كمال عتيق قاص تونسي يروج نصوصه في علب غرافيكس

علب القصص معرض مصغر للأعمال الإبداعية وقد جاء كردة فعل على ما يعيشه الفنان من حصار اجتماعي.
الثلاثاء 2021/02/23
وسيلة مبتكرة للنشر

خلقت التكنولوجيات الحديثة واقعا جديدا أمام الأدب والكتب وأثرت في النصوص المكتوبة لتتواءم مع عالمها كما أثرت في طرق النشر وفتحتها على مناخات أخرى، من بينها انتهاج الكتاب الشباب النصوص القصيرة وسعيهم لنشرها بطرق مبدعة على غرار الكاتب التونسي كمال عتيق الذي كان لـ”العرب” معه هذا الحوار.

كمال عتيق قادم إلى الأدب من عوالم البرمجيات، لذا نجد في قصصه نفسا مختلفا فقصصه تشبه اللسعات لا تقول بقدر ما تخفي وتفتح باب التأويل.

ومؤخرا قدم عتيق مشروعا فريدا من خلال نشره لقصصه القصيرة في علب فنية وبيعها في الأسواق كمنتجات فنية تجتذب الجمهور من الشباب ومختلف الفئات.

ويقول الكاتب المغربي مصطفى لغتيري إن القصة القصيرة جدا تتميز بالتقاطها للإشراقات الذهنية والنفسية والوجودية، أي تلك اللحظات الفارقة التي يحدث فيها تحول من نوع ما نفسي أو فكري أو واقعي، فيجتهد الكاتب المحترف في التقاطه وصياغته بشكل مكثف ولامع في نص قصصي قصير جدا.

الأدب وأجناسه

الأدب

يعلق كمال عتيق على ما ذكرناه قائلا “الكتاب العرب، وخاصة الأكاديميون منهم، مولعون بتحديد المفاهيم ورسم الحدود والأطر الفكرية وتسييج الأجناس الأدبية، سعيا منهم لاحتوائها، وهذا الأمر كثيرا ما يساهم في تنميط الأعمال الفنية وحصرها وتقييدها داخل إطار ضيق، وهم بذلك يخلقون أتباعا أو مريدين يشتغلون من بعدهم كحراس للمعبد”.

ويضيف “أعود إلى جوهر السؤال المطروح والذي أعتبر فيه أن مهمة حدّ المفاهيم هي مهمة المفكر علما وأنَّ المفاهيم متغيرة وغير ثابتة، كما يذهب إلى ذلك الفيلسوف اللبناني علي حرب، فما يصلح اليوم قد لا يصلح غدا، أما بالنسبة إلى تعريف لغتيري للقصة القصيرة جدا فهو ينطبق في شقه الأول على الشعر الحر وفي شقه الثاني على جنس أدبي آخر هو القصة القصيرة”.

ويرى عتيق أن تلك الخصائص لا تقتصر على القصة القصيرة جدا، بل هي خصائص متجذرة في فن القصة القصيرة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتتجلى بأوضح صورها في قصص أقطاب كتّاب القصة القصيرة في العالم، وإذا كان المعيار الأساسي هو حجم النص فإنه لا يوجد تحديد واضح ومحدد لحجم النص القصصي الذي يمكن اعتباره قصة قصيرة جدا كما بينت ذلك جودت هوشيار، مقرا بأنه ليس ضد تحديد خصائص كل جنس أدبي على حدة، لكنه مع التزام الدقة ومع إعادة تحديد المفاهيم. 

نسأل عتيق إن كان يعتبر نصوصه تنتمي إلى القصة القصيرة جدا، المعروفة بـ”ق ق ج” والمعروف عنها التكثيف والتأملات والسرد المبني على فكرة، ليجيبنا “صحيح لا أختلف معك في ذلك هناك قصص قصيرة جدا متكونة من سطر واحد وربما كلمة، إن لم تخني ذاكرتي، كما أنه توجد قصص قصيرة جدا في صفحة أو ثلاث صفحات، هناك من يصر على تسمية القصة القصيرة جدا بالمنمنمة أو النثر المصغر وهذا يثير الدهشة والاستغراب”.

ويتابع في حديثه مع “العرب” “المصطلح الأول على سبيل المثال مصطلح مستعار من حقول فنية أخرى فالمُنَمْنَمَة هي صورة مزخرفة في مخطوط، وقد اشتهرت بها المخطوطات البيزنطية والفارسية والعثمانية والهندية وغيرها، ربما التسمية المختصرة التي تفضلت بصياغتها في سؤالك (ق ق ج) ترضيني أكثر من غيرها لأنها تحل المشكلة (طول التسمية بالنسبة إلى هذا الجنس الأدبي)، أما بخصوص نصوصي فلا يهمني كثيرا إلى أي جنس أدبي تنتمي كما أنني لا أؤمن بسلطة المدارس الأدبية في ما أكتب، ما يشغلني أكثر هو مهمة فرض النص الأدبي بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، لهذا من الضروري ترغيب المتلقي إن لم نقل اصطياده، فمن المريح اعتبار النص قصيرا جدا”.

التكنولوجيات الحديثة خلقت واقعا جديدا أمام الأدب والكتب
التكنولوجيات الحديثة خلقت واقعا جديدا أمام الأدب والكتب

يكتب عتيق قصصه القصيرة بوعي حاد يحاول تجاوز الراهن المسرود، والدفع إلى التفكير، نتطرق معه إلى وظيفة الأدب اليوم بين الدفع إلى التفكير وتركيز أسس جمالية، ويقر القاص بأن هذا السؤال عن وظيفة الأدب هو سؤال عابر للعصور فكلما تقدم العلم أكثر وفي ظل سطوة التكنولوجيا الحالية نعود إلى طرح نفس السؤال القديم، وهو سؤال براغماتي بحت يبحث عن مدى المنفعة التي يقدمها الأدب للبشرية.

ويضيف “سأذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين أقول لك إن هناك الكثير من الآراء المتطرفة التي تنفي عن الأدب أي وظيفة أو قيمة، لكن يمكن القول على لسان الكاتب محمود لحبيب ‘إن كل قصيدة أو رواية مكتوبة بشكل إبداعي تؤثر وتزيد منسوب صناعة الجمال في عقل الإنسان، وبالتالي يمكن أن نكون عندئذ أمام وظيفة معلومة الاتجاه والقيمة للأدب، فالإنسان ليس شيئا جامدا وهو يحتاج دوما إلى صقل ذائقته الجمالية‘. ولا أتصور أنه يمكن للإنسان أن يتخلص من الأدب لأنه يلامس وجدانه وينحت كيانه و لعل رواية ‘هيا نشتري شاعرا‘ للكاتب البرتغالي أفونسو كروش هي خير إجابة على سؤالك” .

وحول العلاقة بين الأدب والأخلاق، يرى عتيق أنه في البداية نحن في حاجة إلى تعريف كلا المفهومين أو على الأقل محاولة طرح الأسئلة كشكل من أشكال الإحماءات الذهنية لإيجاد صلة مشتركة بين المفهومين ماهو الأدب؟ وهل هناك تعريف واحد للأدب متفق عليه بين كافة المدارس الأدبية؟ وهل نكتفي بالبحث من داخل الأدب في حد ذاته أو قد نضطر إلى مساءلة القواميس أو ربما ولمَ لا تغيير وجهة البحث عبر الانطلاق من حقول معرفية أخرى؟ كذلك بالنسبة إلى الأخلاق ماذا نقصد بالأخلاق؟ هل هي فلسفة الأخلاق والأخلاقيات؟ وهل تختلف الأخلاق باختلاف الحضارات والشعوب وهل الدين هو المصدر الرئيسي للأخلاق؟ أم أن للفنون والآداب هي الأخرى أخلاقيات خاصة بها؟

ساهمت الإنترنت في ظهور الكتب الإلكترونية وترويجها، لكن لا تزال هناك أشواط كثيرة على الكتاب أن يقطعها في سبيل أن يفرض نفسه داخل وسائل التواصل الاجتماعي

ويضيف “كل هذه الأسئلة تتطلب وقتا وجهدا لمحاولة رسم مقاربة معرفية للعلاقة القائمة بين الأدب والأخلاق، لكن دعنا نكن عمليين أكثر إذ يمكننا هنا الانتباه إلى شيء مهم ألا وهو ربط الأدب بالأخلاق. في الواقع إن من يتابع تاريخ الأدب قد يتوصل إلى قناعة مضمونها أن محاولة احتواء الأدب والبحث عن وظيفة له (أي فائدة منه) لم تتوقف أبدا منذ بدايته وهذا في رأيي الخاص ما جعله يقع  تحت أبصار ‘الأخلاقيين‘ بمعنى تحويل الأدب إلى وعاء لترسيخ وتثبيت قيم ومبادئ معينة وقد مر الأدب بهذا المأزق عبر كل العصور حتى أنه كاد يفقد خصوصيته واستقلاليته”.

ويشدد القاص التونسي على أنه لا يكاد يختلف اثنان في أنه لا يوجد تعريف واحد للأدب كذلك بالنسبة إلى الأخلاق والبحث في القواميس لن يقودنا إلى شيء يذكر، أيضا إذا اعتمدنا التحليل العلمي الذي يقدر بشكل دقيق ووفق منهج صارم إنتاج القيمة ومنطق النفعية فسنتوه في مداخل ومخارج تصب جميعها في قناة البحث عن وظيفة قارة للأدب وهذا ما لا يبتغيه صراحة.

 والشيء نفسه بالنسبة إلى الأخلاق لديه قناعة بأن هذا المبحث هو مبحث فلسفي بالأساس وقد أهرق الكثير من الحبر في شأنه من محاولات لتعريفه وتحديد معاييره وسلوكياته، وهو في رأيه مفهوم مراوغ ومتغير خاصة أنه قد يحتمي في كثير من الأحيان بمظلة المقدس الديني وبالتحديد عند الشعوب الإسلامية.

 ويقول عتيق “سأكتفي باستعراض بعض الأفكار  بعيدا عن الكليشيهات العربية من قبيل ‘دور الأدب في حماية الأخلاق’ حتى نحاول الكشف عن هذه العلاقة الملتبسة وكمثال على هذا اللبس وبحسب رأيي الخاص هناك الكثير من الروايات و القصائد الشعرية التي قد يعتبرها البعض لاأخلاقية وهي في الحقيقة أخلاقية أكثر من غيرها لأنها تطرح أزمة أخلاقية في مجتمع ما، ثم هناك هذا الكم الهائل من الانتهاكات في نصوص الماركيز دو ساد والكاتب البلجيكي مازوخ وسوفوكليس وغيرهم والذي يمثل مادة خصبة للتحليل النفسي على الأقل مع فرويد”.

ويضيف “إن توثيق الانحلال والشرور البشرية في حد ذاته يعتبر عملا أخلاقيا يساعد العلم في تسليط الضوء على هذه الجوانب النفسية المظلمة لدى الإنسان في النهاية، وحتى لا أطيل لقد عانى الأدباء كثيرا من سلطة الأخلاقيين على سبيل المثال جورج باطاي ومحمد شكري، هناك جانب آخر لا يمكن إغفاله وهو هذا التناقض الصارخ في التعامل مع النصوص الإيروسية عند العرب فمن يعيبون عن الكتاب في ما يكتبونه بتعلة أنه يخدش الحياء هم أنفسهم من يتحدثون عن جمالية قصائد الجاهلية الموغلة في الإباحية”.

الأدب والفن

كمال عتيق يحاول تجاوز الراهن المسرود
كمال عتيق يحاول تجاوز الراهن المسرود

لدى عتيق مشروع طموح في المزج بين النص الأدبي والفنون الحديثة من غرافيكس وصور لخلق منتجات فنية، ويحدث “العرب” عن هذا المشروع لافتا إلى أنه تعاون فريد من نوعه مع مصمم الغرافيك براون. وفكرة المشروع هي عبارة عن تصميم صندوق ورقي بتصاميم فنية مبتكرة تجمع بين فن الغرافيكس والقصص القصيرة جدا.

ويواصل “يمكنك اعتباره معرضا مصغرا لاستعراض الأعمال الإبداعية وقد جاء كردة فعل على ما يعيشه الفنان من حصار اجتماعي. فكما هو معلوم إن حجم الصندوق الورقي أصغر من حجم القفص وهنا يكمن سره في الطريقة التي تمت بها تعبئته بهذا الكم من الصور والقصص، وهنا أيضا تبرز رمزيته في أن يكون فنا خارج الصندوق، وبالمناسبة المشروع يباع في السوق تحت اسم  Out Box وهو مشروع بتمويل ذاتي ويمول نفسه بنفسه”.

نسأله عن إمكانية المزج بين الأدب والصورة، فيؤكد عتيق على إمكانية ذلك مبررا بأنها ليست بدعة جديدة، مضيفا “خذ مثلا مجلات الكرتون ومجلات الأطفال، هناك أيضا كتب المناهج الدراسية والتي تحوي نصوصا أدبية وصورا لشعراء وكتاب إلخ، دون أن نغفل عن التاريخ الحافل للسينما الروائية. الغلاف الخارجي للروايات والقصص القصيرة يعتبر أيضا الوجه التسويقي للمحتوى الأدبي وعادة ما يعتمد على سلطة الصورة في جذب القارئ. أتذكر عندما كنت صغيرا دائما ما كانت تجذبني تلك الصور على أغلفة الكتب وفي الكثير من الأحيان كانت تلعب دورا حاسما في ترشيح كتاب على آخر. نعم يمكن المزج بين الصورة والأدب” .

من يتابع تاريخ الأدب قد يتوصل إلى قناعة مضمونها أن محاولة احتواء الأدب والبحث عن وظيفة له (أي فائدة منه) لم تتوقف أبدا منذ بدايته

ونسأله إن كانت لديه خطوات قادمة في هذا الإطار، ليسرنا بأن هناك مشروع مجلة ثقافية في الطريق، لكنه توقف على الأقل في الوقت الحاضر لغياب التمويل الكافي للطباعة والتوزيع، لكنه عازم على المضي قدما في هذا المشروع.

بعضهم يقول إن دور الكتب انتهى في ظل ولادة وسائط التكنولوجيا الجديدة، لكن عتيق يرى أن هذا ادعاء واهم، متابعا “دعنا نقول على الأقل إن الكتاب يمر بلحظة فارقة منذ ظهور صناعة الورق والطباعة. لقد نجح الكتاب في الصمود والتأقلم مع كل التغيرات الجذرية التي مر بها الإنسان. وقد ساهمت الإنترنت في ظهور الكتب الإلكترونية وترويجها، لكن لا تزال هناك أشواط كثيرة على الكتاب أن يقطعها في سبيل أن يفرض نفسه داخل وسائل التواصل الاجتماعي، فكما تعلم هناك شروط وقواعد لهذه المنصات الرقمية خاصة تلك القيود المفروضة على حجم المنشورات. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أتنبأ بأن أدب الشذرات سيزدهر في المستقبل فهو يلائم طبيعة المتصفح القلوق الذي لا يروم النص الطويل”.

وتسأل “العرب” عتيق إلى ماذا يطمح من خلال ما يكتب؟ فيجيبنا قائلا “أطمح إلى تكريس القصة القصيرة جدا داخل وسائل التواصل الاجتماعي لمنافسة أغاني الراب التونسية، فهي تلقى رواجا كبيرا بين صفوف الشباب وهي مشوهة في أغلبها لأنها مزيج من جنون العظمة والهذيان القهري، بينما القصة أو الأقصوصة تتسم بالتكثيف والإيجاز وهي بذلك محرك لإعادة تدوير المعرفة وإنتاج المعنى على غرار أغاني الراب الرديء التي تنتج ذوات معتلة ومريضة وتساهم في تشويه الذائقة الفنية”.

15