لا رقص دون كرامة جسدية في أيام قرطاج الكوريغرافية

225 راقصا وراقصة من العالم يجتمعون في تونس ليعلنوا الجسد سيدا لكل الفنون.
الأربعاء 2019/06/12
لا صوت يعلو فوق صوت الجسد

تحت شعار “لا رقص دون كرامة جسدية”، تنظم المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية بتونس، من 14 يونيو وإلى غاية الـ19 منه، الدورة الثانية من أيام قرطاج الكوريغرافية، والنسخة الثانية من المهرجان الوليد ستجمع أكثر من 20 بلدا لتحتفي بالرقص في تونس.

تونس – يمثل الجسد في الدورة الثانية مكانا للذاكرة الحية من تظاهرة أيام قرطاج الكوريغرافية، التي تحتضنها تونس في الفترة الممتدة بين 14 يونيو الجاري وإلى غاية الـ19 منه، والتي أتت هذا العام للسنة الثانية على التوالي تحت شعار “لا رقص دون كرامة جسدية”.

وعن الشعار تقول مريم قلوز مديرة أيام قرطاج الكوريغرافية “من المعيش الحميمي والذاكرة الجماعية، تنسج من الجسد حكايات حيكت من الذكريات والنسيان.. الجسد يتذكر ويعيد خلق نفسه ويترجم ذكرياته ضمن كثافة رقصه وتلاشي حركاته”.

وتضيف لـ”العرب” “منذ تأسيسها في  يونيو 2018، اتّخذت أيام قرطاج الكوريغرافية ‘لا رقص دون كرامة جسدية’ شعارا لها، شعار يعلن رؤيته الفنية والمواطنية فكانت هذه الأيام فضاء للخلق والتفكير والمشاركة، فضاء نريده حرا، مواطنيا وملتزما”.

الجسد والذاكرة

الجسد مكان للذاكرة الحية
الجسد مكان للذاكرة الحية

ترتكز الدورة الجديدة من أيام قرطاج الكوريغرافية على الاستمرارية وتطرح على نفسها مساءلة كرامة الجسد الراقص من زاوية الذاكرة، وتونس البلد المنظم للأيام عاشت كغيرها من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العديد من الأحداث السياسية والانتفاضات الشعبية، والتحوّلات الجيوسوسيولوجية التي كان لها وقع على هذه المجتمعات، حيث بات فيها الجسد موضع تجاذب، ومن هناك اختار القائمون على هذه الدورة إعلاء لغته دون المساس من كرامته.

وتوضح قلوز “بالإضافة إلى برمجة فنية تسلّط الضوء على زخم وتنوع الإبداع الكوريغرافي الرفيع الحالي لبلدان الجنوب كقوة اقتراح، فإن أيام قرطاج الكوريغرافية تمثل فضاء للتفكير والحوار حول سبل التبادل في علاقة بالرقص وطرق نقله، والهدف من ذلك هو تدعيم الوعي العام بالثقافة الكوريغرافية والدعوة إلى الاعتراف المؤسساتي بهذا الفن الحي وإضفاء الطابع الرسمي على الترويج العمومي  للرقص كممارسة فنية في حد ذاتها”.

وتشمل أيام قرطاج الكوريغرافية لهذا العام ثلاثة عناصر، هي: البرمجة الفنية الدولية وتعزيز المشهد الفني التونسي، والتكوين في الرقص وأشكال انتقال ثقافة الرقص من خلال المحاضرات والنقاشات.

وتؤكد قلوز “بما أن الرقص بالنسبة لنا هو فعل فنّي بقدر ما هو فعل سياسي وهو ممارسة تترجم المفارقة الاجتماعيّة، ولأن الفن ضروري في عملية التحوّل الديمقراطي، فإن هذا المهرجان يمثل فضاء للحرية والمشاركة والفرحة”.

مريم قلوز: الجسد يتذكر ويعيد خلق نفسه ضمن كثافة رقصه وتلاشي حركاته
مريم قلوز: الجسد يتذكر ويعيد خلق نفسه ضمن كثافة رقصه وتلاشي حركاته

ومريم قلوز، فضلا عن كونها مديرة أيام قرطاج الكوريغرافية للدورة الثانية على التوالي، فقد عرفت الشابة التونسية بكونها إحدى الكوريغرافيات والراقصات اللواتي جمعن بين الجانب التطبيقي لهذا الفن وبين الجانب الأكاديمي، سيما وأنها أيضا أستاذة وباحثة جامعية مختصة في علم اللسانيات الاجتماعية وفي نظريات الأداء الفني.
وهي أيضا مؤلفة لعدد من الورقات العلمية متعلقة بما يسمى الجسد الراقص في الدول العربية والمسلمة، وتشتغل على بحوث عن تاريخ الرقص في الدول العربية وخاصة في تونس.
وتحصلت قلوز في مسيرتها على العديد من المنح الدراسية، وتدير حاليا مجموعة من الدراسات العلمية في مسائل متعلقة بالعلاقة بين الفن، الجسد والسياسة، كما درّست وكوّنت العديد من الراقصين في مجال الرقص الشرقي والمغاربي في العديد من المدارس والهياكل الثقافية.

وتقدم عرض الافتتاح الجمعة مجموعة “بارادوكسال” الفرنسية بمدينة الثقافة، تحت عنوان “ملكة الدم”، فيما عرض الاختتام يقدمه مصمم الرقص التونسي رضوان المؤدب، بعنوان “بحيرة البجع″.

وعرض الافتتاح، الذي يخرجه كوريغرافيا الفرنسي ذو الجذور الأفريقية عصمان سي مع راقصات مجموعة “بارادوكسال”، هو انتصار للمرأة فكرا وجسدا، حيث تطلق “بارادوكسال” راقصات براعتهنّ الفنية وتفردهنّ للكشف أو مساءلة ما يمكن أن تكون الأنوثة المُتحمّلة أو المفروضة من خلال الرقص والحركات.

وتمّ بناء “ملكة الدم” من رحم المسيرة والتجربة الشخصيّة لكل من الراقصات الثماني اللواتي سيقدّمن عرض الافتتاح في تركيز حميمي ونابض بالحياة ينزلق داخل جذور الشعبي الذي يتجدّد الآن.

ويعمل عصمان سي منذ ما يناهز الثلاثين عاما على ترجمة حركات لاعبي كرة القدم إلى رقصات، يستحضر عالمه الفنّي لغة تتكوّن من ركلات الأرجل، السباقات المتقاطعة، التفاعل بين حلقة الرّقص والخشبة ساعيا لانصهار الذات في المجموعة.

ويجمع تمشي سي بين إيقاع الهاوس الذي يحمل حكايات متقاطعة من أصل أفريقي المشبع بتراث الرقصات الأفريقية وجزر الأنتيل وتقنيات وفنيات كرة القدم، بحثا عن حركة تعبّر عن أنوثة متجدّدة ساعية لإثبات الذات.

أما عن حفل الاختتام الذي يخرجه الكوريغرافي التونسي المقيم في فرنسا رضوان المؤدب في أداء لفرقة باليه الأوبرا الوطنية لمقاطعة الراين الفرنسية بقيادة برونو بوشي، فيقدم فيه الكوريغرافي التونسي رضوان المؤدب رؤيته الخاصة لبحيرة البجع، رؤية يجمع فيها المؤدب بين ثقافتين وبين ضفتين، ويُسائل من خلالها أصوله في هذا العمل، ويخلق من خلاله مناطق شاعرية وخيالية مختلفة، ليؤسس كتابة فنية معاصرة ومتجددة.

فـ”بحيرة البجع″ لرضوان المؤدب هي نقطة التقاء بين موسيقى تشايكوفسكي والراقصين والمتفرج لإعادة بناء البنية الدرامية للعمل، مستعملا في ذلك أدوات الرقص الكلاسيكي بطرح معاصر.

ورضوان المؤدب الذي تلقى تكوينا مسرحيا وعمل كممثل في أكثر من عمل مسرحي تونسي وفرنسي، وجد في الرقص فضاء أرحب للحرية ومجالا أوسع للخلق والإبداع، فمنذ العام 2005 وهو يعمل في مجال الكتابة الكوريغرافية الجماعية والفردية على حد السواء، ففي أعماله تتلاقى الطاقات والرؤى في تمشّ إبداعي تجمع حصيلة تجارب إنسانية تسائل الزمن والجسد والحركة والأحاسيس.

وبين حفل الافتتاح والاختتام تقدم الدورة الثانية من المهرجان 225 فنانا، في 37 عرضا، 22 منها أجنبيا، علاوة على خمسة لقاءات وموائد مستديرة، وأربع ورشات، وثلاثة عروض رقص وبالي، وسبعة عروض أدائية، وخمسة عروض خارجية، وإقامة فنية، وعرض مسرحي، وحفل راقص شعبي مفتوح للجميع، وتتوزع العروض على خمسة فضاءات بالعاصمة تونس هي: مدينة الثقافة، مسرح الحمراء، مسرح الفن الرابع، مسرح الريو وساحة باب بحر.

بين جيلين

“بحيرة البجع″ الألفية الثالثة كما يراها مروان المؤدب
“بحيرة البجع″ الألفية الثالثة كما يراها مروان المؤدب

أيام قرطاج الكوريغرافية في دورتها الثانية، ستشهد أيضا تقديم لمسة وفاء لأحد أوائل أساتذة الرقص الشعبي التونسي، الفنان الراحل رضا العمروسي، كما ستكرم ثلاث راقصات نحتت أعمالهنّ معالم الرقص في تونس، وهنّ ملاك السبعي وإيمان سماوي وسندس بلحسن.

وملاك السبعي التي وشحت صورتها مع الشاب التونسي مروان أروين ملصق النسخة الثانية من المهرجان الدولي في إشارة من إدارة المهرجان إلى التواصل الحاصل بين جيل الشباب والمخضرمين، هي أول راقصة تونسية تنضم إلى المعهد الوطني للموسيقى والرقص بباريس، خاضت مسيرة مهنيّة على المستوى الدولي صلب عدّة فرق مرموقة قبل أن تعود إلى تونس لتقاسم شغفها وتناضل من أجل انضواء الرقص تحت العائلة الكبرى للفنون.

وهي كذلك كوريغرافية ومُدرّسة وراقصة تبحث دائما عن التوازن بين النضال كمواطنة والإبداع الفني، فمع جمعية “حي الرقص”، وضعت عدة مشاريع حول التكوين في الرقص، وعندما كانت عضوا في الشبكة العربية الأوروبية للرقص المعاصر والأداء، شاركت في ولادة العائلة الكوريغرافية التونسية.

وهي أنجزت كوريغرافيا عدة أعمال من بينها أعمال تسائل الموروث التقليدي التونسي، أما كمدرسة، فقد كرست السبعي عملها في تعليم التقنية الكلاسيكية ووضعت مشروعا للتكوين مع معهد غوته بتونس وجامعة بالوكا للرقص.

وفي العام 2017 عادت كمؤدية للرقص في العمل الأخير لرضوان المؤدب الذي قدم في مهرجان أفنيون.

ومن موسكو إلى نيويورك مرورا بميونيخ وريدجو إميليا وفرقة الشمال بفرنسا، أدت ملاك السبعي العديد من الأعمال لكوريغرافيين مشاهير مثل: هانز فان مانين، أنجيلين بريلوكاج جيري كيليان وإليسا مونتي، ومعهم شاركت في عروض مرجعية في الرقص على غرار “جيزيل”، “بحيرة البجع″، “دون كيشوت” و”كسارة البندق”.

لا رقص دون كرامة جسدية في أيام قرطاج الكوريغرافية
كتابة فنية معاصرة ومتجددة

16