فضلي حسن عابد جندي الأمل المجهول

محاسب بسيط غيّر حياة 100 مليون شخص حول العالم.
السبت 2022/08/06
لم يكن زاهدا

لندن - في العام 1972 سمع العالم لأول مرة عن منظمة صغيرة انطلقت في لندن لتقديم العون للاجئين، لم تكن تلك المنظمة الخيرية صغيرة بأهدافها بل بالميزانية التي خصصها لها مؤسسها  المحاسب الهندي الأصل فضلي حسن عابد، والتي لم تتعدَ بضعة آلاف من الدولارات مصدرها ثمن الشقة الخاصة به والتي باعها آنذاك ليموّل نشاط منظمته.

انطلقت المنظمة التي سمّاها عابد ”براك“ وهو اختصار لـ”لجنة مساعدة وإعادة تأهيل في بنغلاديش“ واستمرّت تقدّم خدماتها لكثيرين طيلة الأعوام الماضية تحت إدارته، وحتى رحيله في العام 2019.

عرف عن عابد تواضعه وكراهيته للشهرة والأضواء، غير أن الكتاب الذي صدر مؤخرا عن دار رومان وليتلفيلد للنشر وحمل عنوان “الأمل على القدر: فضل حسن عابد وعلم إنهاء الفقر العالمي“ أعاد سيرة عابد من جديد للتداول وأطلّ على حياته التي بدت كأمثولة للعمل الإنساني وزراعة الأمل في النفوس.

التدريب على الأمل

ثاني أفقر دولة في العالم، هكذا كان تصنيف بنغلاديش في العام 1971، حين حصلت على استقلالها، وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من 100 دولار، في دولة يبلغ عدد سكانها ستة وستين مليون نسمة يعيشون فوق رقعة من الأرض بحجم ولاية أيوا.

نموذج عمل عابد يقوم على اعتبار أن التدريب والتأهيل يأتيان في المرتبة الأولى قبل تقديم المساعدات العينية، ومن هنا كان عليه ألا يتوقف عند المشاريع الصغيرة التي قدمها للنساء، بل قام بإنشاء مصانع لاستقبال إنتاجهن أيضا

بنغلاديش بحد ذاتها بلاد تختصر الكثير من آلام البشرية وآمالها، فالاكتظاظ السكاني والفقر والمساحة الضيقة والموقع الجغرافي الحساس كلها عوامل تجعل من استمرار الحياة بحد ذاتها معضلة بحاجة للعون. تقول الإحصاءات إن هناك طفلا ميتا دوما من بين كل خمسة مواليد جدد، علاوة على ارتفاع نسبة الوفيات بين النساء – الأمهات لتصل حتى مطلع التسعينات إلى 574 وفاة من بين كل 100 ألف امرأة.

غالبية البنغاليين يعملون خارج بلادهم، في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، يعيش أكثر من 1.2 مليون عامل يحملون الجنسية البنغالية، وأرقام مشابهة في الإمارات وبقية دول الخليج، ناهيك عن دول العالم الأخرى. تلك العمالة أسهمت في تغيير الأوضاع في البلاد، وكان الانتعاش الاقتصادي قد بدأ يتضح أكثر في السنوات العشر الماضية، كما يقول خبراء.

هل كان لعابد دور في تغيّر ذلك المشهد؟ نعم، فمنظمته ”براك“ لم تكتف بتقديم المساعدات المباشرة، بل عملت على تهيئة الإنسان في تلك البلاد، ويقال إنها فتحت أمامهم آفاقا جديدة للتعامل مع الظروف الصعبة ودربتهم على الدفاع عن أنفسهم ضد أصحاب العقارات والمسؤولين الحكوميين الفاسدين والشخصيات المتطرفة دينيا التي عارضت منح المزيد من الحقوق للمرأة. وكان مفتاح ذلك كله هو مفردة واحدة ”الأمل“.

وضع عابد نماذج عديدة لتطبيق أهدافه، وكان العمل على نشر الفكر الصحي السليم على رأس تلك البرامج، كتثقيف الأمهات طبيا لمساعدتهن على حماية أرواح المواليد الجدد وإنقاذهم من الموت، علاوة على تقديم القروض للمشاريع الصغيرة التي بوسعها أن تعيد تنظيم حياة النساء، من خلال المواشي أو آلات النسيج.

كانت أفكار عابد في ذلك الوقت متقدمة على ما يجري من حوله، واليوم حين تسمع مثل هذه المقترحات تبدو مثيرة للاهتمام، فكيف كان الحال حين قرّر عابد تطبيقها قبل عشرات السنين؟

تقول أميرة حق رئيسة مجلس إدارة ”براك“ إن عابد بهاي، كما تسميه أسرة المنظمة، قدّم صورة من التفاني الدائم والتركيز على أخلاقيات العمل عاشت عليها منظمته، وتضيف ”كان دائما يضع الآخرين في المقدمة قبله، ويترك لعمله أن يتحدث عنه. حتى عندما وصلت لجنة تطوير الريف في بنغلاديش إلى مكانتها العالمية، كان اهتمامه وتركيزه على الأقل حظا في المجتمع وأولئك الذين تحتاج إمكاناتهم إلى الرعاية. لقد جسد أعلى مستوى من النزاهة والتواضع والإنسانية“.

حين رحل عابد حزنت عليه الآلاف من الأسر، وقدّم رئيس بنغلاديش محمد عبدالحميد التعزية بنفسه كذلك فعلت رئيس الوزراء الشيخة حسينة. لكنه لم يرحل إلا بعد أن ترك آثاره على جميع نواحي الحياة في البلاد، منذ أن كان في سن السادسة والثلاثين، حين ركّز على الريف وتنميته، انطلاقا من مشروع صغير للإغاثة وإعادة التأهيل في شمال شرق بنغلاديش، وعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، نمت ”براك“ لتصبح واحدة من أكثر المنظمات غير الحكومية فاعلية في العالم، فقد غيّرت حياة أكثر من 100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم.

رحلة المحاسب

● بنغلاديش بلاد تختصر الكثير من آلام البشرية وآمالها، وسط الاكتظاظ السكاني والفقر الشديد، ومن هناك انطلق عابد
● بنغلاديش بلاد تختصر الكثير من آلام البشرية وآمالها، وسط الاكتظاظ السكاني والفقر الشديد، ومن هناك انطلق عابد

”براك“ ليست فقط منظمة عمل خيري، بل هي نوع من النظام البيئي الفريد الذي يضم برامج التنمية وتمويل المشاريع الصغيرة، والمؤسسات الاجتماعية، والمؤسسة الجامعية، والبنك إضافة إلى مجموعة من الاستثمارات التي تصب في ذات الهدف. وتعمل ”براك“ حاليا في 11 دولة في آسيا وأفريقيا، ولها مكاتب تابعة في الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا.

ولد عابد عام 1936 في بنغلاديش ودرس المحاسبة في لندن، وحصل على لقب محاسب إدارة التكاليف عام 1962. وأثناء عمله كمسؤول تنفيذي أول في شركة ”شل“ الباكستانية، وقع إعصار العام 1970 واندلعت حرب التحرير عام 1971 في بنغلاديش، ما أدى إلى تغيير اتجاه حياة عابد بشكل كبير. فقرر مغادرة وظيفته والانتقال إلى لندن، ومن هناك بدأ في عمله لمساعدة بنغلاديش من باب دعم حرب التحرير الوطنية.

منظمته "براك" لم تكتف بتقديم المساعدات المباشرة، بل عملت على تهيئة الإنسان في البلدان التي نشطت على أراضيها، ويقال إنها فتحت أمامهم آفاقا جديدة للتعامل مع الظروف الصعبة ودربتهم على الدفاع عن أنفسهم

انتهت الحرب، وعاد نحو 10 ملايين بنغالي ممن غادروا بلادهم إليها، ورجع معهم عابد، فوجد الأرض خرابا كبيرا. اقتضت تلك الظروف بذل جهود جبارة للإغاثة وإعادة التأهيل العاجلة لهؤلاء العائدين.

وتلبية لتلك الاحتياجات أسس عابد بذرة مشروعه في منطقة نائية في شمال شرق بنغلاديش، هدفها الأول تطوير قدرات اللاجئين على إدارة حياتهم بشكل أفضل. وتطور عمله حتى احتلت ”براك“، ولأعوام متتالية، المرتبة الأولى بين أفضل 500 منظمة غير حكومية في العالم وفق تصنيف مستشارية المنظمات غير الحكومية ومقرها جنيف؛ بناء على تأثيرها وابتكارها واستدامتها.

منظمة ”آشوكا“ التي تضع على عاتقها مهمة البحث عن رواد الأعمال الاجتماعيين في العالم، للدعوة إلى التعلم من أنماط ابتكاراتهم، صنّفت عابد كأحد عظماء العالم، وتم منحه وساماً برتبة فارس من قبل التاج البريطاني تقديرا لخدماته في الحد من الفقر في بنغلاديش وعلى الصعيد الدولي، وبات يحمل لقب ”سير“. يقول عنه كاتب سيرته سكوت ماكميلان إن عابد لم يكن زاهدا مثل غاندي، فقد كان يغادر المكتب في ساعة معقولة ويستمتع في البيت بالحياة العائلية، بأصوات أفراد الأسرة ورائحة التوابل المنعشة المنبعثة من المطبخ. تزوج ثلاث مرات، بعد أن فقد زوجتين وعانى من الوحدة وآلامها حتى اكتشف ما سمّاه بـ”علم الأمل“.

قيمة التأهيل

● عابد المصنف كأحد "عظماء العالم" تم منحه رتبة فارس من قبل التاج البريطاني تقديراً لخدماته
● عابد المصنف كأحد "عظماء العالم" تم منحه رتبة فارس من قبل التاج البريطاني تقديراً لخدماته

نتيجة لاحتكاكه مع الملايين من الفقراء، رأى عابد أن حياته ومعاناته الخاصة لا تعنيان شيئا أمام ظروف هؤلاء، خاصة من النساء اللواتي كان يقول عنهن إنهن ”ممثلات أنفسهن في التاريخ، ويكتبن قصصهن الخاصة عن انتصارهن على الشدائد“.

حين مرض عابد مرضه العضال الذي أنهى حياته، بدأ يتحدث عن ”علم الأمل“ ووصفه بأنه دراسة وممارسة منح الناس إحساسا بالسيطرة على حياتهم. كان يقول ”لفترة طويلة جدا، اعتقد الناس أن الفقر شيء تفرضه قوة أعلى، لا يتغير مثل الشمس والقمر”. لكن كفاح عابد الذي استمر طويلا قلب المعادلة، وجعل من تغيير حياة الناس أمرا ممكن الحدوث بالإرادة والفكر المتقدم والتعاون.

الدعم الذي قدمه عابد للمحتاجين حول العالم دفع الأمم المتحدة لاختياره كمستشار خاص للأمين العام في عام 2010 لتقديم المشورة بشأن دعم البلدان الأقل نموا. ووضعته مجلة ”فورتشن“ بين أعظم 50 قائدا في العالم، قبل أن يتم تكريمه برتبة فارس أيضا من هولندا.

فكر عابد كان يقوم على اعتبار أن التدريب والتأهيل يأتيان في المرتبة الأولى قبل تقديم المساعدات العينية، ومن هنا كان عليه ألا يتوقف عند المشاريع الصغيرة التي قدمها للنساء، بل قام بإنشاء مصانع لاستقبال إنتاجهن أيضا، كما افتتح خطوط إنتاج مشتقات الألبان والمنسوجات التي تشتري السلع من النساء.

أرباح تلك المصانع أعاد عابد صبّها في برامج مكافحة الفقر، وموّل 50 ألف مدرسة للأطفال إضافة إلى جامعة براك، وأسس بنكا تجاريا، حتى وصلت آفاق عمل ”براك“ إلى حدود اجتماعية غير مسبوقة حتى الآن.

● "براك" تضم برامج تنمية وتمويل ومؤسسات تعليمية واجتماعية
 "براك" تضم برامج تنمية وتمويل ومؤسسات تعليمية واجتماعية

12