قمّة عادية في أوضاع استثنائية

الإشكال الذي يتجاوز قمة تونس والدبلوماسية التونسية، أن الأوضاع المشتعلة والاستحقاقات العاجلة في الوطن العربي تستلزم تغييرا جذريا لميكانزمات العمل العربي ولآليات الفعل العربي المشترك.
الثلاثاء 2019/03/26
قمة لن تتجاوز السقوف السابقة للقمم الماضية

لا شيء يؤشر إلى أن القمة العربية في تونس ستكون قمة خارقة القرارات أو قمة الاستثناء في مستوى التمثيل الرسمي للدول العربية، أو في سياق الوساطات العربية لحل الأزمات المشتعلة على مدى جغرافيا العرب.

لا شيء يشير إلى أن القمة العربية ستتجاوز السقوف السابقة للقمم الماضية، فمنذ أسابيع والدبلوماسية التونسية تؤكد أن دمشق لن تعود إلى مجلس الجامعة العربية عبر بوابتها، ومنذ أشهر ووزير الخارجية خميس الجهيناوي يشدد على مرجعية الشرعية الأممية في حل النزاعات القائمة، وكأن لسان حاله يقول لا تحمّلوا تونس وقمتها وسلطتها المأزومة ما لا تطيق.

الإشكال الذي يتجاوز قمة تونس والدبلوماسية التونسية، أن الأوضاع المشتعلة والاستحقاقات العاجلة في الوطن العربي تستلزم تغييرا جذريا لميكانزمات العمل العربي ولآليات الفعل العربي المشترك.

فطبيعة التهديدات الإسرائيلية لجوهر القضية الفلسطينية (اللاجئين والقدس وابتلاع الضفة والأسرى والسيادة) والسعي إلى الضم النهائي لهضبة الجولان، إضافة إلى المشاريع الإقليمية التركية والإيرانية في الشرق الأوسط، والأزمة الهيكلية لمجلس التعاون الخليجي والصراع في اليمن والبحر الأحمر والتهديدات الجيوإستراتيجية للسودان ولمصر في نهر النيل، والأوضاع المضطربة في ليبيا، كلها أزمات متراكمة ما كان لها أن تصل إلى هذا المستوى من التعقيد لو كانت للمجموعة العربية الحد الأدنى من منظومات إدارة الأزمة والقدرة على التأثير في القرارات الدولية.

وطالما أن الأزمات باتت مستعصية في التجمعات العربية الصغيرة، على غرار مجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي، فمن الطبيعي أن تصاب الجامعة العربية بأمراض العجز والترهل والشلل.

أكثر ما يمكن لقمة تونس أن تؤمّنه هو الحيلولة دون استفحال المشاكل ودون توظيف القمة للمزايدات السياسية، واستصدار قرارات عربية جديدة حول القضية الفلسطينية والسيادة السورية

وطالما أيضا أن الجامعة العربية لم تطور من مسالك عملها ولم تؤصل لبدائل في مستوى التشبيك العربي-العربي، وتفعيل التنسيق المشترك، وبقيت على حالها من البيروقراطية الرتيبة وتصيير اجتماعاتها إلى فرص سنوية للعلاقات العامة، فمن العادي أن ينفض جزء كبير من الرأي العام العربي يده من الجامعة ومن اجتماعاتها.

للأسف لم يبحث المسؤولون في الجامعة العربية تفعيل التعاون من الأسفل إلى فوق حتى يتملك المواطن العربي الإطار العربي الجامع، كفرصة للتنمية وتطوير المبادرات لا كساحة سجال وفضاء ومكاسرة زعماتية. فلا الجامعة العربية صارت جامعة للمسؤولين العرب ولا فضاء تجميع للمواطنين، وضاعت بذلك فرص كثيرة حيث يصبح السوق والاقتصاد أساسا للتشبيك، على غرار الاتحاد الأوروبي، أو المشاريع الاستثمارية المشتركة أصلا ولبنة للتحالف، على غرار الاتحاد الأفريقي، أو المعرفة والتقنية ككينونة للتعاون على غرار التجارب الآسيوية.

غالبية الدول العربية باتت تبحث عن فضاءات بديلة عن جغرافيتها العربية، فمن الفضاء المتوسطي إلى الشراكات مع الاتحاد الأوروبي، ومن الفضاء الأفريقي إلى التفاهمات مع اللاعبين الآسيويين، ومن فضاءات القزوين وأوراسيا إلى استحثاث التعاون مع القوى الاقتصادية الكبرى، صارت العواصم العربية تطلّق جغرافيا القرب العربي إلى فضاءات التقاطع الأخرى.

ولئن رُمْنا الغوص في أسباب الترهل العربي لجاز لنا القول بأن سيطرة عاصمة عربية واحدة على الأمانة العامة وعلى المقرّ وعلى جزء من الهياكل الإقليمية الأخرى، وتحويل الأمر إلى تلازمية بين تلك العاصمة والعمل العربي المشترك لهو مجانب للصواب، ذلك أن الفضاء يفرض رأيه في مسلكية الجامعة ويقلّص من حق وواجب الأمانة العامة للجامعة العربية بأن تكون على مسافة واحدة من كافة العواصم والمحاور.

حيال هذه المحصلة الثقيلة، ماذا ننتظر من قمة تونس أو من الخارجية التونسية، والحال أنّها لو أرادت الفعل لاستحال عليها لغياب المقدمات والمقدرات، ناهيك أنّ من تقاليدها الدبلوماسية عدم التدخل واحترام السيادات والسعي إلى المحافظة على مسافة الأمان من كافة حقول الألغام السياسية والإستراتيجية.

أكثر ما يمكن لقمة تونس أن تؤمّنه هو الحيلولة دون استفحال المشاكل ودون توظيف القمة للمزايدات السياسية، واستصدار قرارات عربية جديدة حول القضية الفلسطينية والسيادة السورية دون أيّ قدرة على تكريسها على أرض الواقع. فلا يمكن أن ننتظر من تونس تحقيق ما عجزت عنه عواصم أخرى أكثر نفوذا وتأثيرا، أو أن تسوي أزمات إقليمية قصرت الوساطات المناطقية والأممية عن حلّها.

9