غياب معايير لتصميمات جدارية في مصر يقود للوقوع في السرقة الفنية

عزالدين نجيب لـ"العرب": ليس هناك اهتمام بالفن التشكيلي وبمن يستطيعون تقديم لوحات إبداعية.
الاثنين 2022/07/11
لوحة المصرية غادة والي (يمين) اللوحة الأصلية للروسي جورجي كوراسوف (يسار)

شهدت مصر في الآونة الأخيرة حادثة سرقة لوحات فنان روسي شهير تم اعتمادها تصميما في محطات جديدة للمترو، وسلّطت هذه الحادثة الضوء على تردي المستوى الفني وعدم خضوع الأعمال الفنية المقتناة للتقييم والرقابة اللازمين بالإضافة إلى تجاهل السلطات لأسماء رائدة مقابل استسهال التعامل مع أسماء شابة لم تؤكد صدق موهبتها ونزاهتها بعد.

القاهرة - يبدو هناك تراجع ظاهر على مستوى التصميمات الإبداعية للرسوم الجدارية في بعض الأماكن المصرية، وبين الحين والآخر تطرأ أزمة بطلها تردي اللوحات المصممة أو تشويه بضعها وسط تساؤلات عديدة حول المسؤول عن تصميمها، ولماذا لا تتم الاستعانة بفنانين مصريين معروفين بقدرتهم على رسم اللوحات المناسبة.

أثارت أزمة سرقة لوحة الفنان الروسي جورجي كوراسوف واقتباس مضمونها على إحدى محطات مترو الأنفاق في القاهرة من خلال الرسامة غادة والي جدلاً واسعًا في مصر، دفع إلى الحديث عن عدم وجود معايير بعينها يجري على أساسها اختيار التصميمات الجدارية وغياب رؤية يمكن أن تنتهجها الجهات الرسمية لتوجيه الذائقة البصرية نحو ما تتبناه وتسعى إلى إيصاله بطرق مختلفة للمواطنين.

اتفق الكثير من الفنانين التشكيليين في مصر على أن العمل الأصلي للفنان الروسي يتضمن عددا من الأخطاء الواضحة من ناحية الجوانب التشريحية في الصورة وأن الأخطاء ذاتها وقعت فيها الفنانة المصرية التي حاولت تمصيره لكنها أخفقت ونقلت حرفيًا ما جاء فيه، ما جعلها مسؤولة عن جريمة النقل التي تشكل تعديًا على الملكية الفكرية.

ورطة فنية مزدوجة

التراجع الفني لا يرتبط بجودة الرسومات فقط، حيث كشفت الواقعة الأخيرة عن الوقوع في أخطاء فنية بدائية

وضعت الأزمة كلاً من وزارة النقل المصرية والشركة المسؤولة عن تنفيذ محطات مترو الأنفاق في مأزق قانوني وفني وشعبي، وبرهنت على وجود عوامل أخرى تتدخل في اختيار شركات التصميم في الأعمال القومية، والأمر ليس له علاقة بالبحث عن الكوادر البشرية والفنية المصرية وتحفيز الشباب، حيث عرض البعض تقديم لوحاتهم مجاناً لتلافي أي مشكلات مستقبلية تضر بسمعة الفن التشكيلي المصري.

استعانت الهيئة القومية لمترو الأنفاق، وهي تابعة لوزارة النقل، وشركة “آر.إيه.تي.بي ديف للنقل كايرو” المسؤولة عن تشغيل الخط الأخضر الثالث بشركة تابعة للفنانة غادة والي (أستوديو والي) التي درست التصميم الغرافيكي في الجامعة الألمانية بالقاهرة ولا تحوز على عضوية نقابة الفنانين التشكيليين.

وجرى فسخ التعاقد معها قبل عدة أشهر لأسباب تتعلق بالإخلال ببنود العقد والتنفيذ دون أن يوضح أي طرف الأخطاء التي ارتكبتها وقادت إلى ذلك، فالفسخ جاء قبل اكتشاف فضيحة اقتباس المضمون الرئيسي للوحات رسمها الفنان الروسي.

أتت الاستعانة بغادة والي انطلاقًا من الترويج الذي حظيت به عندما قدمها أحد مؤتمرات الشباب التابعة لمؤسسة رئاسة الجمهورية في مصر وبعد حصولها على جائزة مجلة “فوربس” كواحدة ضمن فتيات مؤثرات تحت سن الثلاثين عام 2017.

واعتمد الاختيار على أن المنفذة صاحبة فكرة صنع هوية ثقافية لكل محافظات الجمهورية، وذلك قبل أن تتهمها فنانات مصريات بسرقة أفكارهن بشأن تصميم دعاية سياحية لمدينة الأقصر في جنوب مصر خلال اختفالية طريق الكباش، ما يشير إلى أن عملية الاختيار لم تكن معنية أساسا بالتركيز على المعايير الفنية والمهنية التي تقود إلى تقديم فن تشكيلي مصري أصيل.

اشتعلت الأزمة عندما دوّن الرسام الروسي جورجي كوراسوف عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك موقفه، وقال قبل أيام: “لقد تم استخدام لوحاتي في مترو أنفاق القاهرة دون إذني وعدم ذكر اسمي”، لافتا إلى أنه ينتظر ردا رسميا بشأن ما حدث في اللوحات.

كرة الثلج

تحوّل كلام الفنان الروسي إلى كرة ثلج كبرت في وسائل الإعلام المصرية التي تلقفت القضية لتثير ضجة حول حقيقة الأمر، متسائلة كيف لفنانة مصرية أن ترتكب هذه الجريمة.

ومع تصاعد الموقف تحوّل إلى أزمة، اضطرت معها الهيئة القومية للأنفاق في مصر والشركة الفرنسية المسؤولة عن تنفيذ الخطّ الثالث لمترو أنفاق القاهرة إلى الاعتذار من الفنان الروسي، وورد في بيان مشترك: “نقوم حالياً بدراسة الإجراءات القانونية المناسبة ضد شركة الدعاية لحفظ جميع الحقوق الخاصة عند إثبات الادعاءات وعليه سيتم تغيير التصميمات المقتبسة بشكل غير قانوني”.

وبرأت الهيئة المصرية ساحتها بتأكيدها أنها لم تكن على دراية بأن تلك التصميمات مستوحاة بشكل غير قانوني من لوحات فنان روسي، وأنها ضدّ أي تعد على حقوق الملكية الفكرية بأي شكل.

قارن العديد من الفنانين التشكيليين بين استعانة الإدارة الفرنسية المنفذة لخطوط المترو الأول والثاني في القاهرة بكبار أساتذة كليات الفنون الجميلة في مصر لتصميم وتنفيذ اللوحات الجدارية وأعمال النحت في المحطات التي جرى افتتاحها في التسعينيات من القرن الماضي، مثل الفنان الراحل سامي رافع والنحات الراحل فاروق إبراهيم، وبين الموقف الحالي، والذي جرى فيه إسناد الرسم إلى فنانة درست الرسم كهواية أكثر منه تخصصا علميا في الجامعة الألمانية.

وقال الفنان التشكيلي عزالدين نجيب إن المعايير التي وضعتها الحكومات المصرية المتعاقبة لتصميم رسوم الجداريات جرى الاستعاضة عنها بمعايير المصالح والعلاقات العامة، ولم يعد هناك اهتمام بالفن التشكيلي وكوادره التي تستطيع خلق لوحات إبداعية وبدلاً من ذلك جرى التعاقد مع مركز لتصميمات الغرافيك.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن المسابقات المحدودة التي كانت تعقدها الحكومة في حقبة الستينيات بين الفنانين التشكيليين المعروفين للاختيار من بين اللوحات التي يتقدمون بها لتزيين الجداريات اختفت الآن، وأن اللجنة العليا التي كانت تكلف بالإشراف على الأعمال المعمارية لم يعد لها حضور، وغابت المعايير التي كان على أساسها يتم تصميم الرسومات وتتماشى مع البيئة والمكان والهدف والوظيفة.

وأوضح أن غياب المعايير انعكس على تراجع القيمة الفنية للرسومات الجدارية في الأماكن العامة وغابت فلسفة الدولة للنهوض بالذائقة الثقافية للجمهور، حينما كان الذوق الجمالي جزءا من تنمية الوعي الإنساني والتنمية البشرية، أو ما يمكن تسميته ببناء الإنسان، وهو ما يرجع إلى عدم وجود دور للفن في منظور السياسة العامة للدولة.

أخطاء فنية بدائية

محاولة تمصير الأعمال تعيد ارتكاب الأخطاء الفنية نفسها
محاولة تمصير الأعمال تعيد ارتكاب الأخطاء الفنية نفسها

لا يرتبط التراجع الفني بجودة الرسومات فقط، حيث كشفت الواقعة الأخيرة عن الوقوع في أخطاء فنية بدائية، فاللوحة الجدارية جرى رسمها بألوان الدهانات العادية ويمكن أن تصيبها عوامل الزمن بالتلف والتشوه، بينما الأعمال السابقة في محطات المترو القديمة نفذت من السيراميك أو الفسيفساء، والأغرب أن بعض الرسومات في محطة “كلية البنات” في شرق القاهرة التي شهدت واقعة السرقة جاءت على الأرض.

وأشار نجيب إلى أن الجهات الحكومية تتحمل المسؤولية الأكبر، لأنها تغاضت عن الفنانين المصريين المخضرمين لصالح الاستعانة بفنانة مغمورة، والاعتذار هنا لا يكفي وسيكون من المطلوب الكشف عن ملابسات التعاقد مع الشركة المنفذة، وأن إزالة الرسومات يرجع إلى أنها لا تريد أن تبدو متواطئة مع السارقة.

ويعد تراجع أدوار النقابات المهنية أحد الأسباب التي تؤدي إلى غياب دور نقابة الفنانين التشكيليين للمساهمة في الإشراف على الرسومات الجدارية، وطغت المشكلات بين عدد من الأعضاء والنقيبة الحالية، صفاء القباني، بشأن الدور المجتمعي المنوط بالنقابة للقيام به، وهي وضعية تمثل ترجمة لحالة الفنانين بوجه عام.

ونشرت نقيبة التشكيليين صفاء القباني عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك بيانا قالت فيه إن “المصممة غادة والي ليست عضوا في نقابة الفنانين التشكيليين، واعتبرت ما حدث من استنساخ لأعمال فنان روسي دون تصريح منه تعديا عليه وعلى حقوق الملكية الفكرية ولا يجوز أن يستخدم أعمال أي أحد إلا بعد أخذ إذنه وكتابة اسمه مشاركة في العمل”.

وهو ما يلفت الأنظار إلى المسؤول المباشر عما حدث الذي أوكل لها هذا العمل في مشروع قومي على مرأى ومسمع العالم كله دون الرجوع إلى أرباب الفن وهم كثيرون.

وسعت القباني إلى توظيف الأزمة من أجل تفعيل قانون مزاولة المهنة لتصبح النقابة جهة حاكمة لأي فنان ويحاسب أمامها ولا يجب أن تسند الأعمال الكبرى إلا إلى مستشاري النقابات لتنظيم العمل.

15