على السكر أو غاز البوتان، مطالبا البرلمانيين بالتصفيق للحكومة إن هي أقدمت على هذا القرار وعدم انتقادها.

هذا الكلام اعتبره بوعزة خراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية وتوجيه المستهلك، متناقضا شكلا ومضمونا، موضحا أن الحكومة تعاني من انفصام في الشخصية، ففي الوقت الذي يصرّح رئيسها سعدالدين العثماني حول رفع الدعم، يخرج  الوزير الداودي بنقيض هذا الأمر، محذرا من أن المساس بالأسعار هو مساس بالسلم الاجتماعي، ورفع الأسعار هو “تهديد لهذا  السلم”.

حزبه يطالبه بالاستقالة

شارك الداودي في وقفة احتجاجية لعمال “سنترال دانون” أمام مقر البرلمان للاحتجاج على أزمة مقاطعة منتجات استهلاكية في العام 2018، وطالب عددا من قيادات حزبه بإعفائه من مهامه الوزارية، وقد استجاب للضغوط وقدم استقالته من مهامه، خصوصا بعدما أبلغته الأمانة العامة لحزبه أن مشاركته “تقدير مجانب للصواب وتصرف غير مناسب”.

ولم تكن تصريحاته بخصوص شركة “سنطرال” آنذاك موفّقة، عندما عبر عن خوفه من أن المقاطعة تدفع المستثمر إلى الذهاب لأن هؤلاء ليسوا مغاربة، وهو ما تم تفسيره بأنه خوف على مصالح الشركات وابتعاد عن مصالحة الشعب، وهناك من قال إنه إذا لم يستطع الوزير التدخل لإيجاد حل للأزمة، فمن الأفضل له أن يسكت.

وكعادته في تبرير ما لا يبرر، قال الداودي إن الإصلاحات التي قام بها العدالة والتنمية غير شعبوية لكنها تخدم البلاد، وحتى مع تأكيدات الكثير من الاقتصاديين على أن هذه الحكومة قد انبطحت إلى توجيهات صندوق النقد الدولي في الكثير من قرارات الإصلاح والذي تسبب في ضرب القدرة الشرائية للمواطن البسيط، قال الداودي إن المغاربة سيعرفون قيمة إصلاحات العدالة والتنمية وعلى رأسها إصلاح صندوق التقاعد.

وكعادته في إرسال الكلام على عواهنه قال الداودي مؤخرا، إن المغرب يستحيل يوفر الشغل لكل المغاربة، مطالبا من الحكومة إعادة النظر في البرامج التي تمررها الحكومة دون فائدة، وهو عادة ما يربط بين الشغل وتقليص عدد من التخصصات في الجامعات المغربية ويحذر من خطر يحدق بالمغرب من ارتفاع أعداد طلبة الشعب الأدبية.

تصريحات لم تعجب أساتذة وطلبة الشعب الأدبية بل أحبطتهم، ولعلها تقتل في الأجيال القادمة الرغبة في التحصيل والنجاح في مسارها الدراسي، وقد سبق للداودي عندما كان وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر، أن وصف خريجي بعض شعب الجامعات المغربية، وخصوصا حاملي الإجازة الأدبية منهم، بالعالة على الآباء والمجتمع. مُهوّلا من ارتفاع طلاب الباكالوريا الحاصلين على شهاداتهم في الشعب الأدبية، والذين يشكلون خطرا على المغرب إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.

وبالعودة إلى العام 2012 وحتى لا يحسب في سجل العدالة والتنمية جمّد رئيس الحكومة السابق مشروع أداء رسوم التسجيل بكليات الطب والهندسة من طرف أبناء الميسورين الذي طرحه الداودي والذي شعر بالحرج بسبب هذا القرار، ولم يخف امتعاضه من موقف بن كيران الذي قبر مشروعه الهادف، برأيه، إلى إصلاح الجامعة المغربية.

لمن سنحمّل المسؤولية؟

الداودي المنتمي لحكومة يقودها حزبه العدالة والتنمية وزير يقول الشيء ويفعل نقيضه وخرجاته وتصريحاته كثيرا ما تجلب له انتقادات بالجملة
الداودي المنتمي لحكومة يقودها حزبه العدالة والتنمية وزير يقول الشيء ويفعل نقيضه وخرجاته وتصريحاته كثيرا ما تجلب له انتقادات بالجملة

ورغم تمرسه بمهنة التدريس، لكن وإلى حد الساعة، لم يعرف أحد سبب توجيه الداودي رسالة إلى رؤساء الجامعات بشأن التقليص من عدد المناصب المخصصة لأساتذة العلوم الإنسانية في أغسطس 2012، وقوله إن البلد ليس بحاجة إلى كليات الآداب، رغم أن التقدم الحاصل في دول أخرى قام على أكتاف علماء السوسيولوجيا والتربية واللغات إلى جانب المواد العلمية بكل تخصصاتها.

لا يقتنع الداودي بالمشهد السياسي الحالي ولا بالأحزاب التي تشتغل في فضاء البرلمان ولا على الأرض، ولا يرى سوى حزب العدالة والتنمية الذي يعتبره بقيادته وقاعدته صاحب دور هام في تأطير المجتمع سياسيا، ولذلك يقول إن “هذا ما جعل المواطنين يجددون فيه الثقة للمرة الثانية على التوالي، باعتباره جاء سنة 2011 ليكون قطيعة مع السابق والمغاربة صوتوا لنا لأنهم أرادوا التغيير”. متناسيا أن العزوف الانتخابي كان سببا ليتبوّأ حزبه الصدارة في استحقاقين انتخابيين وبشهادة أكثر من قيادة داخل العدالة والتنمية.

ومع ذلك استدرك الداودي أن الخطر الحقيقي على وجود حزبه أن يبقى وحيدا في الساحة السياسية مع عزوف الشباب على الذهاب إلى صناديق الانتخاب والانخراط في العمل السياسي، مشيرا إلى أنه لا يمكن أن يكون الحزب “وحيدا في الساحة وإلا مع من سنتحالف، نحن نحتاج أحزابا تتحمل مسؤوليتها في عملية الإصلاح”.

وكعادته في قول الشيء ونقيضه في ذات الوقت، فهو يطالب بأحزاب يتحالف معها وهذا مفهوم لأنه لا يريد تحمل عدم توفر حزبه على أطر كثيرة وذات كفاءة ولا يريد تحمل فشله لوحده، وها هو يستخف بالوضعية الراهنة لحزب “الأصالة والمعاصرة” قائلا إن مثله مثل شخص تم رميه من الطائرة دون مظلة، فكان مصيره أن “تشتت”.

لكن الداودي يميل إلى التحالف مع حزب “الأحرار”، وقد عبر عن استيائه من تصريحات بن كيران الأخيرة التي هاجم فيها عزيز أخنوش رئيس التجمع الوطني للأحرار، معتبرا خرجات بن كيران بالمحرجة للعثماني رئيس الحكومة وللحزب، واستغرب الداودي من تناقض بن كيران بين الأمس واليوم بعد أن كان يدعو إلى عدم انتقاد أو مواجهة حلفاء الحكومة.

لحس الداودي وزير نموذجي وقيادي سياسي تتوافر فيه مواصفات حزبه السياسية، من حيث تفاوت درجة المصداقية حسب درجة حرارة الطقس، ومن حيث التناقض والتلاعب بالتصريحات والمواقف.

8