في الدعاء

رغم الاختلاف الواضح بين الأديان والمذاهب والخصوصيات الروحية والثقافية والحضارية، واعتقاد أتباع كلّ منها بأنهم وحدهم من يمتلكون الحقيقة، إلا أن لا أحد منهم يستطيع تغيير الواقع المحيط به سواء بالصلاة أو بالدعاء.
الخميس 2021/01/21
الاستعدادات العملية والنفسية مفتاح النجاح

سواء كان الدعاء من سلفي في المسجد، أو من شيعي في العتبات المقدسة، أو من صوفي في ضريح أحد الأقطاب، أو من يزيدي في معبد لالش المقدس، وسواء كان من مسيحي في كنيسة أو من يهودي في كنيس، فإن النتيجة واحدة، وحتى إن كان من زاردشتي أو بوذي أو سيخي أو هندوسي أو طاوي كونفوشيوسي، فإنه لن يحقق لصاحبه غير ما هو مقتنع به أولا حيث أن “الإجابة في صدق الدعاء” كما ورد في الحديث، و”إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى” و”لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله” والهمة تعني العزم والتركيز على الهدف، والدأب لتحقيقه، فإذا أصابت النيّة مساحة اهتمام في العقل الباطن تحوّلت إلى قوة تدفعه إلى استنباط الحلول لتحقيق ذلك الهدف.

ولا يبدو أن هناك حضارة مرت فوق هذه الأرض دون أن تكون لها صلواتها وأدعيتها، سواء للتطهر وإعلان التوبة والتوسل أو لطرد الأرواح الشريرة ولدرء الخوف من الظواهر الطبيعية كالخسوف والكسوف والقحط والفيضانات والزلازل أو لتحقيق النجاح وجلب الرزق وغيرها، ومن بين الآلهة التي كانت ذات أثر عظيم في الميثولوجيا المصرية القديمة أمون إله الشمس، والذي كان اسمه ومعناه “الخفي” يكتب “آمن”، ويقول الكثير من الباحثين إنه انتقل إلى ثقافة بني إسرائيل، وتسرّب إلى التوراة كإعلان تأكيد، ومنها إلى العهد الجديد، وصار مرتبطا بالدعاء بعد كل صلاة، عند اليهود والمسيحيين وكذلك عند المسلمين السنة الذين اعتمدوه عن رواية لأبي هريرة، ولا يعترف به الشيعة، وهو عكس ما يعتقد البعض غير وارد في القرآن، ونجد كلمة آمين بصور مختلفة في لغات عدة، كأن يقول الأتراك آمان يا ربي، وصولا إلى آمان يا لالنّي المعروفة في الأغاني، وهي نوع من الاستغاثة.

ولكن رغم الاختلاف الواضح بين الأديان والمذاهب والخصوصيات الروحية والثقافية والحضارية، واعتقاد أتباع كلّ منها بأنهم وحدهم من يمتلكون الحقيقة ولديهم حظوة خاصة عند الإله، إلا أن لا أحد منهم يستطيع تغيير الواقع المحيط به سواء بالصلاة أو بالدعاء، ولم نر أهل ديانة حققوا معجزات وخوارق فقط لأنهم متدينون، وإنما كانت النجاحات دائما حالة شخصية، قد تؤثّر بالإيجاب على من حولها، ولكن دون ضمانات، ولو جئنا بشباب من مختلف تلك الديانات والمذاهب، وطلبنا منهم الدعاء، كل وفق عقيدته، قبل خوض امتحان التخرج مثلا، فإن لا أحد منهم سينجح إلا بما تسلح به من استعدادات عملية ونفسية في مجال تخصصه، ومن تركيز ذهني وإصرار على النجاح.

لكن ما يثير الانتباه أن زعماء سياسيين ورجال أعمال وكتابا وفنانين وغيرهم، يذكرون في سيرهم أنهم كانوا منذ سنوات طفولتهم أو شبابهم الأول، مقتنعين أو تم إقناعهم بأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه، وقد انغرست الفكرة في عقولهم الباطنة ونمت وترعرعت وكبرت مع الأيام، وأينعت بالتميز وأثمرت النجاح، وهو ما يمكن تفسيره بالقدرة الفائقة للعقل الباطن الذي يشتغل على التراكمات الحسية والمعرفية منذ الطفولة الأولى، ويتولى ترتيبها حسب جملة من القوانين الحاكمة، وهو إلى ذلك المحرك الرسمي للجسم، لا ينام، ولا ينسى، ولا يغفل، ويحتفظ بحوالي 90 في المئة من المعلومات والذكريات والعادات، مع قدرة على تسجيل ما يُقارب 50 لقطة في الوقت نفسه، وعلى تحديد الأولويات وترتيب الأهداف والغايات ومواجهة العقبات وإعطاء الحلول المناسبة، وهو الذي يستمع إلى طلباتك ودعواتك، فإذا كنت في منتهى الصفاء، كان أقرب إلى احتضان رغباتك وأقدر على تبنيها وأسرع إلى تحقيقها، وقد أكد العلم ذلك، وصدق من قال “دواؤك فيك وما تبصر/ وداؤك منك ومــــا تشعر/ أتزعم أنك جـــرم صغير/ وفيك انطوى العالم الأكبر/ وَما حاجَةٌ لَكَ مِن خارِجٍ/ وَفِكرُكَ فيكَ وما تُصدر”.

24