كيف يغيّرنا العِلمُ يا أوفيليا؟

من يراقب المناخ العربي اليوم بتدقيق، سيرى أن تحولات الشخصيات الجانبية إلى مراكز في حكاياتنا الحقيقية، هو تحوّل لا رجعة عنه، ستكون له آثاره الكبيرة الجارفة.
الجمعة 2019/07/12
التغيير نظرية كونية جديدة

اعتقد الإنسان قبل قرون مضت، أنه قد قطع شوطا نحو التغيير، بعد أن طوى صفحة أن الأرض هي مركز الكون. وحين قلب فكره من أنه هو الذي تدور حوله كل القصص إلى كونه جزءا بسيطا من الصورة ذات التفاصيل الأخرى الهامة.

لكن هذا لم يكن كل شيء، فنحن نعيش الآن الانقلاب الجذري الثاني لفكرة المركزية.

كيف نفهم هذا في حياتنا اليومية؟ إذا لم يكن هناك مركز في الأدب على سبيل المثال، فإن هذا يعني أن كل الشخصيات في قصة ما، هي مراكز قائمة بحدّ ذاتها، وكل منها له قصته وأفكاره ومصيره.

وها نحن نرى كيف أن أوفيليا حبيبة هاملت لم تعد شخصية ثانوية كما رسمها شكسبير. بل إن السينما قدمتها مؤخرا في فيلم روائي طويل حمل اسمها وحدها، من بطولة ديزي ريدلي وكليف أوين، وفيه ظهرت أوفيليا بطلة مطلقة، بينما بدا هاملت والملك وشقيقه والملكة مجرد مساندين.

إن هذا التحول هو تحول علميّ بجدارة، لأننا ننظر إلى بنيان القصص من داخلها وخارجها معا، كما لو كنت أمام تجسيد ثلاثي الأبعاد لقاعة جلوس منزلية، بِتّ الآن تراها من جميع الزوايا، وصار بوسعك أن تحوّل هذا الركن اليوم، وغدا غيره، إلى نقطة استقطاب لأنظار ضيوفك.

غير أن التغيير لم يقتصر على عالم الفلك والأدب والديكور، لقد اتسع حتى بات نظرية كونية جديدة، آمن بها إنسان القرن الحادي والعشرين دون أن يشعر. مع أن العالم القديم، وفي الخارطة العربية منه خصوصا، ما زال بدائيا في هذا التصور.

عالم يشعر أنه بحاجة دوما لشخصية مركزية، حولها من هم أقل درجة. يحدث هذا في السياسة والمجتمع والتربية والإدارة والاقتصاد والرياضة. وبعد أن كانت المعرفة حكرا على الكهنة والمُفتين، ثم محصورة بالعلماء المتخصصين والمثقفين، نزع انفجار الاتصالات ووسائل التعلّم من أولئك امتيازهم.

فلم يعد المثقف والأب هما المركز ولا الأبناء الذكور دون الإناث. تُرى بماذا ستشعر الست أمينة في روايات نجيب محفوظ، التي اعتادت على أن تكون على هامش حياة زوجها سي السيد، أحمد عبدالجواد، فيما لو تمّ إنتاج فيلم عن حياتها وحدها؟

من يراقب المناخ العربي اليوم بتدقيق، سيرى أن تحولات الشخصيات الجانبية إلى مراكز في حكاياتنا الحقيقية، هو تحوّل لا رجعة عنه، ستكون له آثاره الكبيرة الجارفة.

24