كورونا يطرح بدائل سياحية جديدة

الوادي الملون في جنوب سيناء يستقطب عشاق التسلق والمغامرة.
الأحد 2020/10/18
سياحة لا تعرف الاسترخاء

مع تفشي أزمة فايروس كورونا لم يعد كبار السن والهاربون من الطقس البارد قادرين على السفر في زمن الجائحة، بالمقابل تنشط سياحة تقليدية تقوم على المغامرة واكتشاف أغوار الطبيعة، تلك التي يعتمد فيها الشباب على الترحال والتنقل بعيدا عن الفنادق الفخمة والشواطئ الذهبية. وبات “الوادي الملون” في جزيرة سيناء المصرية بفعل ألوانه، حيث تكسو جدرانه الحجرية لوحات ضخمة أبدعتها الطبيعة، وجهة جديدة تغري هؤلاء المغامرين.

 جنوب سيناء (مصر) – تشكل سياحة المغامرة واحدة من عناصر الجذب السياحي في شبه جزيرة سيناء في مصر، حيث تتيح للباحثين عن زيارة أماكن غير تقليدية، خوض تجربة سياحية استثنائية تمتزج فيها متعة التشويق والاستمتاع بالتواصل مع الطبيعة الخلابة.

ويُعد الوادي الملون، أحد أهم وجهات سياحة المغامرة نموا في جنوب سيناء، ونجح في أن يجتذب خلال السنوات الماضية أعدادا كبيرة من السياح، خاصة من الشباب لشدّ الرحال وقضاء  لحظات لا تُنسى داخل متاهة من الصخور الرملية المصبغة بالألوان، يصفها الزائرون بأنها من عجائب الطبيعة في مصر.

وعندما يتجول الزائر داخل الوادي يبهره تكوينه العجيب، ويكتشف سبب تسميته. ويقول الرحالة سعيد جمال الخولي في حديثه لـ”العرب”، “تكسو جدران الوادي الألوان الفضية والذهبية والقرمزية والبرتقالية والأرجوانية، وغير ذلك من ألوان امتزجت مع عروق الأملاح المعدنية، لتشكل لوحة فنية طبيعية تزداد روعة وجمالا مع تكاثر الخطوط على أحجاره الرملية والجيرية”.

ويضيف الخولي “الوادي عبارة عن متاهة من الصخور يصل طولها في بعض الأماكن حوالي 800 متر، وتشكل بفعل مياه الأمطار والسيول الشتوية التي حُفرت لها قنوات وسط الجبال، وتعد من المناظر المبهرة في جنوب سيناء”.

ويمثل الوادي الملوّن وجهة مثالية  للمستكشفين  والمغامرين ومحبي  التصوير وهواة المشي في البرية، لذلك لا ينبغي على المسافرين إلى مدينتي دهب أو نويبع في جنوب سيناء التردد في ترك حقائبهم بمكان إقامتهم للتوجه لخوض مغامرة فريدة في الوادي الذي يقع على بعد 90 كيلومترا شمال مدينة دهب، ونحو 3 كيلومترات من مدينة نويبع، وحوالي 350 كيلومترا من القاهرة.

ويستقل الزائرون للوادي عربات الدفع الرباعي في طريق غير ممهد، مليء بالمدقات الصعبة لمسافة نحو 40 كيلومترا، وعلى  كبار السن أو المصابين بأمراض العمود الفقري الامتناع عن خوض هذه المغامرة وتجنب المخاطرة.

وتعيد الرجلة إلى الوادي الملون الزائرين إلى الحياة البسيطة الفطرية، وهو ما يصفه الخولي بقوله “عند زيارة الوادي نجلس على الأرض لتناول الطعام الخفيف واحتساء الشاي، وهي تجربة لا تناسب المتمسكين بالحياة داخل الفنادق الفخمة أو الذين لا يرضون لها بديلا”.

وعند بداية الأخدود الملون ينزل السياح إلى أسفل نحو 50 مترا، ثم يسيرون داخل أخدود ضيق لمسافة تبلغ كيلومترا واحدا، ويلي ذلك الصعود إلى هضبة عالية تصل إلى نحو 100 متر.

لوحات أبدعتها الطبيعة
لوحات أبدعتها الطبيعة

ومن المهمّ للغاية الاستعداد للرحلة بارتداء ملابس مريحة في السير على الأقدام طويلا، وتكون كذلك مناسبة لطبيعة الطقس وقت الزيارة، صيفا أو شتاء، إلى جانب اختيار الحذاء الملائم للتعامل مع الصخور، وحمل زجاجة مياه أو أكثر بحسب حرارة الطقس، علاوة على غطاء للرأس لتحاشي شدة الحرارة، وكاميرا أو هاتف جوال من أجل التقاط صور لمشاهد نادرة وساحرة.

ويجد الزائر نفسه أمام نهر من الجمَال، يمثل متحفا مفتوحا للطبيعة الخلابة، التي أبدعت أعمالا فنية ليس لها مثيل، إذ ستخطف الحوائط الضيقة الملونة والمنحدرة العيون، وسيشعر الزائر وكأنه يسير في مجرى نهر جاف برعت الطبيعة في تشكيله على مدى الآلاف من السنين.

ويلفت المغامر المصري أشرف أباظة أنظار المتوجهين للوادي إلى أنه “يتميز بمجموعة من الصخور متنوعة الأشكال والأحجام، ولكل منها طبيعة خاصة بها، ما يجعلها صالحة للتسلق، سواء للهواة أو المحترفين، بشرط وجود مرافق متخصص، ومن الضروري أن يختار كل متسلق نوعية الصخور الأكثر ملاءمة له، فهناك صخور يكون تسلقها آمنا وسهلا إلى حد ما، بينما يكون التسلق خطرا في ما يتعلق بصخور أخرى، وفي الحالة الأخيرة يتطلب الأمر الاستعانة بالمعدات الخاصة بتسلق المرتفعات”.

ويقول أباضة لـ”العرب” عند زيارة الوادي للتسلق بشكل عام  يُنصح باصطحاب مرشد أو صديق رحالة يحفظ تفاصيل المكان جيدا للمحافظة على أمن الزائرين، وكي لا يضل أحدهم الطريق.

ومع أن الوادي وجهة سياحية استثنائية تجمع بين الجمال والمغامرة والتشويق طوال السنة، إلا أنه من المفضل أن يكون ذلك في الشتاء، لأن مياه الأمطار تساعد على كشف رونق ألوانه، ويفضل  كذلك زيارته  في الفجر أو الصباح الباكر للاستمتاع بمنظر الشروق ووضوح الألوان.

ومن ضمن الأنشطة التي يمكن ممارستها هناك، هي الشواء في البرية، والاستمتاع بجلسات السمر، وعلى الزائر أن يضع في اعتباره أنه في حضرة محمية، ينبغي ألا يترك وراءه مخلفات، فقط ما يمكن أن يتركه هو الذكرى الجيدة عنه وبعض آثار الأقدام.

ولا يتمتع المكان بعد بشهرة كافية تتناسب مع سحره وتفرده، ربما لصعوبة الوصول إليه أو لأنه لم يتم تسليط الضوء عليه بشكل كاف من جانب الإعلام المصري ووزارة السياحة، لكن زيارته من الممكن أن تقود السائح إلى زيارة أماكن أخرى رائعة الجمال ذات طبيعة  خاصة، وإن كانت هي أيضا غير معروفة بالنسبة إلى الكثيرين.

ومن هذه الأماكن “عين حضرة”، تلك الواحة الوحيدة من نوعها في جنوب سيناء، وتقع على بعد نحو 70 كيلومترا في الطريق من سانت كاترين إلى نويبع، وهي عبارة عن واحة خضراء في وسط بحر من الرمال، بها عين طبيعية نقية، ويستطيع الزائر لها رصد نباتات وآثار حيوانات وطيور، والتعرف على التكوينات الجيولوجية وعيون الماء، ويُحكى عنها أنها كانت واحدة من أهم نقاط الاستراحة للمسافرين في طريق الحج القديم عبر سيناء، يمكن للزائر أن يتوجه من الوادي الملون إلى “الكانيونات الملونة” في “الجيبي”.

رحلة متعبة وممتعة
رحلة متعبة وممتعة

ويؤكد الجيولوجي فادي أسعد لـ”العرب”، أن الكانيون عبارة عن شق عميق في باطن الأرض أو ممر بين جبلين، يضيق تدريجيا كلما توغلنا فيه حتى يصل في بعض المناطق إلى أقل من المتر، ويتكون بسبب عوامل التعرية، ويتشكل بطرق نحت طبيعية، والأخاديد في سيناء، لاسيما “الجيبي” و”عين الحضرة”، لا يوجد لها مثيل في أي مكان آخر، وكلما كانت أكثر قتامة كلما كانت أقدم.

ويطالب الرحالة سعيد الخولي هواة المغامرة والتسلق ممن يزورون الوادي الملون، بألا يفوتهم شراء المنتجات اليدوية والأعشاب البرية من المحليين في المنطقة المجاورة، وأغلبهم من قبيلة الترابين، والتي تمت صناعتها من خامات البيئة، مثل صوف الأغنام ووبر الإبل وشعر الماعز.

وتضم المنتجات اليدوية مجموعة متنوعة من أشكال الزينة والستائر والمفارش والكليم واللوحات الفنية، علاوة على المطرزات اليدوية البدوية على الأثواب والأقمشة والحقائب والإكسسوارات التراثية، والخرزيات من أعمال فنية مختلفة، ولا تقل روعة عن تلك المنتجات الغذائية التي تتفرّد بمذاقها المميز، مثل المخبوزات والحلويات وزيت الزيتون والمخللات والأعشاب وعسل النحل الجبلي.

وبعد انتهاء الزيارة تكون عربات الدفع الرباعي في انتظارهم للعودة إلى مقر إقامتهم، وتسلك الطريق نفسه، والذي يحرص الزوار على التقاط الصور في أثناء العودة.

16