قلوب لا تشيخ

يحمل كل جدار بالحي ذكرى للمرأة الرائعة التي أحبت الجميع بقلب لا يشيخ ولا يعرف التفرقة، كل بيت مدين لها بالفضل، حين قامت ببناء بناية شاهقة لإيواء من لا مأوى له.
الاثنين 2019/11/04
الراهبة إيمانويل رسمت لوحة إنسانية بارعة في التفاني وحب الآخر

هناك بعض القلوب لا تشيخ مهما طال بها العمر، لا تعرف العجز، تظل شابة طوال الوقت، بل تمنح من حولها عمرا وابتسامة، وشبابا إضافيا، تلك القلوب تختبئ في حنايا أرواح شفيفة، لديها من الرهافة ما يبقيها في مرحلة الصبا، تمسك بيد الزمن حتى لا تطولها وتضيع براءتها.

قلوب تصنع الحياة، تخلق الفرص، تزرع الخير في كافة أرجاء المكان، لا تنتظر هكذا على رصيف الحياة، لا تركن حتى تأتيها فرصة على طبق من ذهب.

وهذه القلوب الصغيرة معنى، الكبيرة عمقا، تجسد الأخت إيمانويل “راهبة بلجيكية” أحد معانيها، ترسم لوحة إنسانية بارعة في التفاني وحب الآخر، فهذه الراهبة قررت سنة 1971 وهي في سن الستين العيش وسط مجموعة من الزبالين (جامعي القمامة والنفايات)  في حي سمي حي الزبالين بمنطقة المقطم (على تخوم القاهرة)، ولمن لا يعرف، هناك حي كامل في القاهرة يسمى منطقة الزبالين، يعيشون في عشش من “الصفيح” بلا أي مرافق من ماء ولا كهرباء، محرومين من المدارس والبنايات ذات التخطيط العمراني الجيد.

الآن تجري جهود حكومية حثيثة للقضاء على العشوائيات، ويجري العمل على قدم وساق لاستبدال كل ما هو عشوائي بمظاهر حضارية، أكثر رقيا وإنسانية، وخلق بيئة آدمية آمنة، يمارس فيها فعل الحياة بتسامي وكرامة.

بدأت الأخت إيمانويل في بناء مدرسة تستوعب اكتظاظ  المنطقة بالأطفال غير المتعلمين وازدحامها بصبية يعانون الأمية والتجهيل العمدي، وبالفعل تم بناء مدرسة جبل المقطم

لكن حين اختارت إيمانويل هذا الوسط للعيش والتغيير كان الحال سيئا للغاية، كانت العدمية والانسحاق يلاحقان أطفال هذه البيئة المحرومة، مشاعر محبطة، ناهيك عن الجهل والأمية، وتفشي الأمراض خاصة الجلدية والبكتيرية، والمعدية نتيجة التصاقهم بالنفايات والقاذورات طوال الوقت.

عاشت الراهبة، وسط تلال من القمامة في منطقة عشوائية تسكنها الطبقة المعدمة والمهمّشة من المصريين وأسمتها “الجنة” معتبرة أن إقامتها فيها أفضل من إقامتها بأرقى القصور، وقالت حرفيا “لن أترك هذا الحي حتى لو كان البديل الإقامة في قصر الملكة إليزابيث ملكة إنكلترا”.

استوقفتني كلمات هذه المرأة الطيبة التي تعاملت مع مشكلة المهمّشين بقلب محب وضمير واع، بعقل يرى ما في هؤلاء من إنسانية مرهقة بكافة أشكال التهميش وإدارة الظهر لقضاياهم الملحة وحاجاتهم الضرورية، كحق التعليم، حق الطفلة الأنثى في اللعب والاستمتاع بطفولتها بعيدا عن كافة صور الحرمان وسحق الكرامة، بعيدا عن تزويج القاصرات قهرا، والعمل كخادمات منازل أو في جمع القمامة كمهنة موروثة في هذا الوسط.

حقوق الصغار في اللهو بعيدا عن عمالة الأطفال التي تغتال براءة كثيرين، مكافحة بعض أشكال العنف ضد الصغار، الانحرافات السلوكية والأخلاقية.

بدأت الأخت إيمانويل في بناء مدرسة تستوعب اكتظاظ  المنطقة بالأطفال غير المتعلمين وازدحامها بصبية يعانون الأمية والتجهيل العمدي، وبالفعل تم بناء مدرسة جبل المقطم، وحرصت في بداية عهدها بالمنطقة على القضاء على ظاهرة تزويج الفتيات القاصرات بكبار السن، والزواج السياحي الموسمي، وحرمانهن من ممارسة حقهن في اللعب، والتعليم، مع تعضيد حق اختيار شريك الحياة بحرية مطلقة، وكانت حجر الأساس في عدد من المشاريع والأبنية للمنطقة منها مركز دار الفتاة وكنيسة العذراء مريم ومستشفى المحبة، ليس هذا فحسب، ولكن إلى جانب الكنيسة كان المسجد، ساهمت في بناء عدد من المساجد، لم تفرق بين مسلم ومسيحي كانت تخدم مجتمعا فقيرا، كما تردد دائما.

قلوب تصنع الحياة، تخلق الفرص، تزرع الخير في كافة أرجاء المكان، لا تنتظر هكذا على رصيف الحياة، لا تركن حتى تأتيها فرصة على طبق من ذهب

يحمل كل جدار بالحي ذكرى للمرأة الرائعة التي أحبت الجميع بقلب لا يشيخ ولا يعرف التفرقة، كل بيت مدين لها بالفضل، حين قامت ببناء بناية شاهقة لإيواء من لا مأوى له، كانت تقطن في منزل ريفي بسيط. قالت بلا كلمات “هؤلاء البشر ليسوا زائدين على الحياة، ولا هم عالة على غيرهم، هم قيمة مضافة”.

أضاءت المنطقة بالكهرباء وساعدت في توصيل المرافق إلى حي منسي، سقط من اهتمام المسؤولين عمدا، تكفلت بدفع 55 ألف جنيه، وهو مبلغ مهول في الثمانينات، تدين لها بالفضل كل المنازل التي حولت عتمة  لياليها إلى ضوء ساطع، وساعدت أبناءها على استبدال أضواء الشموع والفتيل بالمصابيح. حصلت على الجنسية المصرية عام 1991 تكريما لجهودها في مصر.

 أرادت المرأة أن تشارك هؤلاء الطيبين جنسية بلادهم بعد أن شاركتهم أحلامهم وتطلعاتهم، طلبت من السيدة سوزان مبارك حينما كانت سيدة مصر الأولى وزوجة رئيسها الحصول على الجنسية فتحقق لها مرادها.

وفي تشرين الأول من عام 2008 في كاليان بفرنسا توفيت أثناء نومها لأسباب طبيعية عن عمر يناهز التسعة وتسعين عاما، ماتت بقلب شفيق غير معتل، أعتقد أن تلك المرأة ماتت جسدا، وبقيت روحها ترفرف حول فقراء الحي، تسكن زوايا العقول وتمتلك القلوب، فمن يعطي بسخاء تمنحه الطبيعة أسباب الحياة وإن كان تحت الثرى.

21