"قبر غير هادئ".. حكاية غريبة بين رجل وشقيقة زوجته

الفيلم يجمع بين خصائص أفلام الجريمة والغموض والسيكولوجيا.
الأحد 2021/07/25
دراما يقودها شخصان فقط

يمكن للدراما النفسية أن تغوص بمشاهديها في مستويات الشخصية في الوعي واللاوعي وفي الخبرات القاسية والماضي وغيرها من التفاصيل التي تخلق حكاية متماسكة ومشوقة بتفرعاتها، والتي تقود الأحداث فيها سلوكيات الشخصيات التي قد تبدو غريبة، وهو ما نراه في فيلم “قبر غير هادئ”.

سلسلة المشاهد الليلية هي التي تميز أحداث فيلم “قبر غير هادئ” زمنيا، وكل ذلك في بحث مضن عن مجهول، والتشبث ببقايا ماض وإطلال ذكرى في سياق درامي لا يتعدى شخصيتين في معالجة تنزع إلى ما هو نفسي ودرامي.

تلك هي أجواء هذا الفيلم للمخرج تيرينس كري، الذي يقدم شخصيتين فقط في هذه الدراما هما جامي (الممثل جاكوب وير) وآفا وهي شقيقة زوجته المتوفاة (الممثلة كريستين نيلاند) وها هما يلتقيان وفاء لذكرى الزوجة التي قضت في حادثة يرفض الزوج استرجاعه وكيف وقع، والظاهر أنه حادث اصطدام انتهى بفاجعة عند منطقة للغابات حيث قضت الزوجة ونجا الزوج.

دراما نفسية

الفيلم دراما نفسية يقدم لنا المخرج من خلالها شخصية عصابية غارقة في البحث عن المجهول والمستحيل
الفيلم دراما نفسية يقدم لنا المخرج من خلالها شخصية عصابية غارقة في البحث عن المجهول والمستحيل

رغم محاولته عدم استحضار الذكرى المؤلمة ها هي الذكر تعصف بالزوج، فهو لما يتمكن من النسيان رغم مرور عام على الحادث، وها هو يسترجع مع شقيقته ذكرى زوجته، لكنه سوف يقود الأمور باتجاه آخر على فرض أن بالإمكان أن تعود روح الزوجة إلى الحياة بشكل ما، إذا ما استبطنت شقيقتها حضورها بموجب طقوس تجري في موقع حادث الوفاة وفي جنح الظلام وفي وسط الغابة.

تلك هي دراما نفسية يقدم لنا المخرج من خلالها شخصية عصابية غارقة في البحث عن المجهول والمستحيل والتشبث بأي احتمال يحاول أن ينسيه فقدانه القاتل لزوجته.

يوظف المخرج خلال ذلك حوارات طويلة ومتشعبة يخوض فيها الاثنان في كل ما يخصهما وهما جالسان في السيارة في وسط الظلام، وفي ذلك لوحده تحدّ بالنسبة للمخرج الذي قدم فيلما طويلا معتمدا على شخصيتين وعلى عدد محدود جدا من الأماكن بل إن أغلب الحوارات والأحداث تتم ما بين الغابة وداخل السيارة.

فكرة الإيهام تتحول في هذا الفيلم إلى قوة نفسية لا تقاوم يجري من خلالها استدراج آفا بالتدريج لكي تنتقل من حال إلى حال، وصولا إلى استبطان أو تقمص شخصية الشقيقة، وهو ما يسعى إليه جامي مستخدما أدوات يفترض أنها سوف تساعد آفا على الاستحواذ على كيان شقيقتها وتمثلها بشكل ما، إلى درجة أن تجعلها تصرخ في وسط العتمة وفي فزع شديد أنها قد فقدت يديها وحلت يدا شقيقتها.

هذا الإيهام ما يلبث أن يتطور في ظن جامي الذي سوف يمعن في تشجيع آفا بأنها تتقدم في المسار الصحيح في وقت يعمل هو بطريقة مختلفة تبدو في الظاهر عفوية، لكنه في الحقيقة لا يتورع عن ضرب آفا بسكين متسببا لها بجرح عميق في ذراعها، لكنه يتوهم ويوهم آفا أن ذلك الجرح كان ضروريا للشعور بالألم وللتعبير عن فكرة التضحية بالدم من أجل الوصول إلى الهدف وتحقيق ما تسعى إليه الشخصية في أجواء ذلك الانغلاق الكامل والعتمة المكانية التي تجد الشخصيتين نفسيهما في وسطهما ومن دون أن تستطيعا الخروج منها بأي شكل، وهو ركن آخر بالغ الأهمية في هذه الدراما السوداء القاتمة.

السجال بين شخصيتين

من جهة أخرى يرسم المخرج للشخصيتين مسارا يتعلق بالسيكولوجيا الشخصية بما يجعل الشخصيتين وفيتين لذلك الماضي القاتم، وهو ما يتجسّد بشكل جلي لدى آفا التي تحسب أن الوفاء لشقيقتها يجعلها أكثر تسامحا في قبول أي تنازلات تجعلها تقوم بتلك الشعوذة التي يوصي بها جامي.

ويتشبث جامي بها فيما هي تتألم وتسترجع حضور الشقيقة، وهو ما يتبناه سريعا فيتلقفه باتجاه المضي إلى المزيد من التعمق في ذلك الفراغ الذي يجب أن تحتله الشقيقة، لكي تصل إلى تلك الذات المعذبة، وهي ميزة إضافية كشفت عما يعتمل في داخل جامي من خليط من الآمال والخيالات فضلا عن الخرافة ومحاولة عدم تصديق الواقع والتعاطي معه.

في مقابل ذلك يتجسد عجز جامي عندما تكتشف آفا أنه يخبّئ ذات السكين التي جرحت ذراعها والتي ادعى جامي أنها كانت بسبب اقترابها من العالم الآخر حيث نهاية شقيقتها، وبهذا تنقلب الأحداث دراميا بسبب هذه الحبكة الفرعية التي أحبطت آمال جامي في المضي في السيناريو الذي بدأه إلى النهاية، وتلك إشكالية أخرى وجدنا أن الشخصيتين غارقتان فيها في سياق الأحداث وما أفضت إليه تلك الدراما الفيلمية التي لا مستجدات فيها سوى انغلاق على الماضي وتشبث به بحثا عن حل أو إجابة أو بديل يرضي حاجة جامي وبحثه عن إجابات تتعلق بمصير زوجته وحيث لا بديل عن آفا في الإجابة على تلك الأسئلة.

لا يختلف الفيلم عن سياق أفلام الجريمة والغموض والسيكولوجيا، لكنها هنا تختلط جميعها في إطار ذلك الحوار السجالي بين الشخصيتين، وهو ما يفسر على أنه ذلك النوع من الدراما السوداء التي تتقاسم فيها الشخصيات أحزانها الخاصة فيما هي تواصل البحث عن إجابات خافية وبما في ذلك ضخ العديد من الحقائق والذكريات من خلال الحوار، ولكي نستمر بلا ملل مع الحوار ومع رتابة المكان فإنه نقلنا إلى المنزل في  مشاهد هامشية أظهرت وكأن المنزل تحضر فيه روح الفقيدة بشكل ما، مما يدفعهما إلى المزيد من الغوص في تلك المغامرة القاتمة التي لن تفضي إلا إلى طرح المزيد من الأسئلة التي لا إجابة عليها.

15