فنانو الكاريكاتير يضربون جيش كورونا بذخيرة مدفع الإفطار

معرض “رمضانيات” الإلكتروني يقدّم خمسين عملا فنيّا عن أزمة فايروس كورونا.
السبت 2020/05/23
«مدفع كورونا» من أعمال الفنان المصري فوزي مرسي

يتميّز فن الكاريكاتير منذ عقود طويلة بأنه الأقرب إلى مواكبة اللحظة الحياتية المعيشة، وملامستها بقوة، والتعبير عنها بحساسية، وتشريحها بجرأة وصرامة وجدية، وذلك على الرغم من الطبيعة الهزلية لفن التعرية الشعبي، القائم على البساطة والمفارقة والتضخيم والإضحاك. وهو ما حصل تماما مع معرض “رمضانيات” الإلكتروني الجماعي الدولي.

القاهرة – شهر رمضان أخصب شهور العام، وأقربها إلى قلوب عشّاقه الذين يترقبون هلاله بشغف، ويودّعونه بأسى، فهو نبع الوضاءة الروحانية والصفاء الذهني والمراسم التعبدية والفيوضات الإيمانية، كذلك شهر الطقوس الدينية والاجتماعية والاحتفالات والمعالم المحببة إلى النفوس في سائر الأرجاء.

تعانقت هذه الملامح الرمضانية المبهجة مع شهر الصيام الذي شارف على الانتهاء مع أجواء مخيفة، مبعثها انتشار فايروس كورونا الخطير الذي أغلق حركة الحياة برمتها، ونال من طبيعة رمضان وخصوصيته ومفرداته ومظاهره المألوفة بطبيعة الحال.

وأدّت هذه المواجهة بين لوازم رمضان وعناصره من جهة، والجائحة والإجراءات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المترتبة عليها من جهة أخرى، إلى نشوء فكرة فنية مبتكرة، هي تلك “الرمضانيات الكورونية” الاستثنائية، وتطوّرت الفكرة بالفعل فصارت ثيمة لمعرض جماعي إلكتروني للكاريكاتير، أطلقته منذ أيام قليلة الجمعية المصرية للكاريكاتير، بالتعاون مع نظيرتيها في المغرب والكويت، وموقع “توميتو كارتون” الأردني.

وجاءت المشاركة في المعرض واسعة النطاق، حيث شهد أكثر من خمسين عملا لفنانين من مصر وأربع عشرة دولة عربية وأجنبية أخرى، منها: الكويت، الإمارات، المغرب، العراق، الأردن، إندونيسيا، ماليزيا، الهند، الولايات المتحدة، وغيرها.

وإلى جانب العرض الإلكتروني للوحات من خلال المواقع والمنصات الرقمية وصفحات السوشيال ميديا، جرى إعداد فيديو قصير يضم أبرز اللوحات الفنية المشاركة، وهو أسلوب يلائم عرض الفنون البصرية افتراضيا، لعدم إمكانية إقامة معرض طبيعي في قاعة حقيقية في هذه المرحلة.

تشريح اللحظة

"مسحراتي الموت" كما رسمه الكاريكاتيرست المصري محمد مصطفى محمد
"مسحراتي الموت" كما رسمه الكاريكاتيرست المصري محمد مصطفى محمد

يتميز فن الكاريكاتير منذ عقود طويلة بأنه الأقرب إلى مواكبة اللحظة الحياتية المعيشة، وملامستها بقوة، والتعبير عنها بحساسية، وتشريحها بجرأة وصرامة وجدية، وذلك على الرغم من الطبيعة الهزلية لفن التعرية الشعبي، القائم على البساطة والمفارقة والتضخيم والإضحاك.

ومن أسباب تفوّق الكاريكاتير وتمكّنه من الغوص تحت الجلد ورصد المشكلات والأزمات ومواضع الأوجاع العميقة الغائرة على هذا النحو، أنه اقترن عبر تاريخه بالصحافة والنشر اليومي على صفحاتها، فكانت رسومه دائما صوت الناس، ولسان حالهم في مواجهة الآلام والهزائم والجوائح.

قال الفنان المصري فوزي مرسي، المشرف على المعرض، لـ”العرب” “المقصود بهذه التجربة بلوغ حكمة الحياة وفلسفتها، وتحليل ما جرى ويجري وسيجري على الكوكب أملا في تجاوزه إلى الأفضل، طريقنا دائما الابتسامة، والحضّ على التكاتف، والاستمساك بالأمل”.

أهدى الفنانون معرضهم إلى الطواقم الطبية في العالم، وسعت أعماله إلى التحليق في الفضاء بجناحين؛ أولهما: الجناح الفني، حيث جماليات الفكرة والمضمون والصورة والألوان والنسب وأبجديات التعبير وما إلى ذلك، والثاني: الجانب التثقيفي، بمعنى الرسالة والتوعية.

وأضاف مرسي “لقد حرص الفنانون على الإدهاش وتفجير الضحكات البريئة في تناولهم المشاهد والمواقف المقترنة برمضان تحت تأثير كورونا والعُزلة، وفي الوقت نفسه فإنهم التزموا بشكل أو بآخر في أعمالهم بتعزيز الجهود الصحية ودعم الإجراءات الوقائية من أجل الحد من انتشار الوباء، مثل ضرورة الالتزام بالبقاء في المنزل، ومراعاة التباعد الاجتماعي، والتحرك المشروط بالاحتياطات ولوازم السلامة”.

وأشار إلى أن تلك سمة الكاريكاتير دائما، فهو فن للمتعة والجمال والضحك، وهو مسعى تنويري أيضا، كرافد من روافد القوة الناعمة، إلى لفت نظر الجمهور نحو قيمة وهدف، بأسلوب مبسّط غير متعال ولا فوقي ولا نخبوي.

فنون وجنون

من أعمال جيتيه كوستانا (إندونيسيا)
من أعمال جيتيه كوستانا (إندونيسيا)

لا ينفصل الفن المؤثر الصادق عن واقعه، ولا يكتفي بنقل المشهد كما هو، إنما يحرص على تفجيره بالدهشة وإضاءته بالقيمة والرسالة والخصوصية. ومن هذا المنطلق حرص فنّانو الكاريكاتير المشاركون في معرض “رمضانيات” الإلكتروني الجماعي الدولي على تقديم قراءة متعمّقة للحالة الصحية والاجتماعية والإنسانية العامة الراهنة في شهر الصيام، والذي جاء مختلفا تماما هذا العام، في ظل العُزلة المنزلية والحجر الصحي جرّاء انتشار الوباء العالمي المستجدّ.

وقدّمت لوحات المشاركين في المعرض بانوراما شاملة لأبرز طقوس شهر الصيام وملامحه المختلفة تحت وطأة الوباء، وامتزجت كافة المعالم والملامح الرمضانية الشهيرة بإجراءات الوقاية الصحية والتباعد الاجتماعي في رسوم الفنانين العرب ذات الأفكار المبتكرة والروح الساخرة.

ومن هؤلاء الرسّامين: سامي الخرس، عادل القلاف، محمد القحطاني، منى قاسم التميمي (الكويت)، آمنة الحمادي (الإمارات)، عاصم جهاد (العراق)، درقاوي عبدالله (المغرب)، فوزي مرسي، ماهر رشوان، محمد مصطفى (مصر)، ناصر جعفري (الأردن)، جيتيه كوستانا (إندونيسيا)، روزيم (ماليزيا) وغيرهم.

وتبارى الفنانون في تقصّي التفاصيل اللمّاحة واللقطات الجنونية والتخييلية لإبراز المفارقات، وتوليد المساحة التهكمية الواسعة، وتنويع الأغراض التعبيرية التي أخذت في بعض اللوحات طابعا إنسانيا عاما وكونيا، فالعالم كله معزول في كوخ افتراضي أزرق، وفي سمائه حلت فايروسات الكورونا محل النجوم، وبدا الهلال شاردا وحيدا.

وفي جانب آخر من الأرض، تحوّل مدفع الإفطار إلى حقنة تصوّب ذخيرتها الحية العقار المنتظر نحو جيش العدو المجهول، في حين يصيح أبطال الجيش الأبيض من الأطباء مهللين “اضْربْ”.

تعمّقت رسوم الفنانين في تصوير الحالة البشرية بكل ما فيها من ضغوط نفسية وصراعات داخلية، وبكل ما تتيحه أيضا من فرصة للتأمّل وإعادة النظر إلى الذات، وتطهيرها تحت مظلة العزلة، ففي قلب فانوس رمضان المضيء تنعم الأسرة الصغيرة برمضان روحاني هادئ خارج الصخب والضجيج والتجمّعات.

وبذلك يسلم أفرادها من الشيطان الكوروني وأذى العالم وشروره، كما قد يستثمر الإنسان وقته بالقراءة والثقافة وفعل ما يفيد من تغذية ذهنية ومعرفية، وهذا بمثابة ارتداء كمامة واقية ضد كل أشكال الخطر.

وأبرز الفنانون كذلك بوعي وذكاء كيف أن جوهر الإيمان وحقيقة الصوم وسائر القيم الرمضانية من الممكن إدراكها على الرغم من إغلاق دور العبادة وبكاء مآذن المساجد، فمن الجائز أن يحتوي قلب الإنسان المفعم بالمحبة والصدق والإخلاص كل هذه الأمكنة الطاهرة المقدسة، وأن يمتلك الفضاء كله بين يديه، وذلك عندما ينسجم مع ذاته ويتصالح مع خالقه، ليس فقط في فترة الصوم المحدّدة، وإنما في جميع الأوقات.

معالم رمضان تختلط بإجراءات الوقاية والتباعد الاجتماعي في رسوم فنانين عرب
معالم رمضان تختلط بإجراءات الوقاية والتباعد الاجتماعي في رسوم فنانين عرب

 

13