فيلم خيال علمي مشبع بالكوميديا واللاواقعية

"بيل وتيد يواجهان الموسيقى" فيلم يبحث عن وحدة الإنسانية استشرافا للزمان والمكان.
الاثنين 2020/09/21
موسيقيان مغموران يجابهان أخطارا لا حصر لها

لا شك أن دراما الانتقال عبر الزمن كانت ولا تزال علامة فارقة وثيمة أساسية في أفلام الخيال العلمي، حيث يتمّ فيها الزجّ بعناصر تعبيرية غزيرة لغرض تحقيق الإقناع الكامل لدى المشاهد الذي يريد أن يرى صورة ذلك المستقبل بشكل بارع أو أن ينشغل بمشاهدة التنقل عبر الأزمنة من خلال إيقاع مفعم بالدهشة.

يكرّس المخرج دين باريسوت في فيلمه الجديد “بيل وتيد يواجهان الموسيقى” الدراما الفيلمية وكذلك أفعال الشخصيات باتجاه الكشف عن أزمنة وأماكن افتراضية، لاسيما المستقبلية منها وخلال ذلك تتحقّق تلك المعادلة الزمانية المركبة وقد يغيب الماضي والحاضر لتتغلب صورة المستقبل.

والفيلم ليس إلاّ امتدادا لفيلم سابق أُنتج في العام 1991، وكان تنويعا على كلتا الشخصيتين.

من هناك، سوف ننشغل بكل ما قلناه آنفا، والفارق الوحيد أننا سوف نشاهد كل شيء في أجواء من الكوميديا واللاواقعية.

هنا ثمة شخصيتان هما تيد (الممثل كيانو ريفز) وبيل (الممثل أليكس ونتر) وهما موسيقيان مغموران وغريبا الأطوار سيقودان هذه الدراما إلى منتهاها.

ها هما يقدّمان عرضا موسيقيا مضحكا في حفل زواج امرأة سبق أن تزوّجت وطلّقت من والدي تيد وبيل ثم تزوّجت شابا صغيرا، وهنا سوف نشاهد أولى فعاليات تيد وبيل وهما يبذلان مجهودا كبيرا في ضجيج لا معنى له.

الانتقال عبر الزمن واكتشاف الأماكن عاملان جعلا الفيلم يفتقد إلى ثبات الفكرة، الأمر الذي عمق الكوميديا لا غير

في الجانب الآخر تترقّب ابنتا تيد وبيل وزوجتيهما نبوغ الزوجين غريبي الأطوار حتى اللحظة التي يتم فيها الزجّ بهما في مهمة في كوكب آخر وعالم مجهول.

باختصار، تتلخّص مهمة الثنائي الأساسية في إنجاز أغنية توحّد العالم، وعدم إنجازها سيؤدّي إلى تحطم قوتي الزمان والمكان وانعدام الحياة أصلا، في حين أن أمامهما وقت قصير للغاية لإتمام مهمتهما.

ها نحن أمام الانتقال المكاني الأول والمحمّل بعناصر تعبيرية متنوعة، إذ تزورهما كيلي (الممثلة كريستين ساشال) وتقرّر أن تصحبهما كي يلتقيان مباشرة بزعيمة الكوكب النائي. وها نحن في العام 2720، ويتأكّد أن ليس أمام العازفيْن سوى القليل من الوقت المتبقي لغرض إنجاز أغنية كونية توحّد الناس جميعا.

في موازاة ذلك يحفل الفيلم بالكثير من الانتقالات الزمانية والمكانية بواسطة تلك الكبسولة التي تستخدمها كيلي أو كابينة الهاتف، انتقالات طغت عليها المشاهد الكوميدية التي بدت أكثر أهمية من كل ما تقدّم.

وبهذا تنظم مجموعة من العازفين الكبار إلى المهمة ومنهم جيمي هيندريكس وموتسارت ولويس أرمسترونغ وغيرهم، بينما يكون تيد وبيل في الماضي لكي يسترجعا نصا كتباه من قبل وأهملاه ومن الممكن أن يعثرا عليه، لتقع سلسلة من المفارقات التي تفضي إلى انفصالهما عن زوجتيهما وفراق ابنتيهما، في حين كان جل هم تيد وبيل هو إرضاء الابنتين.

مهمة إنقاذ لا تخلو من مفارقات كوميدية
مهمة إنقاذ لا تخلو من مفارقات كوميدية

وهنا لا بد من التوقّف عند كون الانتقال عبر الزمن واكتشاف الأماكن من بين العوامل التي جعلت الفيلم يفتقد إلى ثبات الفكرة، حيث تقع تلك الانتقالات لغرض تعميق الكوميديا، لا غير.

ولأجل المضي في هذه الدراما المشوّقة، ونظرا لعجز تيد وبيل عن الوفاء بما تم تكليفهما به، يتم البحث عنهما بعد أن عادا إلى الأرض لغرض الاقتصاص منهما، وفي كل مرة لا يتحقّق ذلك، حيث ينجوان لينتقلا إلى مرحلة جديدة.

في واقع الأمر كرّس الفيلم الشخصيتين الرئيسيتين لغرض العبث بعنصري الزمان والمكان لا أكثر في إطار كوميدي، وما عدا ذلك فهناك سلسلة من المشاهد والأحداث التي عمّقت الضحك وسط العديد من المفاجآت، من ذلك الوصول إلى جهنم ومشاهدة من هم هناك وهو تحوّل في الدراما أُريد به الوصول بالتنويع المكاني إلى أقصاه.

اعتمد الفيلم على كوميديا المشهد وعلى المفارقات أكثر من اعتماده على نسيج متكامل من الكوميديا، ولهذا لم يكن الفيلم ليحمل من إضافة جديدة لا للكوميديا ولا للأشكال التعبيرية، وإنما يندرج في النوع الفانتازي الذي وجد في الخيال العلمي تطويرا ملفتا زاد من قبول الفيلم.

وبالطبع نحن لم نعهد كيانو ريفز ممثلا كوميديا، لكنه هنا يحاول أن يقدّم نفسه في إطار ذلك العمل، وهو على قدر من حسن النية الأقرب إلى السذاجة منه إلى الممثل الكوميدي الذي ينطبع في العقل دوره وإسناده.

ولنعد إلى استخدام الموسيقى لازمة افتراضية أُريد من خلالها لم شعاب الفيلم وتفكّك مشاهده، لكنها في كل الأحوال لم تكن تلك الرابطة الموسيقية المتماسكة التي تعزّز بنية الفيلم.
على هذا كان انشغالنا الآخر هو في تتبّع حياة تيد وبيل وما آلت إليه، فنحن نبتدئ معهما وهما صبيان لننتهي معهما وقد تحولا إلى كهلين، وما بين المساحتين سوف ننتقل بين العديد من الأزمنة التي تتغيّر خلالها ملامح الشخصيات وفق فعل الزمن فيها وتأثيره عليها.

لننتهي أمام محصلة سيتم تكريسها بلقاء زوجتي تيد وبيل وابنتيهما لغرض أن تمضي المهمة في الوصول إلى اللحن العظيم والأغنية العظيمة، لتتحوّل الأسرة هنا إلى عامل مُضاف تُثبت مصداقية تيد وبيل اللذان تعرّضا للكثير من التشكيك في لا جدوى ما يقومان به من أعمال موسيقية على الرغم من معاناتهما.

16